إعلان
إعلان
main-background

الشفرة السرية للإمبراطورية.. لماذا لا يخشى لويس إنريكي التضحية بنجومه؟

كريم مليم
13 أكتوبر 202608:28
FBL-FRA-LIGUE1-MARSEILLE-PSGGetty Images

كان يوهان كرويف، الأسطورة الهولندية التي يكنّ لها لويس إنريكي، مدرب باريس سان جيرمان، إعجاباً كبيراً، يردد دائماً أن أصعب مهمة في كرة القدم ليست الوصول إلى القمة، بل تحقيق الفوز مرة أخرى بعد تذوق طعمه. فالحفاظ على النجاح أكثر تعقيداً من الوصول إليه، والدفاع عن الألقاب يتطلب عقلية مختلفة، خصوصاً عندما يتحول الفريق المنتصر إلى هدف يسعى الجميع إلى إسقاطه.

تلك الفكرة تبدو حاضرة بقوة في مشروع لويس إنريكي مع باريس سان جيرمان، الذي يدخل موسماً جديداً محملاً بطموحات استثنائية، بعدما فرض نفسه على عرش أوروبا. فالفريق لا يريد الاكتفاء بما حققه، بل يطمح إلى توسيع هيمنته، ومواصلة حصد الألقاب، وتحويل نجاحه الأخير إلى حقبة طويلة من السيطرة.

وبصفته بطل أوروبا في الموسمين الماضيين، يملك باريس سان جيرمان فرصة تحقيق إنجاز تاريخي يتمثل في التتويج بدوري أبطال أوروبا للمرة الثالثة على التوالي، ليصبح ثاني فريق فقط في تاريخ المسابقة يحقق هذا الإنجاز. وعلى الصعيد المحلي، يسعى النادي الفرنسي إلى الفوز بلقب الدوري للموسم الثالث توالياً، في اختبار جديد لقدرة المجموعة على التعامل مع ضغوط النجاح وتوقعات الجماهير.

لكن الطريق إلى المجد لا يخلو من العقبات. فباريس سان جيرمان لم يبدأ الموسم بأفضل صورة ممكنة، إذ وصل إلى مواجهة مانشستر سيتي على ملعب الاتحاد وهو يحتل المركز السادس في الدوري الفرنسي، بعدما حقق ثلاثة انتصارات وتعادلين وتلقى هزيمة واحدة. ومع ذلك، لا يبدو القلق مسيطراً على أجواء النادي، ولا توجد مؤشرات على أن النتائج المبكرة دفعت المسؤولين إلى التشكيك في المشروع الذي يقوده المدرب الإسباني.

فلسفة كرويف.. الفوز المتكرر أصعب من الوصول إلى القمة

لا ينظر لويس إنريكي إلى البداية المتعثرة باعتبارها أزمة تستوجب تغيير المسار، بل يتعامل معها باعتبارها جزءاً من موسم طويل، لا يمكن الحكم عليه من خلال مجموعة محدودة من المباريات، وذلك حسبما أفادت هيئة الإذاعة البريطانية "بي بي سي".

لقد مر باريس سان جيرمان بظروف مشابهة في بداية الموسم الماضي، قبل أن يستعيد توازنه ويحقق النتائج التي قادته إلى قمة أوروبا. ولذلك، يبدو المدرب مقتنعاً بأن الفريق يمتلك من الجودة والخبرة ما يسمح له بتجاوز هذه المرحلة، شريطة الحفاظ على الانضباط والثقة في العمل اليومي.

وقد عبّر إنريكي عن هذه الثقة بوضوح عندما طرح تساؤلاً يحمل قدراً من التحدي: "هل تريدون المراهنة ضدنا؟". لم تكن العبارة مجرد رد عابر على الانتقادات، بل عكست إيمان المدرب بقدرة فريقه على العودة، ورفضه إصدار أحكام مبكرة على مجموعة اعتادت التعامل مع المواقف الصعبة.

ومع ذلك، فإن التحدي الحقيقي لا يتعلق باستعادة المستوى فحسب، بل بتجنب الوقوع في فخ النجاح. فعندما يفوز اللاعبون بكل شيء، يصبح من السهل أن يتسلل إليهم الشعور بالاكتفاء، أو الاعتقاد بأن مكانتهم تضمن استمرارهم دون الحاجة إلى بذل الجهد نفسه.

