إعلان
إعلان
main-background

سر هيمنة إسبانيا.. كيف صنع دي لا فوينتي منتخبًا لا يُهزم؟

كريم مليم
10 يوليو 202608:21
FBL-WC-2026-PRESSER-ESPGetty Images

لم يعد منتخب إسبانيا مجرد أحد أبرز المرشحين للفوز بكأس العالم 2026، بل أصبح نموذجًا متكاملًا لفريق يعرف تمامًا من يكون، وكيف يريد أن يلعب، وما الذي يسعى إلى تحقيقه. فبعد أقل من عامين على تتويجه بلقب كأس الأمم الأوروبية، يقف "لا روخا" على أعتاب إنجاز تاريخي يتمثل في الجمع بين لقبي أوروبا والعالم في الوقت ذاته، وهو إنجاز لم يحققه سوى ثلاثة منتخبات فقط عبر التاريخ: ألمانيا الغربية عام 1974، وفرنسا عام 2000، وإسبانيا نفسها عام 2010.

ويقود المدرب لويس دي لا فوينتي هذا المشروع بثبات لافت، بعدما نجح منذ توليه المسؤولية في يناير 2023 في تحويل المنتخب الإسباني إلى أحد أكثر المنتخبات استقرارًا في العالم، إذ لم يتعرض سوى لثلاث هزائم فقط، بينما يواصل سلسلة مذهلة بلغت 35 مباراة متتالية دون خسارة قبل مواجهة بلجيكا في ربع نهائي كأس العالم.

لكن سر نجاح دي لا فوينتي لا يكمن في الرسم الخططي أو الأرقام والإحصاءات فقط، بل في فلسفة متكاملة تجمع بين الجانب الإنساني، والانضباط الجماعي، والهوية الكروية التي ترسخت داخل الكرة الإسبانية على مدار عقود طويلة.

إعلان
  • FBL-EURO-2024-MATCH51-ESP-ENG-PODIUMGetty Images

    مشروع بدأ قبل سنوات طويلة

    رغم أن دي لا فوينتي لا يقضي سوى عامه الرابع مدربًا للمنتخب الأول، فإن مشروعه الحقيقي بدأ قبل ذلك بسنوات عديدة داخل الاتحاد الإسباني لكرة القدم، حيث عمل منذ عام 2013 مدربًا لمختلف منتخبات الفئات السنية.

    خلال تلك السنوات، لم يكن دوره يقتصر على تطوير اللاعبين فنيًا، بل ساهم أيضًا في غرس ثقافة موحدة وهوية واضحة داخل الأجيال الجديدة، الأمر الذي سهّل انتقال العديد منهم إلى المنتخب الأول وهم يحملون المبادئ نفسها داخل الملعب وخارجه.

    ولهذا السبب، لم يحتج المدرب الإسباني إلى بناء مشروع جديد بالكامل بعد توليه المسؤولية، بل وجد أساسًا متينًا عمل على تطويره وإضافة لمساته الخاصة إليه، وذلك حسبما أفادت هيئة الإذاعة البريطانية "بي بي سي" .

    ويؤمن دي لا فوينتي بقناعة راسخة مفادها أن كرة القدم، قبل أن تكون لعبة تكتيكية، هي لعبة بشر. ولهذا يردد دائمًا عبارته الشهيرة: "كرة القدم رياضة جماعية يصنعها أشخاص طيبون".

    ولا يقصد بكلمة "طيبون" معناها الأخلاقي فقط، رغم أن قيمه الشخصية والدينية تنعكس بوضوح على أسلوبه، وإنما يقصد اللاعب الذي يضع مصلحة الفريق فوق مصلحته الشخصية، ويضحي من أجل زملائه، ويقدم الدعم للجميع، ويملك الانضباط والاستعداد للعطاء.

    ويؤكد أن كل من عاش داخل غرف تبديل الملابس يدرك جيدًا قيمة هذا النوع من اللاعبين، تمامًا كما يعرف خطورة وجود اللاعب الذي يزرع الانقسام ويبحث دائمًا عن البطولة الفردية.

    ومن خلال خبرته الطويلة، توصل المدرب الإسباني إلى قناعة واضحة مفادها أن الموهبة وحدها لا تصنع فريقًا بطلًا، بل تحتاج إلى بيئة صحية يسودها التعاون والثقة والاحترام المتبادل.

  • إعلان
    إعلان
  • FBL-WC-2026-MATCH93-POR-ESPGetty Images

    هوية لا تتغير

    منذ سنوات طويلة، ارتبط اسم الكرة الإسبانية بالاستحواذ والتمرير والذكاء في التحرك، لكن دي لا فوينتي ينظر إلى هذه العناصر باعتبارها انعكاسًا لثقافة جماعية أكثر من كونها مجرد تفاصيل تكتيكية.

