إعلان
إعلان
main-background

جريليش ينتقم من جوارديولا.. الحرية تعيد بريق النجم الضائع

كريم مليم
18 أكتوبر 202506:51
Jack Grealish rebirth GFXGetty Images

لم يكن أحد يتخيل أن يعود جاك جريليش إلى قمة مستواه بعيدًا عن مانشستر سيتي وبيب جوارديولا. اللاعب الذي كان يُنظر إليه كواحد من رموز الفريق في موسم الثلاثية التاريخي، وجد نفسه فجأة على هامش المشهد، قبل أن يتحول الآن إلى تميمةٍ جديدة في مدينة ليفربول، مرتديًا قميص إيفرتون، محاطًا بحب الجماهير التي رأت فيه ما افتقده هو نفسه لسنوات: الدفء، والثقة، والانتماء.

ومع أن جريليش سيكتفي بدور المتفرج حين يزور فريقه الجديد ملعب الاتحاد لمواجهة مانشستر سيتي، إلا أن مشهد ترحيب جماهير السماوي به سيكون مليئًا بالعاطفة، لكونه كان أحد أبرز وجوه احتفالات التتويج بالثلاثية في صيف 2023 — من الرقص الصاخب في ملعب أتاتورك إلى الاحتفالات الجامحة في إيبيزا، ثم العرض الشهير في شوارع مانشستر. لكن خلف تلك الابتسامات الصاخبة، كان هناك لاعبٌ فقد ذاته الكروية.

حين تعاقد مانشستر سيتي مع جاك جريليش في صيف 2021 قادمًا من أستون فيلا مقابل 100 مليون جنيه إسترليني، كانت التوقعات مرتفعة إلى حدٍ مذهل. كان يُفترض أن يكون هو القطعة المفقودة في لوحة بيب جوارديولا التكتيكية، اللاعب الذي يُحوّل الاستحواذ إلى إبداعٍ حي.

غير أن جريليش، بمهارته الفطرية وروحه الحرة، وجد نفسه في نظامٍ صارمٍ يُقيّد حريته. في موسمه الثاني، أظهر التزامًا نادرًا وانضباطًا تكتيكيًا جعله يوصف داخل غرف الملابس بـ"محطة الراحة"، لأنه كان يُبطئ الإيقاع ويمنح زملاءه لحظاتٍ للتنفس أثناء امتلاك الكرة أو كسب الأخطاء. ورغم أن ذلك الدور ساعد الفريق في تحقيق التوازن، فإنه خنق جانبًا من سحره الفطري الذي جعله محبوبًا في فيلا بارك.

ومع قدوم البلجيكي جيريمي دوكو في صيف 2023، بدأ بريق جريليش يتراجع. لم يعد الخيار الأول على الجناح، بل جلس كثيرًا على مقاعد البدلاء يشاهد فودين ودوكو يتناوبان على مركزه.. جوارديولا نفسه اعترف في نهاية الموسم قائلاً: "جاك سيعود إلى مستواه. أنا واثق من ذلك".

لكن الواقع كان قاسيًا.. في موسم 2023-2024، خاض جريليش 7 مبارياتٍ أساسية فقط في الدوري، وسجل هدفًا واحدًا وصنع آخر، ليجد نفسه بعيدًا تمامًا عن الصورة في نهائي كأس الاتحاد الإنجليزي أمام كريستال بالاس. في تلك اللحظة، بدا أن العلاقة بينه وبين جوارديولا وصلت إلى نقطة اللاعودة.

إعلان
  • Jack Grealish David MoyesGetty Images

    رحيلٌ من أجل النجاة

    في منتصف الموسم، قال جوارديولا بصراحة: "هل أريد اللاعب الذي فاز بالثلاثية؟ نعم. لكن عليَّ أن أكون صادقًا مع نفسي".

    لم يكن جريليش هو نفسه. لم يعد يستمتع، ولم يعد يشعر بأنه لاعب مؤثر. وفي صيف 2025، جاء القرار الحاسم: الرحيل.

    حين جلس مع ديفيد مويس، مدرب إيفرتون، شعر أنه أمام شخصٍ يفهمه تمامًا. مويس الذي ذاق مرارة الفشل في مانشستر يونايتد قبل أن يستعيد مجده مع وست هام، رأى في جريليش نسخةً أصغر من نفسه: موهبة جريحة تبحث عن الخلاص.