وهنا تحديداً تبرز إحدى أهم مهام لويس إنريكي: إبقاء لاعبيه في حالة تنافس دائمة، وإقناعهم بأن الإنجازات السابقة لا تمنح أحداً حصانة من التراجع، وأن القميص الأساسي لا يُحجز بالاسم أو التاريخ، بل بالأداء والاستعداد والالتزام.

عقود طويلة ورسالة واضحة.. المشروع أكبر من جيل واحد

لم يكتفِ باريس سان جيرمان بالتعبير عن ثقته في مدربه من خلال التصريحات، بل ترجم هذه الثقة إلى خطوات عملية تؤكد رغبته في الاستمرار على النهج نفسه.

فقد وقّع لويس إنريكي عقداً جديداً يمتد حتى عام 2030، في خطوة تعكس رغبة الإدارة في بناء مشروع طويل الأمد تحت قيادته، بعيداً عن التغييرات المتكررة التي طبعت فترات سابقة من تاريخ النادي.

وبالتزامن مع الإعلان عن تجديد عقد المدرب، كشف النادي عن تمديد ارتباطه بعدد من العناصر المهمة، وهم جواو نيفيس وفابيان رويز وويليان باتشو ولوكاس بيرالدو وسيني مايولو.

وتحمل هذه الخطوات رسالة واضحة إلى غرفة الملابس مفادها أن المشروع لا يتوقف عند مجموعة بعينها، وأن النادي يخطط للمستقبل من خلال الحفاظ على ركائزه الأساسية، مع الاستمرار في تطوير العناصر القادرة على تقديم الإضافة.

كما أن الاستقرار لا يقتصر على اللاعبين والمدرب، بل يمتد إلى الطاقم الفني الذي لم يشهد تغييرات كبيرة منذ وصول إنريكي إلى باريس عام 2023.

ويُعد خواكين فالديس أحد أبرز الوجوه المحيطة بالمدرب الإسباني، بعدما رافقه منذ أيام العمل مع الفريق الرديف لبرشلونة. فهو ليس مجرد مساعد فني، بل يمثل حلقة اتصال مهمة مع اللاعبين على المستوى الشخصي، ويساعد في الحفاظ على التوازن داخل المجموعة.

ويؤدي فالديس دوراً يتجاوز التفاصيل التدريبية، إذ يعرف شخصية إنريكي جيداً، ويستطيع مساعدته على استعادة التركيز عندما تتداخل الضغوط مع متطلبات العمل. وغالباً ما يظهر في الخلفية خلال المؤتمرات الصحفية، في مشهد يعكس حضوره المستمر إلى جانب المدرب.

أما رافيل بول، فيتولى جانباً استراتيجياً مهماً، ويعمل بوصفه الرجل الثاني في الطاقم، ليكمل منظومة تعتمد على توزيع الأدوار والاستقرار في طريقة العمل.

ناقش الموضوعات والأخبار بشكل أعمق فيمنتديات كووورة

عمق التشكيلة.. السلاح الذي غيّر حسابات لويس إنريكي

على الرغم من استمرار معظم تفاصيل العمل الفني، فإن أحد أبرز التطورات التي شهدها باريس سان جيرمان يتمثل في امتلاكه مجموعة أوسع من اللاعبين القادرين على المشاركة دون أن ينهار مستوى الفريق.

لقد أثبت الموسم الماضي أن عمق التشكيلة يمكن أن يكون الفارق بين فريق ينافس على الألقاب وآخر يكتفي بمحاولة الوصول إليها. فالموسم الطويل، بما يتضمنه من مباريات متلاحقة وسفر وضغوط وإصابات، لا يسمح بالاعتماد على مجموعة محدودة من اللاعبين في كل المسابقات.

وبات إنريكي قادراً على إراحة لاعب أساسي أو أكثر، بل استبعاد بعض الأسماء البارزة من قوائم المباريات، دون أن يتسبب ذلك بالضرورة في تراجع أداء الفريق.

وغاب عثمان ديمبيلي عن قائمة المباراة التي فاز فيها باريس سان جيرمان على لو مان يوم السبت، كما سبق أن استُبعد لوكاس ديني في مرحلة سابقة من الموسم.

