إعلان
إعلان
main-background

18 شهرًا من البطالة إلى نهائي كأس العالم.. كيف أعاد دي لا فوينتي كتابة مصيره؟

كريم مليم
18 يوليو 202606:36
FBL-WC-2026-MATCH98-ESP-BELGetty Images

لم يكن أحد يتوقع أن الرجل الذي غادر ملعب مينديزوروزا محني الرأس في خريف عام 2011، بعد إقالته من تدريب ديبورتيفو ألافيس، سيعود بعد سنوات قليلة ليقف على أكبر مسرح كروي في العالم مدربًا للمنتخب الإسباني في نهائي كأس العالم.

وبين هاتين اللحظتين، عاش لويس دي لا فوينتي واحدة من أصعب فترات حياته؛ ثمانية عشر شهرًا بلا وظيفة، وبلا يقين، وبأسئلة لا تنتهي حول مستقبله في عالم التدريب.

لكن تلك المرحلة التي بدت للكثيرين نهاية الطريق، تحولت بالنسبة إليه إلى بداية حقيقية. فقد استغلها في التعلم والتطوير وإعادة بناء نفسه، حتى أصبح اليوم أحد أكثر المدربين احترامًا في كرة القدم العالمية، بعدما قاد إسبانيا إلى سلسلة من الإنجازات وأعاد تشكيل هوية "لا روخا" بأسلوبه الهادئ وشخصيته المتزنة.

إعلان
  • إقالة قاسية فتحت باب المجهول

    في 16 أكتوبر/تشرين الأول 2011، اتخذ نادي ديبورتيفو ألافيس قرارًا بإقالة دي لا فوينتي بعد بداية متذبذبة للموسم في دوري الدرجة الثانية الإسباني "سيجوندا ب". وجاء القرار بعد أحد عشر لقاءً فقط حقق خلالها الفريق أربعة انتصارات وثلاثة تعادلات مقابل أربع هزائم.

    ورغم أن النتائج لم تكن كارثية، فإن إدارة النادي كانت تبحث عن الصدارة منذ البداية، ولم تمنح مدربها الوقت الكافي لتنفيذ مشروعه الفني، الذي كان يعتمد على الاستحواذ على الكرة وبناء اللعب من الخلف، وهو الأسلوب ذاته الذي اشتهر به لاحقًا مع المنتخب الإسباني.

    رئيس النادي آنذاك، أفيلينو فرنانديز دي كوينكوسيس، اعترف بعد سنوات بأن قرار الإقالة لم يكن سهلًا، مؤكدًا أن دي لا فوينتي تقبل الخبر بهدوء ورقي، ولم يصدر عنه أي اعتراض أو انفعال، وهو ما ترك انطباعًا لا يُنسى لدى مسؤولي النادي، وذلك حسبما أفادت صحيفة "آس" الإسبانية.

  • إعلان
    إعلان
  • Italy U19 v Spain U19 - International FriendlyGetty Images

    ألافيس في زمن الأزمات

    جاءت تجربة دي لا فوينتي مع ألافيس في واحدة من أكثر الفترات اضطرابًا بتاريخ النادي، الذي كان يعاني أزمات مالية خانقة وديونًا متراكمة كادت تعصف بمستقبله، بعدما مر بفترات إدارية مضطربة.

    ورغم تلك الظروف الصعبة، ترك المدرب الإسباني انطباعًا رائعًا لدى الجميع داخل النادي، سواء على المستوى الإنساني أو المهني. فقد وصفه مسؤولو ألافيس بأنه كان يتمتع بأخلاق عالية، ولم يفقد ابتسامته أو هدوءه حتى في أصعب اللحظات.

    ويتذكر رئيس النادي السابق لقاءً جمعه بدي لا فوينتي على مائدة عشاء أعدته والدته، مؤكدًا أن أكثر ما بقي في ذاكرته ليس نتائج المباريات، بل أناقة الرجل واحترامه للجميع.

  • صدمة لم ينساها اللاعبون

    كان المهاجم الكتالوني جيتو أحد آخر اللاعبين الذين سجلوا تحت قيادة دي لا فوينتي، بل إنه أحرز هدف التعادل في المباراة الأخيرة التي سبقت إقالة المدرب.

