إعلان
إعلان
main-background

إنجلترا أسيرة الخوف.. هل اكتشف توخيل المرض المستعصي؟

كريم مليم
03 يوليو 202605:31
New manager, same EnglandGetty Images

في كل مرة تدخل فيها إنجلترا بطولة كبرى، تتجدد معها الأحلام القديمة. تتغير الوجوه على مقاعد البدلاء، وتتبدل أسماء النجوم داخل المستطيل الأخضر، لكن المشهد يبدو وكأنه يعيد نفسه بصورة تكاد تكون متطابقة. الجماهير تتفاءل، والإعلام يتحدث عن جيل استثنائي قادر على إعادة كأس العالم إلى موطن كرة القدم، قبل أن تصطدم تلك الأحلام بالواقع الذي يفرض نفسه مع كل اختبار حقيقي.

عندما تعاقد الاتحاد الإنجليزي مع توماس توخيل، بدا الأمر وكأنه إعلان عن بداية مرحلة جديدة. فالمدرب الألماني يملك سجلًا حافلًا بالنجاحات الأوروبية، ويشتهر بقدرته على بناء الفرق المنظمة تكتيكيًا والقادرة على المنافسة في أعلى المستويات. لذلك، اعتقد كثيرون أن المشكلة التي لازمت منتخب إنجلترا في عهد جاريث ساوثجيت ستصبح من الماضي، وأن الفريق سيكتسب شخصية أكثر جرأة وثقة في المواجهات الكبرى.

لكن مع مرور الوقت، بدأت المؤشرات تسير في اتجاه مختلف تمامًا. فالفوز على جمهورية الكونغو الديمقراطية بنتيجة (2-1) في كأس العالم منح الجماهير بطاقة العبور إلى الدور التالي، لكنه في الوقت ذاته أعاد إلى السطح الأسئلة نفسها التي رافقت المنتخب خلال السنوات الماضية. صحيح أن النتيجة كانت إيجابية، لكن الأداء لم يكن مقنعًا، بل كشف أن إنجلترا لا تزال تعاني من الأمراض نفسها التي كانت تعرقلها في عهد المدرب السابق.

الانتصار جاء بفضل لحظات فردية حاسمة من نجوم الفريق، وليس نتيجة سيطرة جماعية أو تفوق تكتيكي واضح، وهو ما أثار المخاوف من أن تغيير المدرب لم يكن كافيًا لمعالجة المشكلة الأعمق داخل المنتخب الإنجليزي، وذلك حسبما أفاد موقع "جول".

ومنذ وصوله إلى قيادة المنتخب، حاول توخيل فرض بصمته الفنية وإعادة تشكيل هوية الفريق، إلا أن ما ظهر على أرض الملعب يشير إلى أن الفارق بينه وبين ساوثجيت لا يزال محدودًا عندما يتعلق الأمر بالأداء في البطولات الكبرى.

أمام الكونغو الديمقراطية، بدت إنجلترا مترددة منذ الدقائق الأولى. افتقد اللاعبون السرعة في تناقل الكرة، وظهرت أخطاء غير معتادة في التمرير، بينما بدا الفريق عاجزًا عن فرض إيقاعه أمام منافس أقل جودة على المستوى الفردي.

ولم يكن تقدم المنتخب الإفريقي في النتيجة مفاجئًا بالنظر إلى مجريات اللقاء، إذ استغل هجمة مرتدة منظمة ليضع الإنجليز تحت ضغط مبكر. وبعد الهدف، لم يظهر رد فعل يعكس شخصية منتخب مرشح للمنافسة على اللقب، بل احتاج اللاعبون إلى وقت طويل لاستعادة توازنهم، وسط أداء اتسم بالحذر والخوف من ارتكاب الأخطاء أكثر من الرغبة في صناعة الفرص.