ولا تعني مثل هذه القرارات بالضرورة وجود مشكلة مع اللاعبين، بل تعكس رغبة الجهاز الفني في إدارة الأحمال البدنية وضمان وصول العناصر الأساسية إلى المواجهات الكبرى بأفضل جاهزية ممكنة.

وتجلت هذه الفلسفة بوضوح في مباراة لو مان، عندما دفع إنريكي بثمانية لاعبين لا يشاركون عادةً ضمن التشكيلة الأساسية في المباريات الكبرى. وحين أصبحت النتيجة متعادلة، لجأ إلى أربعة من نجومه لحسم المواجهة وضمان الفوز.

إنها طريقة تؤكد أن المدرب لا يريد امتلاك فريق أساسي وآخر احتياطي فحسب، بل مجموعة قادرة على التكيف مع متطلبات كل مباراة، مع الاحتفاظ بخيارات مؤثرة على مقاعد البدلاء.

وهذا العمق يمنح إنريكي فرصة إدارة الموسم بمرونة أكبر، ويقلل من احتمالات استنزاف أبرز لاعبيه قبل المواعيد الحاسمة، كما يضع الجميع أمام حقيقة أن المنافسة على المراكز لن تتوقف.

رحيل الأسماء اللامعة.. لماذا لا يخشى باريس التغيير؟

لم تقتصر عملية إعادة تشكيل الفريق على توسيع الخيارات المتاحة، بل شملت أيضاً تغييرات في الخط الأمامي، بعد رحيل جونسالو راموس وبرادلي باركولا ولي كانج-إن، وفقاً للتقرير.

ويوضح داني جيل، مراسل إذاعة "كوبي" الإسبانية في باريس، أن النادي أصبح أكثر اهتماماً بالتعاقد مع لاعبين يمتلكون رغبة كبيرة في التطور، بعدما حقق بعض عناصره السابقين الألقاب وحصلوا على مكافآت مالية مجزية.

ويقول جيل إن النادي لم يكن قادراً على منح باركولا دقائق اللعب التي كان يرغب فيها، وهو ما جعل البحث عن لاعبين أكثر شغفاً وطموحاً أحد أهداف المرحلة الجديدة.

وتكمن أهمية هذه الرؤية في أنها تضع الدافع الشخصي ضمن معايير الاختيار، إلى جانب الموهبة والقدرة الفنية. فامتلاك لاعب لمهارات استثنائية لا يكفي وحده لضمان نجاحه في منظومة تتطلب التزاماً مستمراً، واستعداداً لقبول المنافسة، والعمل وفق قواعد يحددها المدرب.

ويُنظر إلى ميكا جوتس وفيران توريس باعتبارهما نموذجين للاعبين اللذين يسعيان إلى إثبات نفسيهما على مستوى أعلى، في ظل اختلاف مسيرتيهما عن مسيرة الأسماء التي غادرت الفريق.

وبحسب جيل، لم يكن الجهاز الفني يرى أن باركولا قادر على بلوغ المستوى نفسه الذي وصل إليه ديمبيلي، رغم اللمحات الفنية التي أظهرها اللاعب الفرنسي. ومع ذلك، فإن تلك اللمحات كانت كافية لإقناع ليفربول بدفع 123 مليون جنيه إسترليني للتعاقد معه، في صفقة تعكس القيمة التي يمكن أن تكتسبها الموهبة في سوق الانتقالات.

لكن رؤية إنريكي لا تقوم على الاحتفاظ بالأسماء لمجرد شهرتها، ولا على افتراض أن اللاعب الذي أسهم في الفوز بالألقاب سيظل الخيار الأفضل إلى الأبد. فالمعيار الأساسي هو مدى قدرة كل عنصر على خدمة الفريق في المرحلة المقبلة.

فيران توريس.. من المعاناة النفسية إلى عقلية القرش

تبدو قصة فيران توريس من أكثر الحالات إثارة للاهتمام في هذا السياق، إذ لم يكن انتقاله مجرد خطوة جديدة في مسيرته الاحترافية، بل فرصة لاستعادة ثقته بنفسه وتأكيد قدرته على التأثير.

فقد مر اللاعب بفترة صعبة على المستوى النفسي خلال تجربته السابقة مع برشلونة، خصوصاً عندما لم يكن يشارك بانتظام، رغم نجاحه في تسجيل أفضل أرقامه التهديفية في الموسم الماضي.