    ويؤكد اللاعب أن الفريق لم يكن يستحق تغيير الجهاز الفني، مشيرًا إلى أن دي لا فوينتي كان سابقًا لعصره في طريقة لعبه، إذ كان يؤمن بالاستحواذ والخروج المنظم بالكرة، وهي أفكار لم تجد الصبر الكافي داخل النادي.

    ويضيف أن المدرب كان محبوبًا بين اللاعبين، وكان يقضي ساعات طويلة في صالة الألعاب الرياضية، حتى بدا أحيانًا أكثر التزامًا بالتدريبات البدنية من لاعبيه أنفسهم.

    ويستعيد جيتو مشهد الوداع في صباح اليوم التالي للإقالة، حين دخل دي لا فوينتي غرفة الملابس ليودع لاعبيه وهو في حالة من الحزن والانكسار، بعدما شعر أن مشروعه انتهى قبل أن يبدأ.

    من بين الحاضرين في تلك الليلة كان ابن شقيقه، لويس دي لا فوينتي، الذي تابع مسيرة عمه عن قرب. ويقول إنه لا ينسى الهتافات التي طالبت برحيل المدرب خلال المباراة، لكنه كان مقتنعًا بأن عمه خُلق لتحقيق أشياء أكبر من تدريب ألافيس.

    ويضيف أن أفراد العائلة كانوا يرددون له باستمرار عبارة واحدة بعد الإقالة: "الأفضل لم يأتِ بعد"، وهي الكلمات التي تحولت لاحقًا إلى حقيقة بكل تفاصيلها.

  • إعلان
    إعلان
  • هل استمتعت بهذه القصة؟

    أضف Kooora كمصدر مفضل على جوجل للاطلاع على المزيد من تقاريرنا

    تابع Kooora على جوجل
  • ثمانية عشر شهرًا من المعاناة

    لم تكن البطالة بالنسبة إلى دي لا فوينتي مجرد غياب عن مقاعد التدريب، بل كانت مرحلة مليئة بالضغوط النفسية والمادية. ففي سن الخمسين تقريبًا، وجد نفسه بلا فريق، بينما يعلم أن العودة إلى سوق التدريب في هذا العمر ليست سهلة، خصوصًا في ظل المنافسة الكبيرة بين المدربين.

    وأصبحت أسرته الملاذ الحقيقي الذي ساعده على تجاوز تلك الفترة. فعاد للإقامة بالقرب من أبنائه الثلاثة، وقضى وقتًا أطول مع عائلته في بلباو، كما كان يزور بلدته هارو باستمرار، حيث كان يستعيد هدوءه بين أفراد أسرته.

    ورغم البطالة، لم يسمح دي لا فوينتي لنفسه بالابتعاد عن كرة القدم. فقد جاب أنحاء إسبانيا، متنقلًا بين الأندية المختلفة لمتابعة الحصص التدريبية، ومناقشة المدربين، وتبادل الخبرات معهم.

    كما انكب على دراسة أفكار المدرب الأرجنتيني مارسيلو بيلسا، الذي كان يعده أحد أبرز المراجع التدريبية في العالم، وحرص على تطوير نفسه نظريًا، بل وبدأ في تعلم اللغة الإنجليزية، استعدادًا لأي فرصة مستقبلية.

    وكان يدرك أن أخطر ما قد يواجه أي مدرب هو الغياب عن المشهد، لذلك كان يحرص على الظهور باستمرار في الملاعب والمؤتمرات والفعاليات الرياضية، حتى لا يبتعد عن دائرة الاهتمام.

  • Spain Training Session - FIFA World Cup 2026Getty Images

    هوايات ساعدته على الصمود

    لم تكن كرة القدم وحدها تشغل حياة دي لا فوينتي خلال تلك المرحلة. فقد واصل ممارسة الرياضة بشكل يومي، وأصبح يقضي حصتين تدريبيتين في صالة الألعاب الرياضية، كما خصص وقتًا للقراءة، خصوصًا في التاريخ الروماني والفلسفة وقصص المصارعين.