    قال مويس عند إتمام الصفقة: "جاك يعلم أنه أمام فرصة لإثبات نفسه من جديد. لقد اضطررت أنا أيضًا لإثبات نفسي بعد السقوط، وهو يملك نفس الدافع".

  • إعلان
    إعلان
  • Everton v Crystal Palace - Premier LeagueGetty Images

    بداية جديدة على ضفاف الميرسي

    لم يحتج جاك وقتًا طويلًا ليُظهر أن قراره كان صائبًا. في أول مباراة رسمية له بقميص إيفرتون، على ملعب "هيل ديكينسون" الجديد، صنع هدفين في الفوز على برايتون بنتيجة 2-0، ليعادل حصيلته من المساهمات في موسمه الأخير مع مانشستر سيتي.

    ثم تكرر المشهد أمام وولفرهامبتون، حين قدّم تمريرتين حاسمتين جديدتين في فوزٍ مثير بنتيجة 3-2. خلال شهر أغسطس، لم يسبق أي لاعبٍ في الدوري الإنجليزي، جريليش في عدد المساهمات التهديفية، لينال عن جدارة جائزة "لاعب الشهر".

    وبعدها بأسابيع، جاءت اللحظة التي انتظرها الجميع: هدف الفوز أمام كريستال بالاس في الوقت القاتل (2-1)، بعد أن خطف الكرة من المدافع مونيوز داخل منطقة الست ياردات. كان ذلك الهدف الأول له بقميص التوفيز، والأكثر رمزية.

    "كنت أتحدث مع نفسي في الدقائق الأخيرة من كل مباراة: هيا يا جاك، تخيّل لو سجلت الآن. هذه المرة فعلتها فعلاً!".. ثم أهدى الهدف لجماهير إيفرتون قائلاً: "منذ لحظة وصولي، أشعر بالحب في كل مكان. لا يوجد شعورٌ أعظم من أن تكون محبوبًا".

  • Everton v Crystal Palace - Premier LeagueGetty Images

    مويس يعيد الروح إلى الموهبة الجامحة

    يعلم مويس أن التعامل مع جريليش يحتاج مزيجًا من الصرامة والاحتواء. قال بعد مباراة كريستال بالاس: "ربما كان بحاجةٍ إلى القليل من الحب والاهتمام. إنه يمنحنا التمريرات الحاسمة، والطاقة، والإلهام. كل ما يقوم به ناتج عن رغبته في إثبات ذاته".

    لم يكن المدرب الاسكتلندي يبحث عن الثناء، لكنه أدرك أن مهمته الأساسية هي إعادة الثقة للاعب فقد بريقه. في إيفرتون، لم يعد جاك ترسًا في آلة تكتيكية، بل صار قلب المشروع النابض. تمامًا كما كان في أيامه الأولى مع أستون فيلا.

    قميصه أصبح الأكثر مبيعًا في متجر النادي، وصورته تتصدر لوحات الإعلان للملعب الجديد المطل على نهر الميرسي، الذي وصفه جريليش بأنه "رمز أيقوني للنادي وللمدينة"، ثم أضاف بابتسامةٍ عريضة: "وربما أصبح رمزي أيضًا".

  • إعلان
    إعلان
  • هل استمتعت بهذه القصة؟

    أضف Kooora كمصدر مفضل على جوجل للاطلاع على المزيد من تقاريرنا

    تابع Kooora على جوجل
  • Jack Grealish EvertonGetty Images

    محارب في التدريبات

    ورغم أنه يُلقب بـ"نجم الروك"، فإن نسخة جاك الحالية أكثر نضجًا وانضباطًا. لم يعد يبالغ في السهر أو الاحتفالات، بل صار أحد أكثر اللاعبين التزامًا في تدريبات الفريق.

    يقول زميله كيران ديوسبري-هول: "جاك من أوائل من يدخلون التدريب وآخر من يغادر. يهتم بالتعافي والحمامات الباردة والتدليك، ويركّز على أن يكون في أفضل حالة بدنية. إنه مثالٌ رائع للجميع".

