

Getty Imagesبعد سنوات من الاستقرار والهيمنة المحلية والقارية تحت قيادة بيب جوارديولا، يبدأ مانشستر سيتي فصلاً جديداً في تاريخه، عنوانه إنزو ماريسكا. قرار لم يكن مفاجئاً داخل أروقة ملعب الاتحاد بقدر ما كان مثيراً للتساؤلات خارجه، فخلافة مدرب غيّر وجه النادي وحقق 20 لقباً خلال عقد كامل ليست مهمة عادية، بل واحدة من أصعب الوظائف في عالم كرة القدم.
ورغم أن ماريسكا لم يبدأ مسيرته التدريبية مديراً فنياً إلا قبل سنوات قليلة، فإن صعوده السريع وثقة إدارة مانشستر سيتي في قدراته جعلا اسمه يتقدم على العديد من المدربين أصحاب الخبرات الطويلة. ويبدو أن النادي لم يكن يبحث عن مدرب جديد بقدر ما كان يبحث عن استمرار الهوية التي صنعت واحدة من أنجح الحقب في تاريخ الفريق.
عاد المدرب الإيطالي إلى النادي الذي يعرفه جيداً، بعدما سبق له العمل في أكاديمية مانشستر سيتي، ثم ضمن الجهاز الفني لجوارديولا خلال الموسم التاريخي الذي شهد تحقيق الثلاثية، قبل أن يخوض تجربتين ناجحتين مع ليستر سيتي وتشيلسي، أثبت خلالهما أنه ليس مجرد تلميذ لبيب، بل مدرب يمتلك شخصيته الخاصة وأفكاره المستقلة.
لكن السؤال الأكبر يبقى: لماذا وقع الاختيار عليه تحديداً؟ وما الذي يمكن أن تنتظره جماهير مانشستر سيتي من المدرب الإيطالي البالغ من العمر 46 عاماً؟
Getty Imagesاستمرار المشروع.. لا بداية مشروع جديد
منذ رحيل جوارديولا، كان واضحاً أن إدارة مانشستر سيتي لا ترغب في تغيير هوية الفريق أو الدخول في مرحلة انتقالية قد تهدد سنوات النجاح التي بناها النادي.
ومن هنا جاء اختيار إنزو ماريسكا، الرجل الذي يعرف تفاصيل المشروع من الداخل، وعمل لسنوات داخل منظومة النادي، ويؤمن بالفلسفة نفسها التي جعلت سيتي أحد أفضل فرق العالم.
وخلال تقديمه مدرباً جديداً للفريق، اعترف ماريسكا بأن أحد أهم أسباب تعيينه يتمثل في رغبته في الحفاظ على النهج الكروي الذي اعتاد عليه النادي.
وقال المدرب الإيطالي إن هدفه الأول يتمثل في مواصلة المنافسة على البطولات، مؤكداً أن العمل اليومي داخل الملعب هو ما سيحدد هوية الفريق خلال المرحلة المقبلة.
ورغم إدراكه لصعوبة المهمة، لم يُخفِ حماسه لخوض هذا التحدي، مؤكداً أنه يدرك حجم المسؤولية الملقاة على عاتقه بعد حقبة استثنائية قادها جوارديولا.
- إعلانإعلان
Voetbalzoneتلميذ جوارديولا.. والأب الكروي
قد تبدو أوجه الشبه بين ماريسكا وجوارديولا واضحة للوهلة الأولى، لكن المقربين من المدرب الإيطالي يؤكدون أن الأمر يتجاوز مجرد تقليد أسلوب المدرب الإسباني.
فقد تشكلت شخصية ماريسكا التدريبية من مزيج فريد يجمع بين المدرسة الإيطالية التي نشأ فيها كلاعب، والمدرسة الإسبانية التي تأثر بها خلال سنوات لعبه في الدوري الإسباني.
وخلال مسيرته كلاعب مع إشبيلية وملقة، عايش عن قرب هيمنة برشلونة بقيادة جوارديولا، وشاهد كيف يمكن لكرة القدم القائمة على الاستحواذ والتحكم في إيقاع اللعب أن تفرض سيطرتها على أعلى المستويات.
تلك التجربة غيّرت نظرته إلى اللعبة، وأقنعته بأن المستقبل سيكون للفرق التي تعتمد على الجودة الفنية، والضغط الجماعي، والاستحواذ الذكي على الكرة، وذلك حسبما أفادت هيئة الإذاعة البريطانية "بي بي سي".
ولم يكن التأثير الإسباني مقتصراً على كرة القدم فقط، بل امتد إلى حياته الشخصية أيضاً، إذ أصبحت اللغة الإسبانية اللغة الأساسية داخل أسرته، كما كوّن هناك علاقات قوية مع عدد من الشخصيات التي لا تزال ترافقه حتى اليوم، وعلى رأسها مساعده ويلي كاباييرو.
