
Getty Imagesفي عالم كرة القدم الحديثة، حيث تتسابق النجوم إلى صناعة الصورة قبل الإنجاز، وتتنافس على لفت الأنظار داخل الملعب وخارجه، يظهر مايكل أوليسي كحالة استثنائية يصعب تصنيفها.
مايكل أوليسي لا يسعى إلى الشهرة، ولا يحرص على تصدر العناوين، ولا يبالغ في الاحتفال بأهدافه، بل يفضل أن تتحدث قدماه نيابة عنه.
وبينما يملأ اللاعبون منصات التواصل الاجتماعي بصورهم وحملاتهم الإعلانية، يختار جناح بايرن ميونخ الابتعاد عن الأضواء، مكتفياً بما يقدمه فوق المستطيل الأخضر.
ومع تألقه اللافت مع المنتخب الفرنسي في كأس العالم 2026، لم يعد بالإمكان تجاهل مايكل أوليسي الذي تحول خلال فترة قصيرة إلى أحد أبرز نجوم الكرة العالمية.
فبعد موسمين مذهلين مع بايرن ميونخ، أصبح مايكل أوليسي من أكثر اللاعبين حسماً وإبداعاً، وأحد المرشحين لقيادة فرنسا نحو اللقب العالمي، بينما تتزايد الأحاديث حول قدرته على المنافسة مستقبلاً على جائزة الكرة الذهبية.
Getty Imagesلاعب لا يشبه أحداً
يصعب مقارنة مايكل أوليسي بأي لاعب آخر. فهو لا يكتفي باختلاف أسلوبه الفني، بل يمتد تميزه إلى شخصيته أيضاً.
رغم ولادته ونشأته في إنجلترا، اختار تمثيل المنتخب الفرنسي، البلد الذي ينتمي إليه من جهة والدته الفرنسية الجزائرية، بينما ينحدر والده من أصول نيجيرية. هذا الخليط الثقافي انعكس على شخصيته الهادئة والمنفتحة في الوقت ذاته.
يعشق مايكل أوليسي لعبة الشطرنج، ويتجنب إجراء المقابلات الإعلامية قدر الإمكان، ولا يرتبط بأي عقود رعاية مع شركات الأحذية أو الملابس الرياضية، في وقت أصبحت فيه مثل هذه العقود جزءاً أساسياً من حياة نجوم اللعبة.
حتى بعد تسجيل الأهداف، نادراً ما يرفع ذراعيه احتفالاً، بل يعود سريعاً إلى منتصف الملعب وكأن شيئاً لم يحدث، وهي عادة رافقته منذ طفولته ولم تتغير رغم وصوله إلى قمة كرة القدم.
ولم يكن وصول مايكل أوليسي إلى هذه المكانة وليد الصدفة. فقد أنهى موسماً استثنائياً مع بايرن ميونخ سجل خلاله 25 هدفاً وصنع 28 هدفاً آخر، بعدما سبق ذلك بموسم سجل فيه 17 هدفاً وقدم 18 تمريرة حاسمة، ليصل إجمالي مساهماته التهديفية إلى 88 مساهمة خلال موسمين فقط.
وفي كأس العالم الحالية، أصبح أول لاعب يصنع خمسة أهداف في نسخة واحدة من البطولة منذ الألماني توماس هاسلر في مونديال 1994، وهو إنجاز يعكس مدى تأثيره في الأداء الهجومي للمنتخب الفرنسي.
وقبل مواجهة باراجواي في دور الـ16، كان بحاجة إلى تمريرة حاسمة واحدة فقط لمعادلة الرقم التاريخي الذي حققه الأسطورة البرازيلية بيليه بصناعة ستة أهداف في نسخة واحدة من كأس العالم.
- إعلانإعلان
Getty Imagesموهبة لفتت الأنظار منذ الطفولة
ولد مايكل أوليسي في لندن، لكن موهبته كانت واضحة منذ سنواته الأولى. ويتذكر دانيال كوكر، معلم التربية الرياضية في مدرسة "دكتور تريبلتس" الابتدائية، اللحظة التي شاهد فيها الطفل الصغير لأول مرة.