    فالتمرير بالنسبة له ليس مجرد وسيلة لنقل الكرة، بل دليل على الثقة بين اللاعبين، والاستحواذ ليس هدفًا في حد ذاته، وإنما تعبير عن السيطرة الجماعية والتناغم داخل الفريق.

    ولهذا حافظ على هوية المنتخب الإسباني، لكنه لم يحولها إلى عقيدة جامدة، بل منحها مرونة أكبر تتناسب مع تطور كرة القدم الحديثة.

    ويشبّه كثيرون عمل دي لا فوينتي بما قاله بيب جوارديولا عن يوهان كرويف عندما أكد أن بعض المدربين لا يبنون الكاتدرائية، وإنما يعيدون طلائها.

    وهذا الوصف ينطبق بدرجة كبيرة على المدرب الإسباني، إذ لم يهدم المشروع الذي ورثه، بل عمل على تطويره.

    فقد منح المنتخب قدرة أكبر على التحول السريع بين الدفاع والهجوم، وأضاف تنوعًا أكبر في الثلث الأخير، كما جعل الفريق أكثر صلابة عند فقدان الكرة، وأكثر مرونة في التعامل مع المباريات المختلفة.

    والنتيجة أن إسبانيا أصبحت منتخبًا واضح الهوية، لكن من الصعب للغاية إيقافه.

  • FBL-WC-2026-MATCH93-POR-ESPGetty Images

    الأسهل قراءة.. والأصعب هزيمة

    أحد أعضاء الجهاز الفني للمنتخب البرتغالي وصف المنتخب الإسباني بعد مواجهة الفريقين بأنه "أسهل منتخب يمكن تحليله، لكنه أصعب منتخب يمكن هزيمته". وربما يبدو هذا الوصف متناقضًا، لكنه يعكس حقيقة المشروع الإسباني.

    فإسبانيا لا تخفي أسلوبها، والجميع يعرف أنها ستسعى للاستحواذ، والضغط، والتمرير السريع، لكن معرفة الفكرة لا تعني القدرة على إيقافها. ويرجع ذلك إلى أن اللاعبين تدربوا على هذه المبادئ منذ سنوات طويلة، وأصبح تنفيذها جزءًا من شخصيتهم الكروية.

    ورغم تمسكه بالهوية، فإن دي لا فوينتي لا يتعامل مع المباريات بعقلية جامدة. فهو يعتمد على تحليل دقيق لكل منافس، ويعمل مع جهازه الفني على مراجعة كل التفاصيل بعد نهاية كل مباراة، من أجل تصحيح الأخطاء وإجراء التعديلات اللازمة.

    فعندما افتقد المنتخب الإسباني الدقة في التمرير أمام الرأس الأخضر، عمل الجهاز الفني على معالجة هذه المشكلة سريعًا، ليظهر الفريق بصورة مختلفة تمامًا في المباراة التالية أمام السعودية.

    أما في مواجهة أوروجواي، فقد ركز المدرب على الجانب الذهني أكثر من التكتيكي، لأنه يعرف أن المنتخب الإسباني خسر في مناسبات عديدة عندما انجرف خلف الاستفزازات وفقد هدوءه.

  • إعلان
    إعلان
  • هل استمتعت بهذه القصة؟

    أضف Kooora كمصدر مفضل على جوجل للاطلاع على المزيد من تقاريرنا

    تابع Kooora على جوجل
  • FBL-WC-2026-MATCH66-URU-ESPGetty Images

    درس تعلمه من الهزائم

    يعترف دي لا فوينتي بأن خبرته الحالية جاءت نتيجة أخطاء ارتكبها في الماضي. فهو يؤكد أنه كان يتعامل بعاطفة أكبر خلال سنواته الأولى، لكنه تعلم مع مرور الوقت أن بعض المباريات لا تُحسم بالمهارة فقط، بل بالقدرة على التحكم في الأعصاب.

    ويرى أن أخطر ما يمكن أن يحدث لفريقه هو التخلي عن هويته والانجرار إلى فوضى المنافس، لأن ذلك يفقد اللاعبين نقاط قوتهم الأساسية. ولهذا يحرص دائمًا على تذكير لاعبيه بأن الانضباط الذهني لا يقل أهمية عن الانضباط التكتيكي.

    ولا يقتصر تأثير دي لا فوينتي على أرض الملعب فقط، بل يمتد إلى طريقة تعامله اليومية مع اللاعبين والإعلام وكل من يعمل داخل المنتخب. فهو يحرص على مخاطبة الصحفيين بأسمائهم، وينظر مباشرة إلى من يحدثه، ويؤمن بأن الاحترام يبدأ من معرفة الشخص الذي يقف أمامك.