لكن قبل أن يصبح جوارديولا مرجعاً فنياً بالنسبة إلى ماريسكا، كان هناك اسم آخر لعب دوراً محورياً في مسيرته، وهو التشيلي مانويل بيليجريني. فالمدرب السابق لمانشستر سيتي كان أول من لمس امتلاك ماريسكا للمقومات التي تؤهله لدخول عالم التدريب، عندما كان اللاعب الإيطالي لا يزال يمارس كرة القدم.
ويرى المقربون من ماريسكا أن بيليجريني لم يكن مجرد مدرب بالنسبة إليه، بل كان بمثابة الأب الكروي الذي ساعده على فهم اللعبة بصورة أعمق، وغرس فيه أهمية القيادة وإدارة غرف الملابس، وهي عناصر ظهرت بوضوح خلال تجاربه التدريبية اللاحقة.
Getty Imagesلماذا كانت إدارة سيتي مقتنعة به؟
رئيس مجلس إدارة مانشستر سيتي، خلدون المبارك، لم يُخفِ إعجابه الكبير بماريسكا، مؤكداً أن المدرب الإيطالي استوعب الكثير من أفكار جوارديولا، لكنه في الوقت نفسه نجح في تطوير فلسفته الخاصة.
وأكد المبارك أن الجماهير ستلاحظ سريعاً شخصية ماريسكا المستقلة، سواء في أسلوب اللعب أو في طريقة إدارة المباريات، معرباً عن ثقته بأن الفريق سيصبح أكثر قوة وصلابة تحت قيادته.
كما شدد على أن أكبر ما يميز المدرب الإيطالي هو رغبته الحقيقية في تحمل مسؤولية خلافة جوارديولا، وهي مهمة قد يتردد كثيرون في قبولها، بينما تعامل معها ماريسكا باعتبارها فرصة استثنائية لإثبات قدراته.
ولم يكن اختيار ماريسكا قراراً مفاجئاً أو فردياً، بل جاء بعد توافق كامل داخل الإدارة الرياضية للنادي. فالعلاقة القوية التي تجمعه بجوارديولا استمرت حتى بعد مغادرته مانشستر سيتي، وتشير مصادر مقربة إلى أن المدرب الإسباني كان على علم بكافة تفاصيل المفاوضات، وأبدى دعمه الكامل لعودة مساعده السابق.
كذلك لعب المدير الرياضي السابق تشيكي بيجيريستين دوراً مهماً في ترشيح ماريسكا قبل رحيله عن النادي، إذ أوصى به خلال عملية تسليم المسؤوليات إلى هوغو فيانا، معتبراً أنه الشخص الأنسب للحفاظ على المشروع الفني الذي بُني خلال السنوات الماضية.
- إعلانإعلان
Getty Imagesبصمة لا تُنسى داخل مانشستر سيتي
لم يكن ماريسكا مجرد مساعد تقليدي داخل الجهاز الفني لجوارديولا، بل كان أحد أكثر الأشخاص تأثيراً في الجوانب التكتيكية.
وخلال موسم الثلاثية التاريخية، اعتمد عليه جوارديولا كثيراً في إعداد الحلول الفنية، وكان من أبرز الأفكار التي خرجت من تلك المرحلة توظيف جون ستونز كلاعب وسط إلى جانب أدواره الدفاعية، وهي الخطوة التي منحت الفريق مرونة تكتيكية كبيرة وأسهمت في تتويجه بدوري أبطال أوروبا.
وقبل انضمامه للجهاز الفني للفريق الأول، ترك ماريسكا بصمة واضحة مع فريق النخبة للتطوير في أكاديمية مانشستر سيتي، حيث منح اللاعبين حرية أكبر في التعبير عن قدراتهم داخل الملعب، بعيداً عن القوالب التكتيكية الجامدة.
وأكد جاريث تايلور، الذي عمل معه في النادي، أن ماريسكا كان مختلفاً عن بقية المدربين داخل الأكاديمية، لأنه كان يملك الشجاعة لتطوير الأفكار وعدم الاكتفاء بتطبيق النموذج التقليدي.
وأضاف أن إدارة مانشستر سيتي كانت تمنحه مساحة واسعة للإبداع، طالما كانت أفكاره مدعومة بحجج فنية واضحة، وهو ما ساعده على تطوير شخصيته التدريبية تدريجياً، قبل الانتقال إلى تجارب أكبر مع ليستر سيتي ثم تشيلسي.
وبفضل تلك المحطات، لم يعد ماريسكا مجرد مساعد سابق لجوارديولا، بل أصبح مدرباً يملك سجلاً خاصاً به، وفلسفة مستقلة، وشخصية تؤهله لخوض أصعب تحدٍ في مسيرته، وهو قيادة مانشستر سيتي في حقبة ما بعد بيب.