وعمل توريس على تعزيز صلابته الذهنية، حتى بات يطلق على نفسه لقب «القرش»، في إشارة إلى الرغبة في التعامل مع التحديات بشراسة أكبر، وعدم السماح للعقبات بإضعاف ثقته بقدراته.

والآن، بعدما سجل هدف الفوز لإسبانيا في نهائي كأس العالم، ونجح في إحراز سبعة أهداف في فرنسا، يشعر بأنه أصبح لاعباً مرغوباً فيه بالفعل، للمرة الأولى في مسيرته، وفقاً للتقرير.

ويبدو أن هذا الشعور ينعكس على طريقة تعامله مع دوره داخل الفريق، فهو يعرف جيداً طبيعة المنظومة التي انضم إليها، ويدرك أن لويس إنريكي لا يبني مشروعه حول نجم واحد، بل حول مجموعة تعمل وفق قواعد مشتركة.

في فرق إنريكي، لا يتقدم المهاجم على المدرب، ولا تُمنح النجومية باعتبارها امتيازاً دائماً. فالمدرب هو من يحدد أسلوب اللعب والمعايير وقواعد السلوك، وعلى اللاعبين التكيف مع هذه المنظومة والاندماج فيها.

وهذه إحدى الركائز التي تفسر قدرة باريس سان جيرمان على الاستغناء عن لاعبين أصحاب أسماء كبيرة، دون أن يفقد هويته أو يضطر إلى إعادة بناء الفريق من الصفر.

من صفقات باهظة إلى منظومة متكاملة.. ثورة تتجاوز الفريق الأول

ربما يتمثل التحول الأهم في تجربة لويس إنريكي في الطريقة التي تغيرت بها صورة باريس سان جيرمان. فبعد سنوات كان يُنظر خلالها إلى النادي باعتباره مشروعاً يعتمد أساساً على جمع النجوم والإنفاق الضخم، أصبح الفريق يقدم نموذجاً مختلفاً يقوم على التوازن الفني، والتخطيط، والاستفادة من المواهب الشابة.

وقد حصل إنريكي على صلاحيات ومساحة للعمل لم يسبق للملاك القطريين منحها لأي مدرب آخر في النادي بهذا الشكل، وهو ما أتاح له فرض رؤيته على تفاصيل المشروع، من اختيار اللاعبين إلى تنظيم العمل اليومي، وصولاً إلى تطوير المواهب الصاعدة.

ولم تعد الأكاديمية مجرد قطاع منفصل عن الفريق الأول، بل أصبحت جزءاً من استراتيجية النادي طويلة الأمد.وشهد الموسم الماضي مشاركة أربعة لاعبين من خريجي الأكاديمية في منافسات دوري أبطال أوروبا، وهم وارن زائير-إيمري وسيني مايولو وكوينتين ندجانتو وإبراهيم مباي. ويعكس ذلك رغبة النادي في فتح الطريق أمام المواهب الشابة، بدلاً من جعل التعاقدات الخارجية الخيار الوحيد لتطوير التشكيلة.

ويجسد المقر التدريبي الجديد هذه الفلسفة. فالفريق الأول يوجد في الجزء الأعلى من المجمع، بينما تقع الأكاديمية في الأسفل، في صورة تعكس رحلة الصعود التي يتعين على اللاعبين الشباب خوضها من أجل الوصول إلى أعلى مستويات كرة القدم.

وافتُتح المجمع رسمياً في نوفمبر 2024، باستثمارات بلغت 350 مليون يورو، ليجمع للمرة الأولى الفرق المحترفة وأكاديميات الرجال والسيدات والمدرسة في موقع واحد. ولا يتعلق الأمر بالمباني والمنشآت وحدها، بل بمحاولة خلق بيئة موحدة تتشارك فيها مختلف فرق النادي المبادئ والأساليب نفسها، مع توفير فرص أفضل لتطوير اللاعبين ومتابعة تقدمهم.

فلسفة واحدة من القمة إلى القاعدة

تُطبق هذه المنهجية وفق تسلسل واضح يبدأ من الفريق الأول ويمتد إلى فرق الفئات السنية، بحيث تصبح فلسفة لويس إنريكي مرجعاً أساسياً للعمل داخل الأكاديمية.