    وكان يجد متنفسًا في لقاء أصدقائه، سواء في بلباو أو فيتوريا أو إشبيلية، إضافة إلى زيارته المتكررة لمطعم "إلكانو" في جيتاريا، المملوك لزميله السابق أيتور أريجي، الحائز على نجمة ميشلان.

    ويؤكد أريجي أن دي لا فوينتي لم يتغير أبدًا، سواء عندما كان لاعبًا أو مدربًا أو حتى خلال فترة البطالة، إذ ظل متواضعًا، وأنيقًا في تعامله، ومتمسكًا بقيمه الإنسانية.

  • إعلان
    إعلان
  • الفرصة التي غيرت كل شيء

    في مايو/أيار 2013، بدأ الاتحاد الإسباني لكرة القدم البحث عن مدرب جديد لمنتخب تحت 19 عامًا. وكان منسق المنتخبات السنية، جينيس ميلينديز، قد فكر في البداية بالتعاقد مع فرناندو مورينتيس، لكن الأخير فضل الاستمرار في أكاديمية ريال مدريد.

    عندها تدخل المدرب المخضرم إينياكي سايز، الصديق المقرب لدي لا فوينتي، وأوصى به بقوة، مؤكدًا أنه الرجل الأنسب للمهمة. وبالفعل، حصل دي لا فوينتي على مقابلة، ومنها بدأت رحلته الجديدة.

    في البداية، لم يمنحه الاتحاد الإسباني سوى عقد لمدة ثلاثة أشهر. لكن دي لا فوينتي كان مؤمنًا بأن هذه الفرصة ستكون بداية مشروع طويل، لذلك استأجر شقة في مدريد منذ أيامه الأولى، مقتنعًا بأنه سيستمر داخل الاتحاد. ولم يخب ظنه.

    فقد جدد الاتحاد عقده رغم بعض الإخفاقات الأولى، ثم بدأ في تحقيق النجاحات مع مختلف الفئات السنية، ليقود إسبانيا إلى ألقاب أوروبية وعالمية على مستوى الشباب، قبل أن يتولى تدريب المنتخب الأول. واليوم، يمتد عقده حتى عام 2028، بعدما أصبح أحد أبرز المدربين في تاريخ الكرة الإسبانية الحديثة.

  • رسالة تتجاوز كرة القدم

    ورغم كل ما حققه من نجاحات، يؤكد المقربون من دي لا فوينتي أنه لا يزال يحتفظ بالهدوء نفسه الذي كان يميزه في أصعب أيامه. كما أنه يحرص على إبقاء عائلته قريبة منه خلال معسكرات المنتخب، في خطوة تعكس إيمانه بالدور الكبير الذي لعبته أسرته في مساعدته على تجاوز أصعب محطات حياته.

    ويرى أفراد عائلته أن مشاهدة لويس وهو يقود إسبانيا في نهائي كأس العالم تمثل أعظم مكافأة على سنوات الصبر والمعاناة، بعد رحلة بدأت بالإقالة والبطالة وانتهت بمنافسة على أعلى الألقاب.

    لا تقتصر قصة لويس دي لا فوينتي على نجاح مدرب في عالم كرة القدم، بل تقدم درسًا إنسانيًا لكل من يمر بفترة فقدان عمل أو إحباط أو شعور بأن الأبواب أغلقت في وجهه.

    فعلى مدار ثمانية عشر شهرًا، عاش الرجل القلق، وضيق الحال، والخوف من النسيان، لكنه رفض الاستسلام، واستثمر وقته في التعلم، وصقل خبراته، والإيمان بأن الفرصة ستأتي مهما تأخرت. وحين وصلت تلك الفرصة، كان مستعدًا لها بالكامل.

    ولهذا، فإن رحلة دي لا فوينتي من البطالة إلى نهائي كأس العالم ليست مجرد قصة نجاح رياضية، بل شهادة حية على أن الإخفاق قد يكون بداية جديدة، وأن أكثر الفصول قسوة قد تتحول، بالصبر والعمل والإيمان، إلى أعظم قصص الانتصار.

  • إعلان
    إعلان
إعلان