ورغم أن المنتخب الإنجليزي تمكن في النهاية من قلب النتيجة، فإن الطريقة التي تحقق بها الفوز لم تكن مطمئنة. فقد اعتمد الفريق مرة أخرى على تألق هاري كين، الذي سجل هدفين حسما المباراة، ليؤكد استمرار ظاهرة الاعتماد على النجوم لإنقاذ الموقف كلما تعقدت الأمور.

وهذه ليست المرة الأولى التي يحدث فيها ذلك، بل أصبح الأمر سمة ثابتة للمنتخب الإنجليزي في البطولات الكبرى، حيث ينجح اللاعبون أصحاب المهارات الفردية في إخفاء كثير من العيوب الجماعية، دون أن يعني ذلك أن المشكلة قد اختفت بالفعل.

إعلان
  • Gareth Southgate Trent Alexander-Arnold England 2024Getty Images

    دروس يورو 2024.. هل تعلمت إنجلترا شيئًا؟

    إذا أراد أحد فهم ما يحدث اليوم، فعليه العودة إلى بطولة أمم أوروبا 2024، التي وصلت خلالها إنجلترا إلى المباراة النهائية رغم أنها لم تقدم أداءً مقنعًا في معظم مبارياتها.

    حينها تعرض ساوثجيت لانتقادات واسعة بسبب تحفظه المبالغ فيه، وطالبته الجماهير ووسائل الإعلام بمنح الحرية للاعبيه الموهوبين بدلًا من تقييدهم داخل منظومة دفاعية صارمة. استجاب المدرب الإنجليزي جزئيًا لهذه المطالب، فاعتمد على تشكيلة مليئة بالأسماء اللامعة، لكنه لم ينجح في إيجاد التوازن بين الحرية والانضباط.

    النتيجة كانت مسيرة غريبة؛ منتخب يصل إلى النهائي، لكنه لا يقنع أحدًا بأدائه. فخلال دور المجموعات، حقق فوزًا باهتًا على صربيا وتعادل في مباراتين، ثم احتاج إلى هدف إعجازي من جود بيلينجهام في اللحظات الأخيرة لتجاوز سلوفاكيا، قبل أن يعبر سويسرا بركلات الترجيح، ثم ينتزع بطاقة النهائي بفضل هدف متأخر سجله أولي واتكينز أمام هولندا.

    ورغم الوصول إلى المباراة النهائية، ظل الشعور السائد أن المنتخب لا يفرض شخصيته على منافسيه، وإنما ينتظر دائمًا لحظة استثنائية من أحد نجومه لتغيير مجرى المباراة.

    وعندما اصطدم بإسبانيا في النهائي، ظهرت الفوارق بوضوح. فالمنتخب الإسباني امتلك شخصية واضحة، واستحوذ على الكرة بثقة، وفرض أسلوبه حتى نجح في حسم اللقب، بينما اكتفت إنجلترا بردود الفعل، لتخسر نهائيًا جديدًا وتضيف فصلًا آخر إلى سلسلة الإخفاقات المؤلمة.

  • إعلان
    إعلان
  • Cole Palmer England Spain Euro 2024 finalGetty

    عندما يتحول الخوف إلى أسلوب لعب

    أكثر ما يثير القلق في أداء المنتخب الإنجليزي ليس الأخطاء الفنية أو التكتيكية، بل الحالة الذهنية التي تصيب اللاعبين كلما اقتربوا من لحظة الحسم.

    خلال الربع ساعة الأخيرة من نهائي يورو 2024، عندما كانت النتيجة تشير إلى التعادل، بدا وكأن المنتخب الإنجليزي فقد شجاعته بالكامل. تراجع اللاعبون إلى الخلف، واختفت محاولات الضغط، بينما فرض الإسبان سيطرتهم المطلقة على الكرة وإيقاع المباراة.

    الأرقام كانت معبرة بصورة كبيرة؛ إذ احتفظ لاعبو إسبانيا بالكرة لفترات طويلة، وتفوقوا بفارق واضح في عدد التمريرات، خاصة داخل الثلث الهجومي، في حين اكتفى الإنجليز بالدفاع وانتظار ما سيحدث.

