إعلان
إعلان
main-background

لغز المشاريع الناقصة: فليك.. بيكاسو بفرشاة مكسورة!

أحمد صلاح الدين
15 أبريل 202607:44
فليك.. بيكاسو بفرشاة مكسورة 2صورة بالذكاء الاصطناعي

لم يكن خروج برشلونة من دوري أبطال أوروبا للمرة الثانية على التوالي تحت قيادة هانز فليك خبرًا عاديًا، بالنظر إلى طبيعة الأداء الذي قدمه الفريق الكتالوني، سواء أمس أمام أتلتيكو مدريد في إياب ربع النهائي، أو في الموسم الماضي ضد إنتر ميلان، أو إذا وضعنا ذلك في سياق مشروع تبدو ملامحه واعدة إلى حد كبير.

فالمشهد هنا لا يتعلق بسقوط مفاجئ بقدر ما يكشف عن نمط واضح يتكرر في مسيرة فليك: مدرب يملك قدرة استثنائية على بناء فريق قوي في وقت قصير، واستخراج أقصى ما لدى لاعبيه، وتحويل مجموعة غير مكتملة إلى مشروع حقيقي للمنافسة وحصد الألقاب.

لكن الأزمة تبدأ دائما عندما يصل هذا المشروع إلى المرحلة التي يحتاج فيها إلى بلوغ الكمال، وحينها تخونه الأدوات ولا يجد المدرب الألماني الدعم الكافي ليستمر بالزخم نفسه، وعندها يظهر التصدع، ليس لخلل تكتيكي جوهري، بل لأن المعجزة لا يمكن أن تستمر إلى الأبد بأدوات ناقصة.

إعلان
  • نموذج بايرن ميونخ: ملامسة الكمال!

    حين تولى فليك تدريب بايرن ميونخ في نوفمبر 2019، بصورة مؤقتة وعاجلة بعد إقالة نيكو كوفاتش، لم يكن كثيرون يتوقعون أن تتحول تلك المرحلة إلى واحدة من أكثر الفترات إشراقًا في تاريخ النادي الحديث. ففي أقل من عام، قاد الفريق إلى السداسية التاريخية، وكان الانتصار الكاسح 8-2 على برشلونة في لشبونة، في أغسطس 2020، التعبير الأوضح عن فريق بلغ ذروة الكمال الفني والذهني.

    لكن هذه الذروة لم تكن قابلة للاستمرار من دون صيانة دقيقة: فليك طلب تدعيمات رآها ضرورية للحفاظ على النسق نفسه وإطالة عمر المنظومة الناجحة، غير أن مسار التعاقدات لم يسر دائمًا وفق رؤيته.

    ومع مرور الوقت، بدأت الفجوة تتسع بين ما يحتاجه المشروع فنيًا وما كانت الإدارة مستعدة لتوفيره فعليًا، لا سيما مع رحيل أسماء مؤثرة مثل تياجو ألكانتارا ودافيد ألابا، من دون تعويض مماثل على مستوى التأثير.

    اقرأ أيضا: ميسي في مفترق طرق قبل المونديال.. هل يعلن القرار الصعب؟

  • إعلان
    إعلان
  • لحظة النهاية.. عندما يكون النجاح عبئا!

    لم يكن انفصال فليك عن بايرن مجرد قرار مهني بارد، بل كان، بحسب ما كشفه لاحقًا، قرارًا مؤلمًا على المستوى الشخصي أيضًا. في كتابه "في الوقت الحالي.. عن النجاح وجمال اللعبة وما يهم حقًا في الحياة"، أقرّ فليك بأن الرحيل عن النادي آلمه بشدة، موضحًا: "لم أدع هذا يبدو ملحوظًا عليّ، لكن الرحيل عن بايرن آلمني للغاية".

    ثم مضى أبعد من ذلك في وصف عمق ارتباطه بالنادي البافاري حين قال: "إنه سر مكشوف، فناديّ كان دائمًا بايرن ميونخ"، مستعيدًا عامين استثنائيين مع اللاعبين والجهاز الفني، ومعتبرًا أن ما تحقق في تلك الفترة كان "عملًا مرجعيًا تمامًا قياسًا إلى الكرة الأوروبية".

  • تراكمات خلف الكواليس

    غير أن النجاح لم يكن كافيًا وحده لإخفاء ما تراكم خلف الكواليس. فبعد كثير من التفكير والمحادثات، خلص فليك إلى أنه لن يكون منسجمًا مع نفسه إن واصل العمل في الظروف نفسها، وقال بوضوح: "توصلت بعد تفكير طويل والعديد من المحادثات إلى أنني سأخالف مبادئي إذا واصلت العمل"، مضيفًا أن "الشروط الخاصة باستمرار التعاون لم تعد متوافرة ببساطة".