Getty Imagesماذا ينتظر مانشستر سيتي تحت قيادة ماريسكا؟
إذا كان تعيين إنزو ماريسكا يضمن استمرار هوية مانشستر سيتي، فإن المهمة الحقيقية تبدأ مع انطلاق فترة الإعداد للموسم الجديد. فالجماهير لا تنتظر مجرد مدرب يحافظ على إرث جوارديولا، بل قائداً قادراً على تطوير الفريق وتجديد دوافعه بعد سنوات طويلة من النجاحات.
وسيبدأ ماريسكا عمله وسط تحديات عديدة، أبرزها الحفاظ على ثقافة الانتصارات التي أصبحت جزءاً من شخصية النادي، مع إدخال بصمته الخاصة دون إحداث تغيير جذري قد يؤثر في استقرار الفريق.
ومن المنتظر أن يعود اللاعبون إلى التدريبات في 20 يوليو، بينما سيحصل المشاركون في كأس العالم على فترة راحة إضافية، وهو ما يمنح المدرب الإيطالي وقتاً محدوداً لوضع أفكاره الأولى قبل انطلاق الموسم.
ولن يقتصر عمل ماريسكا على الجوانب الفنية داخل الملعب، بل سيكون شريكاً رئيسياً في رسم ملامح الفريق خلال سوق الانتقالات.
وتشير التقارير إلى أن مانشستر سيتي يقترب من إتمام صفقة التعاقد مع لاعب الوسط الإنجليزي إليوت أندرسون مقابل نحو 116 مليون جنيه إسترليني، في صفقة تعد من الأكبر في تاريخ النادي.
وبعد تدعيم خط الوسط، سيتحول اهتمام الإدارة إلى التعاقد مع ظهير أيمن جديد، خاصة مع ارتباط اسم مالو جوستو بإمكانية اللحاق بمدربه السابق بعد التجربة الناجحة التي جمعتهما في تشيلسي.
كما يراقب سيتي عن كثب الموهبة المغربية الصاعدة أيوب بوعدي، لاعب ليل الفرنسي، والذي يعد أحد أبرز لاعبي الوسط الواعدين في أوروبا رغم أنه لم يتجاوز الثامنة عشرة من عمره.
وفي المقابل، ستكون قضية تجديد عقد رودري من أهم الملفات على مكتب ماريسكا، إذ يدخل النجم الإسباني العام الأخير من عقده، ويعد استمراره أولوية قصوى بالنسبة للنادي، نظراً لدوره المحوري داخل منظومة الفريق.
كما سيواجه المدرب الإيطالي أيضاً قراراً معقداً يتعلق بمركز حراسة المرمى. فلسفة ماريسكا تعتمد بصورة كبيرة على الحارس القادر على المشاركة في بناء اللعب من الخلف، وهو ما يجعل الاختيار بين جيانلويجي دوناروما وجيمس ترافورد واحداً من أبرز القرارات الفنية خلال بداية الموسم.
وسيتعين على المدرب الإيطالي الموازنة بين خبرة دوناروما الدولية، وطموح ترافورد، الذي يسعى لإثبات أحقيته بالحصول على فرصة حقيقية مع الفريق الأول.
- إعلانإعلان
Getty Imagesكرة القدم.. لعبة شطرنج على العشب
لا ينظر ماريسكا إلى كرة القدم باعتبارها مجرد لعبة تعتمد على المهارة الفردية، بل يراها معركة تكتيكية معقدة تشبه إلى حد كبير مباريات الشطرنج.
ولهذا السبب، أعد خلال دراسته في مركز كوفرسيانو الإيطالي بحثاً أكاديمياً تجاوز سبعة آلاف كلمة، تناول فيه أوجه التشابه بين كرة القدم والشطرنج، مستشهداً بإحدى أشهر مباريات بطولة العالم بين أناتولي كاربوف وفيكتور كورتشنوي.
وتنعكس هذه الفلسفة بوضوح على طريقة عمله داخل الملعب، حيث يؤمن بأن كل تحرك يجب أن يكون محسوباً، وأن السيطرة على المساحات لا تقل أهمية عن السيطرة على الكرة نفسها.
ويعتمد ماريسكا غالباً على طريقة 4-2-3-1، مع التركيز على الاستحواذ الطويل، والضغط العالي، والحد من الهجمات المرتدة للمنافسين.
وتتشابه أفكاره كثيراً مع فلسفة جوارديولا، إلا أنه يحاول منح لاعبيه حرية أكبر في تبادل المراكز والتحرك بين الخطوط، بما يخلق حلولاً هجومية متنوعة ويصعب مهمة المنافسين في الرقابة.