    كان ذلك المشهد بمثابة انعكاس لعقلية متجذرة داخل المنتخب، عقلية تفضل تجنب الخطأ على البحث عن الفوز، وهو ما منح إسبانيا الفرصة الكاملة لتسجيل هدف الانتصار في الدقائق الأخيرة.

    ولم يكن ساوثجيت نفسه بعيدًا عن هذا التشخيص، إذ أشار بعد المباراة إلى أن فريقه امتلك فرصة للسيطرة على الكرة في لحظة مهمة، لكنه اختار التمرير للخلف، قبل أن يفقد السيطرة على اللقاء بالكامل، وهي اللحظة التي اعتبرها نقطة التحول الحقيقية في النهائي.

    وإذا كان نهائي يورو 2024 قد كشف جانبًا من أزمة المنتخب الإنجليزي، فإن مواجهة جمهورية الكونغو الديمقراطية في كأس العالم أكدت أن المشكلة لم تكن مرتبطة ببطولة واحدة أو بمدرب بعينه، بل أصبحت نمطًا متكررًا يصعب تجاهله.

    دخل المنتخب الإنجليزي المباراة وهو المرشح الأوفر حظًا، لكن البداية جاءت مرتبكة بصورة لافتة. افتقد اللاعبون الدقة في التمرير، وغابت السرعة في بناء الهجمات، فيما بدت خطوط الفريق مفككة، الأمر الذي منح المنافس فرصة لفرض إيقاعه خلال الدقائق الأولى.

    وتكرر مشهد اعتادت الجماهير الإنجليزية رؤيته في السنوات الأخيرة؛ فريق يمتلك أسماءً من الطراز العالمي، لكنه يعجز عن فرض شخصيته أمام منافسين أقل جودة على الورق. لم يكن هناك انسجام واضح بين خط الوسط والهجوم، كما افتقد اللاعبون الجرأة في التقدم بالكرة، لتتحول معظم الهجمات إلى تمريرات جانبية أو كرات طويلة تفتقر إلى الدقة.

    ولم يكن هدف الكونغو الديمقراطية مجرد خطأ دفاعي عابر، بل نتيجة طبيعية لحالة الارتباك التي سيطرت على المنتخب الإنجليزي منذ صافرة البداية. وحتى بعد التأخر في النتيجة، لم يظهر الفريق رد فعل يعكس شخصية بطل يسعى للمنافسة على كأس العالم، بل ظل الأداء حذرًا، وكأن اللاعبين يخشون ارتكاب خطأ جديد أكثر من رغبتهم في تعديل النتيجة.

    بل إن المنتخب الإنجليزي كان محظوظًا بعدم استقبال هدف ثانٍ قبل نهاية الشوط الأول، بعدما وقفت العارضة إلى جانبه في إحدى أخطر فرص المنافس، وهو ما كان كفيلًا بتعقيد المهمة بصورة أكبر.

  • FBL-WC-2026-MATCH80-ENG-CODGetty Images

    هل المشكلة نفسية أكثر منها فنية؟

    المشكلة الأكبر التي ظهرت في تلك المباراة لم تكن دفاعية فقط، وإنما هجومية أيضًا. فعلى الرغم من امتلاك إنجلترا مجموعة من أفضل المواهب في العالم، فإن الفريق بدا عاجزًا عن صناعة الفرص من خلال العمل الجماعي.

    وفي كثير من الأحيان، كان الحل الوحيد يتمثل في إيصال الكرة إلى جود بيلينجهام وانتظار أن يصنع شيئًا مختلفًا بمهاراته الفردية. أما ماركوس راشفورد، فرغم نشاطه وتحركاته المستمرة، فإنه افتقد اللمسة الأخيرة، بينما كرر نوني مادويكي التحرك ذاته على الجبهة أكثر من مرة دون أن ينجح في صناعة الفارق.