ويقول إنه تلقى سؤالاً من المدربين حول ذلك التلميذ الموجود في الصف الثاني، وما إن شاهده حتى أدرك أنه أمام لاعب استثنائي. ولم يكن يتألق في كرة القدم فقط، بل أظهر قدرات كبيرة في مختلف الرياضات التي مارسها داخل المدرسة، الأمر الذي دفع معلميه إلى إشراكه في كل المنافسات الممكنة.
لكن أكثر ما لفت انتباههم لم يكن موهبته فقط، بل شخصيته المختلفة. كان هادئاً وخجولاً، لا يحب الحديث كثيراً، ولا يحتفل بالأهداف رغم تسجيله أعداداً كبيرة منها، بل كان يعود مباشرة إلى اللعب، وكأنه يعتبر الاحتفال مضيعة للوقت.
ويرى معلموه أن هذا السلوك لم يكن تصنعاً، بل جزءاً أصيلاً من شخصيته التي حافظ عليها حتى بعد وصوله إلى قمة الاحتراف.
مديرة المدرسة راشيل أندرسون تتذكر جانباً آخر من شخصية مايكل أوليسي. فقد كان من الصعب إعادته إلى الفصل بعد انتهاء حصص كرة القدم، خصوصاً عندما يخسر فريقه.
كان يواصل ركل الكرة داخل الفصل الدراسي، ويعيد تحليل كل ما حدث في المباراة، وكأنه يبحث عن التفاصيل الصغيرة التي حرمته من الفوز. وتؤكد أندرسون أنه كان يسعى دائماً إلى الكمال، سواء داخل الملعب أو في الدراسة، إذ كان طالباً متفوقاً وحقق نتائج أكاديمية مميزة.
كما تتذكر المدارس المنافسة شعورها بالإحباط بمجرد رؤية أوليس ضمن فريق المدرسة، لأن الجميع كان يدرك أن فرص الفوز تصبح ضئيلة للغاية عندما يكون موجوداً.
Getty Imagesرفض تشيلسي والسيتي لم يوقف حلمه
رغم امتلاكه فرصة تمثيل إنجلترا ونيجيريا والجزائر، فإن فرنسا ظلت الأقرب إلى قلبه. كان يزور البلاد باستمرار، ويحب تعلم اللغة الفرنسية والانغماس في ثقافتها، وهو ما جعل كثيرين يتوقعون مبكراً اختياره "الديوك".
ويؤكد دانيال كوكر أنه لم يكن واثقاً من قدرة إنجلترا على إقناع مايكل أوليسي بتمثيلها، لأن ارتباطه بفرنسا كان واضحاً منذ سنوات طفولته.
ولم تكن رحلة مايكل أوليسي نحو القمة سهلة. فبعد فترة قصيرة في أكاديمية آرسنال، انضم إلى تشيلسي، حيث أمضى سبع سنوات كاملة قبل أن يستغني النادي عن خدماته عندما كان في الرابعة عشرة من عمره.
بعدها خاض تجربة أخرى مع مانشستر سيتي، لكن النادي لم يمنحه الفرصة أيضاً. وبالنسبة لأي لاعب ناشئ، كان من الممكن أن تمثل تلك الضربات نهاية الحلم، إلا أن مايكل أوليسي اختار طريقاً مختلفاً.
ووجد نادي ريدينج الفرصة التي تجاهلها الآخرون. لكن حتى داخل النادي، لم يكن الجميع مقتنعين بالتعاقد مع مايكل أوليسي، بسبب استغناء تشيلسي والسيتي عنه سابقاً.