فعلى الرغم من أن مدرب فريق تحت 23 عاماً لاعب سابق، فإن أسلوب العمل الذي يتبعه مستمد من المبادئ التي يطبقها إنريكي مع الفريق الأول، وسط اجتماعات متواصلة تجمع المسؤولين عن مختلف القطاعات.

ويتولى يوهان كاباي، مدير مركز التدريب، التواصل بصورة منتظمة مع لويس كامبوس، المدير الرياضي، وأوليفييه غاني، نائب مدير قطاع كرة القدم الاحترافية. كما يحرص كامبوس وغاني وإنريكي على حضور مباريات فرق الشباب كلما سمحت لهم الفرصة، لمتابعة المواهب وتقييم تطورها عن قرب.

وقد ظهرت أهمية هذه المنظومة خلال فترة التوقف الدولي الأخيرة، عندما لم يتبقَّ في النادي سوى أربعة لاعبين من الفريق الأول، في الوقت الذي كان فيه 16 لاعباً من الأكاديمية منشغلين بالمشاركة مع منتخباتهم الوطنية.

وأتاح هذا الوضع لإنريكي قضاء الأسابيع الثلاثة في ملعب التدريب مع اللاعبين الشباب، ومنحهم فرصة نادرة للتدرب أمامه وإظهار إمكاناتهم، بعيداً عن أجواء المباريات الرسمية وضغوط المنافسة.

وتكشف هذه الخطوة عن جانب مهم من المشروع؛ فالتوقف الدولي لا يمثل مجرد فترة لالتقاط الأنفاس بالنسبة إلى المدرب، بل يمكن أن يتحول إلى فرصة لتقييم المواهب، واكتشاف الخيارات المستقبلية، وتحديد اللاعبين القادرين على الاقتراب من الفريق الأول.

وبذلك، لا يقتصر بناء الفريق على ما يحدث في سوق الانتقالات، بل يبدأ من الداخل، عبر نظام يربط الأكاديمية بالجهاز الفني والإدارة الرياضية، ويمنح المواهب مساراً واضحاً نحو المنافسة على أعلى المستويات.

ناقش الموضوعات والأخبار بشكل أعمق فيمنتديات كووورة

جدار بين إنريكي والإعلام.. لا مجال لتجاوز الحدود

على الجانب الآخر، يتعامل لويس إنريكي مع وسائل الإعلام بتحفظ واضح، مفضلاً الاحتفاظ بمسافة تفصل حياته المهنية عن فضول الصحفيين. وعندما سُئل عما فعله خلال فترة التوقف التي استمرت ثلاثة أسابيع، اكتفى بالإشارة إلى أن الأمر لا يهم أحداً. وكان الرد بمثابة تأكيد لنهجه في وضع حدود واضحة بين ما يخص عمله وما لا يرغب في مشاركته مع الآخرين.

ويحتفظ المدرب بعلاقات ودية مع عدد محدود من الصحفيين الإسبان، وقد يرد على رسائلهم الهاتفية، لكنه يتبع في فرنسا قواعد أكثر صرامة. فلا توجد لديه مساحة للتصريحات غير الرسمية التي يمكن نشرها لاحقاً، ولا جلسات قهوة مع المراسلين، ولا مقابلات فردية خاصة. إنه يفضل أن تكون علاقته بالإعلام محكومة بإطار رسمي، يضمن له التحكم في رسائله وتجنب الدخول في تفاصيل لا يرغب في مناقشتها.

وفي عامه الأول مع باريس سان جيرمان، كان يجيب عن الأسئلة باللغة الإسبانية، لكنه أصبح الآن يستخدم الفرنسية بطلاقة، في تطور يعكس اندماجه في البيئة المحيطة به وقدرته على التواصل مع وسائل الإعلام المحلية مباشرة.

ومع ذلك، فإن تحفظه لا يعني أنه شخصية مغلقة عندما يتعلق الأمر بكرة القدم. فعندما ينتقل الحديث إلى اللعبة نفسها، يظهر إنريكي بصفته مدرباً مثيراً للاهتمام، يمتلك آراء واضحة، ولا يتردد في انتقاد ما يراه مبالغة في تناول الأحداث.