    وفي وسط الملعب، لم يتمكن إليوت أندرسون من فرض حضوره أو ربط الخطوط بالشكل المطلوب، ليصبح من اللافت أن أحد قلبي الدفاع كان الأكثر مساهمة في إرسال التمريرات نحو المناطق الهجومية، وهو مؤشر يعكس افتقار الفريق إلى لاعب قادر على قيادة عملية البناء وصناعة اللعب من العمق.

    وفي النهاية، عاد السيناريو المعتاد ليفرض نفسه. ظهر هاري كين في الوقت المناسب، وسجل هدفين رائعين قلبا موازين المباراة، ليتحول مرة أخرى إلى المنقذ الأول للمنتخب الإنجليزي.

    ولا شك أن امتلاك لاعب بحجم كين يمثل ميزة كبيرة لأي منتخب، لكن الاعتماد المستمر على تألق لاعب واحد لحسم المباريات لا يمكن أن يكون وصفة مضمونة لتحقيق لقب عالمي. فالمنتخبات الكبرى تُبنى على منظومة جماعية متماسكة، لا على انتظار لحظة إبداع فردية في كل مباراة.

    وبعد اللقاء، سُئل توماس توخيل عما إذا كان لاعبوه قد تأثروا بضغط ارتداء قميص المنتخب الإنجليزي وثقل التوقعات، لكنه رفض هذا التفسير بشكل قاطع، مؤكدًا أنه لم يلاحظ أي علامات للخوف أو التوتر خلال المباراة.

    ورغم منطقية دفاع المدرب عن لاعبيه، فإن ما ظهر على أرض الملعب يفتح الباب أمام تفسير مختلف. فالخوف لا يظهر دائمًا في صورة ارتباك واضح أو أخطاء كارثية، بل قد يتجسد في التردد، والتمرير للخلف، والعزوف عن المخاطرة، والاكتفاء بالحلول الآمنة حتى عندما تتطلب المباراة قدرًا أكبر من الجرأة.

    وهذه السلوكيات أصبحت تتكرر بصورة لافتة في مباريات إنجلترا الكبرى، سواء تحت قيادة ساوثغيت أو مع توخيل، وهو ما يجعل الحديث عن أزمة ذهنية أمرًا يصعب تجاهله.

    لقد امتلك المنتخب الإنجليزي الكرة في فترات طويلة، لكنه لم يترجم هذا الاستحواذ إلى فرص حقيقية بالقدر الكافي، كما افتقد السرعة في التحول من الدفاع إلى الهجوم، وظهر وكأنه يخشى فقدان الكرة أكثر من رغبته في صناعة الخطورة.

    ولذلك، فإن السؤال الحقيقي لم يعد يدور حول جودة اللاعبين، لأن هذه الجودة لا خلاف عليها، بل حول قدرة الفريق على التحرر من القيود النفسية التي ترافقه كلما اقترب من المباريات الحاسمة.

    فحتى الآن، لا تزال إنجلترا تبدو وكأنها تلعب تحت ضغط تاريخ طويل من الإخفاقات، وهو ضغط يجعل الفريق يفكر أولًا في كيفية تجنب الخسارة، قبل أن يفكر في كيفية تحقيق الفوز.

  • إعلان
    إعلان
  • هل استمتعت بهذه القصة؟

    أضف Kooora كمصدر مفضل على جوجل للاطلاع على المزيد من تقاريرنا

    تابع Kooora على جوجل
  • England v Congo DR: Round Of 32 - FIFA World Cup 2026Getty Images

    الاعتماد على النجوم.. سلاح ذو حدين

    رغم أن المنتخبات الكبرى تحتاج دائمًا إلى لاعبين قادرين على صناعة الفارق في اللحظات الحاسمة، فإن المنتخب الإنجليزي يبدو وقد تجاوز هذه القاعدة إلى مرحلة الاعتماد شبه الكامل على نجومه. ففي كل مرة تتعقد فيها المباريات، تتجه الأنظار تلقائيًا نحو هاري كين أو جود بيلينجهام أو بوكايو ساكا، وكأن بقية المنظومة تنتظر أحدهم لانتشالها من المأزق.