ويتذكر بريندان فلاناجان، رئيس قسم استقطاب المواهب، أنه اضطر إلى الدفاع عن اللاعب وإقناع الإدارة بأن شخصيته الهادئة لا تعني وجود مشكلة. بل كشف أن والدة مايكل أوليسي طلبت تأجيل انضمامه عدة أسابيع حتى يستعيد ثقته بنفسه بعد خيبتي الأمل مع تشيلسي والسيتي.
ويقول فلاناجان إنه اعتقد وقتها أن اللاعب سيوقع مع نادٍ آخر، قبل أن تتصل والدته بعد أسابيع لتخبره بأن ابنها أصبح جاهزاً. ويؤكد أن مايكل أوليسي لم يسبب أي مشكلة طوال وجوده مع النادي، بل كان أفضل لاعب نجح في استقطابه خلال مسيرته.
- إعلانإعلان
Getty Imagesشغف لا يعرف الحدود
كان التزام مايكل أوليسي بالتدريبات يصل أحياناً إلى حد الطرافة. فقد اعتاد الوصول إلى مقر التدريب قبل ساعتين من بدايته، لكنه كان أحياناً يغفو داخل سيارته بسبب حضوره المبكر، ليستيقظ بعد انطلاق المران.
ورغم ذلك، ظل مثالاً في الانضباط والاجتهاد. وخاض أول مباراة له مع الفريق الأول في مارس 2019 أمام ليدز يونايتد، وهو في السابعة عشرة من عمره، قبل أن يشارك في 73 مباراة، سجل خلالها سبعة أهداف، ويؤكد أنه يستحق اللعب على مستوى أعلى.
وخلال وجوده في ريدينج، تلقى أول استدعاء من منتخبات الشباب الفرنسية. ويقول فلاناجان إن الأمر لم يكن مفاجئاً، لأن فرنسا كانت أول من آمن بموهبته.
أما إنجلترا، فلم تتحرك إلا بعد بروزه، وهو ما جعل مايكل أوليسي يشعر بأن المنتخب الفرنسي كان الأكثر اقتناعاً بإمكاناته منذ البداية، وذلك حسبما أفادت هيئة الإذاعة البريطانية "بي بي سي".
وفي صيف 2021، فعل كريستال بالاس الشرط الجزائي في عقده مع ريدينج مقابل ثمانية ملايين جنيه إسترليني. وبقيادة المدرب الفرنسي باتريك فييرا، بدأ أوليس في إثبات نفسه داخل الدوري الإنجليزي الممتاز.
في البداية، اشتهر أكثر بصناعة الأهداف، بعدما قدم 19 تمريرة حاسمة وسجل ستة أهداف خلال أول موسمين. لكن موسمه الأخير مع الفريق شهد انفجاراً تهديفياً، إذ سجل عشرة أهداف وصنع ستة أخرى في 19 مباراة فقط، رغم تعرضه لإصابتين أبعدتاه عن عدد من المباريات.
وفي صيف 2023، قرر تشيلسي تفعيل الشرط الجزائي في عقد مايكل أوليسي لإعادته إلى النادي الذي استغنى عنه سابقاً. لكن المفاجأة جاءت عندما أعلن كريستال بالاس توقيع اللاعب عقداً جديداً، رافضاً العودة إلى "البلوز"، في خطوة أثارت دهشة المتابعين.
Getty Imagesبايرن ميونخ.. الانطلاقة نحو العالمية
شارك مايكل أوليسي مع المنتخب الفرنسي في أولمبياد باريس تحت قيادة تييري هنري. وقبل البطولة، أعلن بايرن ميونخ تعاقده معه مقابل نحو 50 مليون جنيه إسترليني.
ورغم أن النادي الألماني كان يملك حق منعه من المشاركة في الأولمبياد، كما فعل مع ماتيس تيل، فإن مايكل أوليسي طلب من مسؤولي بايرن السماح له بإكمال تلك المغامرة مع فرنسا.
