


تابعت بقلق بالغ المعركة التي اندلعت في الأمتار الأخيرة من الميركاتو الصيفي الأوروبي، بين فلورنتينو بيريز رئيس ريال مدريد، وناصر الخليفي رئيس باريس سان جيرمان، حول صفقة مبابي.
وقلقي كان نابعًا من تصوري للمشهد بأنه صراع بين التاريخ والمال، فحالة ريال مدريد -عملاق أوروبا ونادي القرن- الاقتصادية اليوم ليست على ما يرام، ووضعه المالي لا يسمح بمنافسة باريس سان جيرمان في إغراء مبابي براتب أعلى.
إذن لو أراد مبابي المال سيختار التجديد مع فريقه واللعب لسنوات إضافية في عاصمة النور، ولكنه على عكس ذلك، رفض بشدة جميع عروض التجديد. لذلك وصفت التفاوض حول الصفقة بالمعركة، فهي كذلك بكل تفاصيلها وجولاتها، ولم تصل بعد إلى كلمة النهاية، وإنما بغلق باب الميركاتو، دخل الطرفان في هدنة مؤقتة، من أجل إعداد العدة لجولة الحسم في يناير المقبل.
عرض بيريز 160 مليون يورو في بداية الأمر، ورفض الجانب الباريسي، ليرفع الريال عرضه إلى 170 مليون يورو بالإضافة إلى متغيرات تصل إلى 10 ملايين، فتمسك الخليفي بالرفض والتجاهل، فوضع الملكيون عرضهم الأخير على الطاولة، وكان خياليا بحق، الآن أمامكم 200 مليون يورو ومتغيرات تصل إلى 20 مليون يورو!
في حديقة الأمراء، كان القرار محسومًا. مبابي لن يرحل حتى وإن تواصلت العروض الخيالية القادمة من مدريد.
قد نتفق أو نختلف حول صحة قرار الرفض من جانب نادي العاصمة الفرنسية، ولكن الأمر المؤكد، أن الخليفي يدرك جيدا عواقب اختياره، فهو على علم تام بأنه قد يخسر مبابي مجانًا في الصيف المقبل مع انتهاء عقده، وحتى قبل هذا التاريخ، فاللاعب يحق له التوقيع مع أي نادٍ يريد، في شهر يناير المقبل.
لكن الخليفي يعلم أيضا أن مهمته في إقناع مبابي قد تكون أسهل من أي وقت مضى، بعد التعاقد مع الجلاكتيكوس التاريخي بزعامة ميسي. الهدف أصبح أٌقرب الآن، فهل ميسي ونيمار وراموس والبقية الباقية من نجوم الصف الأول في عالم الكرة لن يستطيعوا إقناع مبابي بالاستمرار لدعم هذا المشروع الاستثنائي؟
الخليفي يدرك أيضا أن حلم لقب دوري أبطال أوروبا، الذي يعد الهدف الأول لمشروعه، بات قريبا جدًا مع هذه الكتيبة التي يمكنك أن تطلق عليها دون أي تفكير "فريق الأحلام"، فلماذا التفريط في مبابي؟ حتى وإن رحل مجانا عقب هذا الموسم، فإنه قد يرحل بعد أن يرفع الكأس ذات الأذنين في باريس.
ولكن ماذا عن مبابي نفسه؟! هذا الفتى الذي قدم نفسه إلى عالم كرة القدم بصورة قديمة تجمعه بكريستيانو رونالدو في مقر تدريبات ريال مدريد. وكشف عن حجرة الطفولة التي تغطي جدرانها صور صاروخ ماديرا.
هذا الفتى يعشق كريستيانو رونالدو، ويعتبره المثل الأعلى له، وقدوته في ملاعب الكرة، ولكنه لم يعشق رونالدو فقط، بل شمل عشقه أيضا ريال مدريد.
عزيزي القارئ، نحن لا نتحدث عن لاعب شاب يمتلك موهبة فطرية ومهارة استثنائية فقط، فالأمر هنا يتعلق بصفات شخصية وعقلية احترافية، تنبئ بأسطورة جديدة قادمة بقوة في عالم الساحرة المستديرة.
مبابي يحلم بريال مدريد، وعاجلا أم آجلا سيلعب هناك، سيتدرب في فالديبيباس، وسوف ينثر سحره على عشب سانتياجو برنابيو. سيرتدي كيليان القميص الأبيض في كلاسيكو الأرض، وينتزع صرخات وشهقات عشاق النادي الملكي في المدرجات وأمام الشاشات في جميع أنحاء العالم.
وكما يدرك الخليفي عواقب اختياره، فمبابي كذلك أيضا، يعلم أنه سيحقق حلمه مهما حدث، فهو لم يتدخل نهائيا في المفاوضات بين الإدارتين، ولم يتحدث عنها قط، وانتظم باحترافية في تدريبات ومباريات فريقه، فهو يعرف طريقه جيدا إما الرحيل عبر مفاوضات شرعية بين الناديين أو الانتظار حتى نهاية عقده، ومن ثم تحقيق حلم طفولته بالانتقال إلى مدريد.
ورغم أن نجوم كرة القدم صاروا أقرب إلى إغراءات المال، وباتت الكلمة العليا في الانتقالات لعمولات وكلاء اللاعبين وأموال آخرى تدفع "تحت الطاولة"، فإننا أمام حالة استثنائية مع مبابي، فهذا الفتى يتمسك بحلمه، ويفضل التاريخ على المال، ويبدو أن الخليفي لم يفهم رسالته حينما تحدث عن التنافسية، فهو يريد ببساطة أن يلعب الكلاسيكو الذي يجمع ريال مدريد ببرشلونة، وليس هذا الذي يجمع باريس بمارسيليا!
قد يعجبك أيضاً