    وتعكس الأرقام هذه الحقيقة بوضوح؛ إذ جاءت غالبية أهداف إنجلترا في البطولة الحالية عبر كين وبيلينجهام، بينما كان الإسهام الهجومي لبقية اللاعبين محدودًا للغاية. وحتى عندما سجل ماركوس راشفورد، جاء هدفه في وقت كانت فيه المباراة قد حُسمت عمليًا، في حين بقيت اللمسات الإبداعية الحقيقية مقتصرة على عدد قليل من اللاعبين.

    هذه الظاهرة تثير تساؤلات مهمة حول المنظومة الهجومية التي يعتمدها توخيل. فالفريق يمتلك جودة فردية هائلة في مختلف الخطوط، لكنه لا ينجح في تحويلها إلى منظومة جماعية قادرة على صناعة الفرص باستمرار. وعندما يغيب التألق الفردي، يبدو المنتخب عاجزًا عن إيجاد حلول بديلة.

    ولا تقتصر المشكلة على الجانب الهجومي، بل تمتد إلى طريقة بناء اللعب نفسها. فكثيرًا ما يدور الاستحواذ بين المدافعين ولاعبي الوسط دون أي تقدم حقيقي نحو مرمى المنافس، بينما تتحول الكرات العرضية إلى السلاح الرئيسي في محاولة للوصول إلى كين داخل منطقة الجزاء، وهي طريقة قد تنجح أحيانًا، لكنها لا تكفي لإسقاط المنتخبات الكبرى في الأدوار الإقصائية.

  • England v Congo DR: Round Of 32 - FIFA World Cup 2026Getty Images

    أزمة تتجاوز هوية المدرب

    منذ توليه المهمة، لم يُخفِ توماس توخيل قناعاته التكتيكية. فالمدرب الألماني يفضل دائمًا بناء فريق منظم يصعب اختراقه، ويمنح الأولوية للتوازن الدفاعي قبل التفكير في المغامرة الهجومية.

    هذه الفلسفة حققت له نجاحات عديدة في الأندية، لكنها تبدو أقل إقناعًا حتى الآن مع المنتخب الإنجليزي، الذي يمتلك ترسانة هجومية ربما تكون الأفضل في العالم من حيث الجودة الفردية.

    ولهذا السبب، اتخذ توخيل قرارات أثارت كثيرًا من الجدل، أبرزها استبعاد أسماء تمتلك قدرات استثنائية على صناعة اللعب، مثل فيل فودين وكول بالمر وترينت ألكسندر-أرنولد وآدم وارتون. ورغم اختلاف أسباب استبعاد كل لاعب، فإن القاسم المشترك بينهم يتمثل في ميلهم إلى اللعب بحرية أكبر والمخاطرة بالكرة بحثًا عن الحلول غير التقليدية.

    ويبدو أن المدرب الألماني يفضل اللاعبين الأكثر التزامًا بالأدوار التكتيكية، حتى وإن جاء ذلك على حساب الإبداع الفردي. فهو يؤمن بأن التنظيم الجماعي هو الطريق الأقصر لتحقيق الانتصارات، بينما يرى أن الإفراط في الحرية قد يفتح مساحات للمنافسين ويعرض الفريق للهجمات المرتدة.

    لكن هذا التوجه يطرح سؤالًا مشروعًا: هل تحتاج إنجلترا فعلًا إلى مزيد من الانضباط، أم أنها تحتاج إلى التحرر من القيود التي صاحبتها لسنوات طويلة؟

    فكلما تعاقب مدرب جديد على المنتخب الإنجليزي، يتجدد الاعتقاد بأن المشكلة كانت في الشخص الذي يقف على الخط، لكن الأحداث تثبت في كل مرة أن الأزمة أكثر تعقيدًا من ذلك.

    ساوثجيت تعرض لانتقادات مستمرة بسبب تحفظه المبالغ فيه، ومع ذلك قاد المنتخب إلى نصف نهائي كأس العالم، ونهائي بطولة أوروبا مرتين، وربع نهائي مونديال قطر، وهي نتائج لم تحققها إنجلترا باستمرار عبر تاريخها الحديث.