    أما كارلوس ألكاراز فأشاد به قائلاً: "جاك محارب حقيقي في التدريبات. روح العمل لديه معدية. لم يأتِ هنا كنجم متعالٍ، بل كشخص يريد أن يكون جزءًا من المجموعة".

  • Everton FC v Manchester City FC - Premier LeagueGetty Images

    حين تعيد الكرة حبها إليك

    إحياء جريليش لمستواه لم يكن مكسبًا لإيفرتون فقط، بل لكل من تابع مسيرته. كثيرون شعروا بالحزن حين رأوه يتراجع في مانشستر سيتي، لكنهم اليوم يرونه يبتسم من جديد.

    يقول جاك في حديثٍ لشبكة "سكاي سبورتس": "أردت فقط أن أستمتع بكرة القدم من جديد. في آخر عامين مع السيتي، فقدت جزءًا من ذلك الشعور. لم أعد أستيقظ متحمسًا ليوم المباراة كما كنت. عائلتي لاحظت ذلك. لكن في إيفرتون، عادت المتعة".

    وفي مقابلة أخرى مع مدربه السابق في أستون فيلا، تيم شيروود، كشف عن جانبه الإنساني قائلاً: "أكون في أفضل حالاتي عندما أشعر بالحب. أنا شخص حساس خارج الملعب، وأحتاج أن أشعر بالتقدير. الناس لديهم تصورات عني، لكن في الحقيقة لا يوجد شيء أحبه أكثر من لعب كرة القدم".

    ولأنه لم ينسَ فترته في مانشستر، تحدث جاك عنها بصراحة نادرة: "الناس يقولون إنني أحب الحفلات — نعم، أستمتع بالحياة، لكن ربما لم أختَر الوقت المناسب لذلك أحيانًا. لم أساعد نفسي كثيرًا في السيتي، لكن الأمر لم يكن مجرد سهرات. قضيت عامين رائعين هناك، خاصة موسم الثلاثية. في العام الثالث، أخطأت أنا، ولم أفعل كل ما يجب فعله".

    هو الآن في الثلاثين، لكنه يدرك أن أمامه الكثير ليقدمه. منتخب إنجلترا لم يستدعِه في قائمتي سبتمبر وأكتوبر تحت قيادة توماس توخيل، لكن جريليش يعرف أن كأس العالم المقبلة لا تزال بعيدة، وأن الفرصة ستأتي إذا واصل التألق.

  • إعلان
    إعلان
  • Everton v Crystal Palace - Premier LeagueGetty Images

    حرية الإبداع من جديد

    حين سُئل عن أكثر ما يحبه في العمل مع ديفيد مويس، أجاب بابتسامةٍ خجولة: "يقول لي: عندما تحصل على الكرة، افعل ما تشاء".

    هذه الجملة تختصر الفارق بين بيب وجريليش، بين الحرية والانضباط، بين الفن والهندسة. مويس منحه المساحة ليعود إلى طبيعته، ليكون اللاعب الذي يعتمد على الإحساس والغريزة، لا على الحسابات.

    واليوم، وهو يركض على أطراف الملعب الجديد في ميرسيسايد، بربطة رأسه الشهيرة وخصلات شعره التي تتطاير مع الريح، لا يبدو جريليش مجرد لاعبٍ يبحث عن المجد — بل رجلٌ وجد نفسه من جديد.

    ولم يعد جاك "محطة راحة"، بل صار "نقطة انطلاق".. من لاعبٍ فقد مكانه في مانشستر سيتي، إلى قائدٍ ملهمٍ في فريقٍ يُقاتل على البقاء والطموح في آنٍ واحد.

    إنها قصة لاعب لم يستسلم حين بدأ الجميع يشك في قدرته على العودة. لاعب أدرك أن الحب قد يكون أقوى من التكتيك، وأن الثقة قد تُعيد موهبةً كانت على وشك الضياع.

    جاك جريليش اليوم ليس مجرد جناحٍ مراوغ أو نجمٍ جماهيري — إنه رمزٌ للمرونة والإنسانية في كرة القدم الحديثة. وربما لهذا السبب، حين يقف يوم السبت في ممر ملعب الاتحاد، سيقف كلاعبٍ مختلف: ليس كابنٍ تائهٍ يعود إلى بيته، بل كنجمةٍ وجدت ضوءها في سماء أخرى.

إعلان