    كما يستعين بخبراء نفسيين وإعلاميين داخل الاتحاد الإسباني للمساعدة في إعداد المؤتمرات الصحفية، لكنه يفضل دائمًا الحديث بعفوية عندما يتطلب الموقف ذلك. ويؤكد أن هذه التصرفات ليست جزءًا من استراتيجية إعلامية، وإنما تعكس شخصيته الحقيقية.

  • Uruguay v Spain: Group H - FIFA World Cup 2026Getty Images

    لامين يامال.. إدارة الموهبة قبل استثمارها

    يدرك دي لا فوينتي أن امتلاك لاعب بحجم لامين يامال يمثل نعمة كبيرة، لكنه في الوقت نفسه مسؤولية ضخمة. ولهذا تعامل مع النجم الشاب بهدوء شديد، خاصة بعد عودته من الإصابة التي أبعدته عن الملاعب لشهرين قبل البطولة.

    ولم يطلب منه تقديم المعجزات منذ اليوم الأول، بل منحه الثقة، ووضع برنامجًا تدريجيًا لإعادته إلى أفضل حالاته. ويرى المدرب الإسباني أن المرحلة الحالية تمثل اللحظة التي ينبغي أن يبدأ فيها يامال فرض نفسه على أكبر مسرح كروي في العالم.

    وفي نظر دي لا فوينتي، لم تكن أفضل مباريات لامين يامال هي تلك التي أبهر فيها الجماهير بالمراوغات أو الأهداف.

    بل يعتبر أن مباراته أمام البرتغال كانت الأكثر أهمية، لأنها أظهرت تطوره كلاعب جماعي، يضغط دون كرة، ويضحي من أجل الفريق، ويتخذ القرارات الصحيحة في أصعب اللحظات.

    ومن وجهة نظره، فإن اللاعب العظيم لا يصنع الفارق فقط عندما تكون الكرة بين قدميه، بل عندما يخدم المجموعة في كل تفاصيل المباراة.

  • إعلان
    إعلان
  • Spain v Croatia: Group B - UEFA EURO 2024Getty Images

    أويارزابال.. بطل لا يبحث عن الأضواء

    وتكشف إشادة دي لا فوينتي المستمرة بميكيل أويارزابال الكثير عن فلسفته. فالمدرب الإسباني يصفه بأنه أحد أفضل خمسة مهاجمين صريحين في العالم، رغم أنه لا يحظى بالشهرة التي يتمتع بها كثير من النجوم.

    ويؤكد أن اللاعب كان يستحق الاعتراف العالمي منذ سنوات، لكنه ظل يعمل بصمت ويقدم كل ما لديه من أجل الفريق، وهو النموذج الذي يفضله دي لا فوينتي داخل غرف الملابس.

    ولا يطبق دي لا فوينتي فلسفة الانضباط على لاعبيه فقط، بل يطبقها على نفسه أيضًا. فهو يحرص على ممارسة الرياضة يوميًا للحفاظ على لياقته البدنية، ويؤمن بأن النجاح لا يتحقق بالاندفاع المؤقت، وإنما بالاستمرارية والالتزام اليومي.

    ويصف نفسه بأنه شخص لا يعرف التوقف، ويعترف بأن أصدقاءه يصفونه أحيانًا بأنه "مرهق" بسبب نشاطه الدائم وسعيه المستمر إلى التطور. وبالنسبة له، فإن الإنجازات الكبيرة لا تأتي من لحظة إلهام عابرة، بل من تراكم العمل والانضباط والالتزام على مدار سنوات طويلة.

    يدخل المنتخب الإسباني الأمتار الأخيرة من كأس العالم وهو يمتلك كل مقومات المنافسة على اللقب؛ هوية واضحة، ومدرب يعرف لاعبيه عن ظهر قلب، ومجموعة تجمع بين الخبرة والشباب، وفلسفة لا تتغير بتغير المنافسين.

    وربما لا يكون دي لا فوينتي أكثر مدربي العالم إثارة للضجيج، لكنه نجح في بناء فريق يتحدث عنه الجميع داخل الملعب أكثر مما يتحدث خارجه.

    ومع اقتراب المونديال من محطاته الحاسمة، تبدو إسبانيا أقرب من أي وقت مضى إلى كتابة فصل جديد في تاريخها، وتحقيق إنجاز سيضع هذا الجيل إلى جانب أعظم الأجيال التي عرفتها كرة القدم، بعدما أثبت أن النجاح الحقيقي لا تصنعه الخطط وحدها، بل تصنعه الهوية، والثقة، والعمل الجماعي، والإيمان بأن الفريق سيظل دائمًا أكبر من أي نجم.

إعلان