ورغم تعرضه لبعض الانتقادات خلال فترتيه مع ليستر سيتي وتشيلسي بسبب البطء أحياناً في بناء اللعب، فإنه ظل متمسكاً بقناعته بأن الاستحواذ ليس هدفاً في حد ذاته، وإنما وسيلة لفرض السيطرة الكاملة على المباراة.
وقد ظهر ذلك بوضوح في تشيلسي، عندما منح مارك كوكوريلا أدواراً هجومية غير معتادة، حيث تحول في كثير من الأحيان إلى لاعب وسط إضافي، ما أتاح للفريق خلق زيادة عددية في الثلث الأخير من الملعب.
كما لفت الأنظار في نهائي كأس العالم للأندية، عندما استخدم مالو جوستو كظهير متداخل في الجانب الأيمن، وهي الخطة التي أجبرت نونو مينديز على التراجع المستمر، وفتحت مساحات واسعة أمام كول بالمر، ليساهم ذلك في فوز تشيلسي بثلاثية نظيفة.
Getty Imagesشخصية صارمة لا تتوقف عن التعلم
من أكثر ما يميز ماريسكا شغفه الدائم بتطوير نفسه. فهو لا يكتفي بدراسة كرة القدم، بل يبحث باستمرار عن أفكار جديدة في رياضات مختلفة.
وعلى غرار جوارديولا، يحرص على التواصل مع خوليو فيلاسكو، أحد أشهر مدربي الكرة الطائرة، كما يتبادل الأفكار مع إيتوري ميسينا، المدرب المخضرم في كرة السلة، بحثاً عن وسائل جديدة لتطوير الأداء الجماعي وإدارة الفرق.
كما يبدي اهتماماً متزايداً بتطبيقات الذكاء الاصطناعي في التحليل الفني، ويستثمر جزءاً كبيراً من وقته في قراءة الكتب الفلسفية، وعلى رأسها مؤلفات الفيلسوف الفرنسي رينيه ديكارت، بالإضافة إلى كتاب "كرة القدم والشطرنج"، الذي يعكس طبيعة تفكيره القائمة على التحليل والتخطيط.
وقد يبدو ماريسكا هادئاً ومقتضباً في مقابلاته الإعلامية، لكنه داخل غرفة الملابس يتعامل بمنتهى الصراحة والوضوح مع لاعبيه. ولا يتردد في اتخاذ قرارات صعبة إذا رأى أنها تصب في مصلحة الفريق، حتى لو أثارت الجدل.
وخلال فترته مع تشيلسي، أثار استبعاد نوني مادويكي الكثير من التساؤلات، إلا أن رده كان حاسماً، مؤكداً أن القرار فني بحت، وهو ما يعكس شخصيته التي تفضل الوضوح على المجاملات.
ورغم هذه الصرامة، حظي ماريسكا باحترام كبير من لاعبي تشيلسي، الذين أشادوا بطريقة تعامله وقدرته على بناء علاقة مباشرة وصادقة معهم.
- إعلانإعلان
Getty Imagesنهاية متوترة في تشيلسي.. وبداية جديدة في مانشستر
لم يكن رحيل ماريسكا عن تشيلسي هادئاً. فقد شهدت الأسابيع الأخيرة توتراً واضحاً بينه وبين إدارة النادي، انتهى بانتقاله إلى مانشستر سيتي مقابل تعويض مالي بلغ 17 مليون جنيه إسترليني.
وترى إدارة تشيلسي أن رحيله ترك أثراً سلبياً على الفريق، بعدما كان قد نجح في قيادته إلى التتويج بكأس العالم للأندية ودوري المؤتمر الأوروبي، كما أعاده إلى دوري أبطال أوروبا للمرة الأولى منذ استحواذ مجموعة "بلوكو" على النادي.
وفي المقابل، يعتقد كثيرون أن المدرب الإيطالي أثبت خلال موسمه الوحيد في ستامفورد بريدج أنه يمتلك المقومات اللازمة لقيادة مشروع كبير، وهو ما عزز قناعة مانشستر سيتي بأنه الرجل المناسب لخلافة جوارديولا.
ومع عودته إلى ملعب الاتحاد، سيكون ماريسكا أمام أصعب اختبار في مسيرته، ليس فقط لأنه سيخلف أحد أعظم المدربين في تاريخ اللعبة، بل لأنه مطالب بالحفاظ على أعلى معايير النجاح في نادٍ اعتاد المنافسة على كل البطولات.
وسيحكم التاريخ على تجربته ليس من خلال عدد المباريات التي سيفوز بها، بل من خلال قدرته على إثبات أن مانشستر سيتي يستطيع مواصلة كتابة التاريخ حتى بعد نهاية عصر بيب جوارديولا.
هل استمتعت بهذه القصة؟
أضف Kooora كمصدر مفضل على جوجل للاطلاع على المزيد من تقاريرنا
قد يعجبك أيضاً