ويرى جايل كليشي أن تلك اللحظة كشفت معدنه الحقيقي، لأنها أظهرت لاعباً يضع حلمه مع منتخب بلاده فوق أي اعتبارات أخرى. وساهم مايكل أوليسي في قيادة فرنسا إلى المباراة النهائية، قبل خسارة اللقب أمام إسبانيا بعد التمديد.
منذ انتقاله إلى بايرن ميونخ تحت قيادة فينسنت كومباني، دخل مايكل أوليسي مرحلة جديدة من مسيرته. أصبح أكثر حسماً أمام المرمى، وأكثر تأثيراً في صناعة اللعب، وسرعان ما فرض نفسه أساسياً مع المنتخب الفرنسي الأول.
وأشاد الهداف التاريخي لفرنسا أوليفييه جيرو بقدراته، مؤكداً أنه لاعب جماعي استثنائي، يفضل تمرير الكرة إلى زميله إذا كان في وضع أفضل، حتى لو كانت أمامه فرصة للتسجيل.
ويرى جيرو أن مايكل أوليسي يذكره بالأسطورة الهولندية أريين روبن، بفضل طريقته الهادئة في الدخول إلى العمق مستخدماً قدمه اليسرى، مع قدرة كبيرة على صناعة الفارق في اللحظات الحاسمة.
- إعلانإعلان
Getty Imagesشخصية مختلفة صنعت لاعباً استثنائياً
بعيداً عن الأرقام، لا يزال مايكل أوليسي يحتفظ بعاداته القديمة. فهو يتجنب الاحتفالات الصاخبة، ويبتعد عن المقابلات التلفزيونية، كما ظهر أكثر من مرة وهو يتجول في أرضية الملعب مرتدياً الصنادل قبل المباريات ليتفقد جودة العشب.
ويرى جايل كليشي أن هذه التصرفات ليست محاولة للفت الانتباه، بل انعكاس طبيعي لشخصية بسيطة وعفوية، تفضل التركيز على كرة القدم بعيداً عن الضجيج.
ومع استمرار تألقه، بدأت المقارنات الكبرى تلاحق مايكل أوليسي. ويتفق كثيرون على أن طريقه نحو المنافسة على الكرة الذهبية أصبح مفتوحاً، خصوصاً إذا نجح في قيادة فرنسا إلى لقب كأس العالم.
ويؤمن أوليفييه جيرو بأن اللاعب يمتلك كل المقومات اللازمة للفوز بأرفع الجوائز الفردية، لكنه يؤكد أن أكثر ما يميزه هو غياب الأنانية. فمايكل أوليسي لا يبحث عن المجد الشخصي بقدر ما يسعى إلى خدمة الفريق، وهو ما جعله يحظى باحترام زملائه ومدربيه وجماهيره.
وربما يكون هذا تحديداً هو سر نجاحه الحقيقي. ففي زمن أصبح فيه الصخب جزءاً من صناعة النجومية، اختار مايكل أوليسي أن يسلك طريقاً مختلفاً. لم يرد على المشككين بالكلمات، ولم يسع إلى تلميع صورته عبر وسائل الإعلام، بل ترك موهبته تتحدث عنه في كل مباراة.
ومن لاعب رفضته أكاديميات كبرى إلى أحد أفضل لاعبي العالم وأمل فرنسا الأول، أثبت مايكل أوليسي أن الهدوء قد يكون أحياناً أكثر قوة من أي ضجيج، وأن العبقرية الحقيقية لا تحتاج إلى استعراض كي تفرض نفسها على الجميع.
هل استمتعت بهذه القصة؟
أضف Kooora كمصدر مفضل على جوجل للاطلاع على المزيد من تقاريرنا
قد يعجبك أيضاً




%20(3).png?quality=60&auto=webp&format=pjpg)
%20(5).png?quality=60&auto=webp&format=pjpg)
%20(4).png?quality=60&auto=webp&format=pjpg)
%20(4).png?quality=60&auto=webp&format=pjpg)
%20(1).png?quality=60&auto=webp&format=pjpg)