وقبل مباراة لو مان، استهل حديثه بالإشارة إلى أن الجميع ينشغل، كالعادة، بأكثر الأمور تفاهة في كرة القدم، قبل أن يتطرق إلى الطريقة التي تتعامل بها وسائل الإعلام الفرنسية مع نتائج باريس سان جيرمان.

ففي نظره، عندما يفوز الفريق، يُنظر إلى منافسيه وكأنهم أقل شأناً، بينما يتحول أي تعثر إلى كارثة تستدعي القلق والتشكيك. إنها حالة من التطرف في الأحكام، تجعل الفريق ينتقل إعلامياً من القمة إلى الأزمة خلال فترة قصيرة، رغم أن واقع الموسم أكثر تعقيداً من ذلك.

مانشستر سيتي.. مواجهة تتجاوز النقاط الثلاث

تتجه الأنظار الآن إلى ملعب الاتحاد، حيث يستعد باريس سان جيرمان لمواجهة مانشستر سيتي في مباراة تحمل أبعاداً فنية وإعلامية تتجاوز حدود المنافسة على النقاط.

وسيكون من المثير للاهتمام معرفة الطريقة التي سيتعامل بها لويس إنريكي مع الأسئلة المتعلقة ببيب جوارديولا، مدرب مانشستر سيتي السابق في برشلونة وزميله السابق في مسيرة التدريب، إلى جانب الاتهامات التي وجهتها رابطة الدوري الإنجليزي الممتاز إلى النادي الإنجليزي.

ويبدو أن العلاقة بين المدربين ستكون حاضرة في المشهد، خصوصاً أن إنريكي لا يخفي تقديره لجوارديولا، كما أن المواجهة تتيح فرصة للحديث عن إرث المدرب الإسباني وتأثيره في كرة القدم الحديثة.

ومن المتوقع أن يلتقي الرجلان، في مشهد قد يحمل دلالات تتجاوز المجاملة المعتادة بين المدربين. وربما تكشف تصريحات إنريكي عن موقفه من إرث جوارديولا، حتى إن لم تكن القضية القانونية المحيطة بمانشستر سيتي محور حديثه الأساسي.

ويدرك الطرفان أن الأسئلة المتعلقة بهذه الملفات قد تُطرح منذ لحظة الوصول إلى مانشستر، لكن التقرير يشير إلى أن الفريق الإعلامي لباريس سان جيرمان لا يعتزم إعداد رد موحد مسبقاً للمدرب.

ويعكس ذلك مستوى الثقة الذي يحظى به إنريكي داخل النادي؛ إذ يُترك له المجال للتعامل مع الأسئلة وفق رؤيته وشخصيته، دون فرض إجابات معدة سلفاً أو محاولة التحكم في كل كلمة قد تصدر عنه.

وفي النهاية، يبدو أن لويس إنريكي يدخل هذه المرحلة وهو يدرك جيداً طبيعة التحديات التي تنتظره. فالفوز بالألقاب وضع باريس سان جيرمان في مكانة استثنائية، لكنه رفع سقف التوقعات أيضاً، وجعل كل مباراة اختباراً لقدرة الفريق على الحفاظ على مستواه.

وبين طموح تحقيق الثلاثية التاريخية، والعمل على تجديد المجموعة، وتطوير المواهب الشابة، وفرض الانضباط داخل غرفة الملابس، يسعى المدرب الإسباني إلى إثبات أن النجاح لا يحتاج إلى أسماء لامعة فحسب، بل إلى منظومة متكاملة تعرف ما تريد وكيف تصل إليه.

ومهما كانت الأسئلة التي ستُطرح عليه في مانشستر، فمن المرجح أن يظهر إنريكي بالشخصية التي اعتادها الجميع: حاد الذكاء، سريع البديهة، قادراً على إدارة الضغوط، وواثقاً من موقعه داخل مشروع يمنحه سلطة واسعة ومسؤولية أكبر.

فالتحدي الحقيقي، كما كان كرويف يذكّر دائماً، ليس أن تفوز مرة واحدة، بل أن تجد في كل مرة الدافع والطريقة اللازمين للفوز مجدداً.


إعلان

هل استمتعت بهذه القصة؟

أضف Kooora كمصدر مفضل على جوجل للاطلاع على المزيد من تقاريرنا

تابع Kooora على جوجل
إعلان
إعلان
إعلان