    واليوم، جاء توخيل بخبراته الأوروبية الكبيرة وسمعته كأحد أفضل المدربين تكتيكيًا، لكن الصورة العامة لم تتغير بالشكل الذي كانت تنتظره الجماهير.

    وهنا يبرز احتمال أن تكون المشكلة الحقيقية متجذرة داخل ثقافة المنتخب نفسه. فعلى مدار عقود، دخلت إنجلترا البطولات الكبرى وهي تحمل على أكتافها إرثًا ثقيلًا من الضغوط والتوقعات والإخفاقات، حتى أصبح اللاعبون يخوضون المباريات الحاسمة وهم يفكرون في عواقب الخسارة أكثر من بحثهم عن متعة الانتصار.

    هذا الإرث النفسي ينعكس بوضوح على أسلوب اللعب، حيث يزداد الحذر كلما ارتفع مستوى المنافسة، وتتراجع الجرأة في اللحظات التي تتطلب شخصية قوية وقدرة على فرض الإيقاع.

  • إعلان
    إعلان
  • Spain v England: Final - UEFA EURO 2024Getty Images

    هل يستطيع توخيل كسر الحلقة المفرغة؟

    رغم كل الانتقادات، لا يزال الوقت متاحًا أمام توخيل لتغيير هذا الواقع. فالمنتخب الإنجليزي يمتلك مجموعة استثنائية من اللاعبين في مختلف المراكز، ويضم عناصر تجمع بين الخبرة والشباب، وهي مقومات كافية للمنافسة على أكبر البطولات.

    لكن نجاح المدرب الألماني لن يقاس بعدد الانتصارات في الأدوار الأولى، بل بقدرته على تغيير العقلية التي رافقت المنتخب طوال السنوات الماضية.

    المطلوب ليس فقط تحسين الأداء التكتيكي أو تطوير أساليب الضغط والاستحواذ، وإنما بناء فريق يؤمن بقدراته في أصعب اللحظات، ويملك الشجاعة لفرض شخصيته أمام أقوى المنتخبات، بدلًا من انتظار بطل جديد ينقذه كل مرة.

    فالمنتخبات التي تحقق الألقاب لا تعتمد على لاعب واحد مهما بلغت قيمته، وإنما على منظومة متكاملة تعرف كيف تتعامل مع الضغوط، وكيف تفرض أسلوبها عندما تكون الكؤوس على المحك.

    حتى الآن، لا توجد مؤشرات واضحة على أن توماس توخيل نجح في إحداث الثورة التي انتظرتها الجماهير الإنجليزية. صحيح أن النتائج ما زالت تمنح الفريق فرصة لمواصلة مشواره في كأس العالم، لكن الأداء يكشف أن كثيرًا من المشكلات القديمة لا تزال حاضرة.

    لا يزال المنتخب يعتمد بصورة مبالغ فيها على نجومه، ولا تزال الجرأة تغيب في اللحظات الحاسمة، كما أن الخوف من ارتكاب الأخطاء يبدو أحيانًا أقوى من الرغبة في صناعة المجد.

    ولهذا، فإن تغيير المدرب وحده لن يكون كافيًا إذا لم ينجح المنتخب في التخلص من إرثه النفسي الثقيل. فربما يكون توخيل أكثر تفوقًا من ساوثجيت من الناحية التكتيكية، لكن حتى أفضل المدربين لن يستطيعوا صناعة بطل عالمي إذا ظل اللاعبون أسرى الشكوك نفسها التي طاردت أجيالًا كاملة من قبل.

    وهكذا، تبدو إنجلترا وكأنها تعيش المفارقة ذاتها مرة أخرى؛ أسماء جديدة، ومدرب جديد، وطموحات لا تتغير، لكن القصة على أرض الملعب لا تزال تحمل الملامح القديمة نفسها.. وكأن الزمن توقف عند العقدة التي لم ينجح أحد في كسرها حتى الآن.

إعلان