    هذه الصيغة بدت انعكاسًا مباشرًا للتوتر الذي تصاعد في نهاية فترته مع المدير الرياضي حسن صالح حميديتش، وهي توترات لم تكن خافية، خصوصًا بعد اعتراف حميديتش نفسه لاحقًا بوجود خلاف في طريقة إدارة الفريق والتعامل مع احتياجاته.

    هكذا، لم يكن مشروع بايرن قد سقط لأنه افتقد الفكرة أو الجرأة أو الجودة، بل لأنه بلغ مرحلة احتاج فيها إلى استكمال أدواته، فوجد نفسه محاصرًا بقيود الإدارة والسوق والظروف الاقتصادية. السداسية التي صنعها فليك في أقل من عام كانت نتاجًا نقيًا لمدرب صهر جيلًا من النجوم في منظومة هجومية شرسة، لكن هذه الصيغة كانت بحاجة إلى دعم يحميها من التآكل. وحين لم يحدث ذلك، انكسر المشروع.

  • إعلان
    إعلان
  • هل استمتعت بهذه القصة؟

    أضف Kooora كمصدر مفضل على جوجل للاطلاع على المزيد من تقاريرنا

    تابع Kooora على جوجل
  • برشلونة: الدراما مستمرة

    حين وصل فليك إلى برشلونة في صيف 2024، بدا كأنه يواجه نسخة جديدة من المشكلة نفسها، لكن بملامح أكثر تعقيدًا. ففي بايرن، كان الهيكل موجودًا ثم بدأ يتآكل. أما في برشلونة، فالمعضلة أن الهيكل نفسه لم يكتمل من الأصل. نعم، كان هناك قدر هائل من الموهبة، وطاقة شبابية لافتة يمثلها لامين يامال وبيدري وكوبارسي وكاسادو، لكن الفريق ظل يفتقر إلى العمق وإلى التوازن الذي يسمح له بتحويل التألق إلى مشروع أوروبي مستدام.

    ورغم ذلك، نجح فليك في موسمه الأول في تحقيق ثلاثية محلية تمثلت في الليجا وكأس الملك والسوبر الإسباني، وهو إنجاز كبير لا يمكن التقليل من قيمته.

  • الإخفاق الأوروبي.. عودة الأسئلة القديمة

    إلا أن الإخفاق الأوروبي أعاد طرح الأسئلة القديمة نفسها. الخروج من نصف النهائي أمام إنتر في الموسم الماضي، ثم من ربع النهائي هذا الموسم أمام أتلتيكو، لم يكن مجرد تعثر عابر، بل كان انعكاسًا لمشكلة بنيوية لا يعالجها الحماس وحده. ففي اللحظات الكبرى، عندما يُختبر العمق الحقيقي للفريق، يظهر النقص بوضوح: غياب بدائل بالجودة المطلوبة في مراكز حاسمة، افتقار إلى مهاجم ثانٍ قادر على إحداث الفارق، وعدم وجود صانع ألعاب احتياطي يمنح الأساسيين مساحة للتنفس والاستمرار بالكفاءة نفسها.

    لهذا، فإن ما يواجهه فليك في برشلونة لا يبدو مختلفًا كثيرًا، في جوهره، عما واجهه في ميونخ. مرة أخرى، هناك مدرب يرفع الفريق فوق مستوى إمكاناته الحقيقية، ويمنحه هوية واضحة وقدرة تنافسية عالية، ثم يصطدم بسقف لا يصنعه التكتيك بل تصنعه حدود الإدارة والعجز المالي وتوازنات التخطيط.

    الاختلاف الوحيد أن بايرن أخفى نقصه خلف ذريعة كوفيد، بينما يخفي برشلونة نقصه خلف ذريعة الأزمة المالية. الذريعة تتغير، لكن النتيجة تبقى واحدة.

  • إعلان
    إعلان
  • أكثر من أزمة نتائج.. بيكاسو بفرشاة مكسورة

    قد يمثل الموسم المقبل 2026-27 الاختبار الأخير لتجربة فليك، مع الوضع في الاعتبار أنه ليس من محبي العقودة طويلة الأمد، لكنه يحتاج إلى تدعيمات نوعية، خصوصًا في مركز قلب الدفاع والهجوم، من أجل منافسة كبار القارة.

    ورغم بروز مواهب شابة مثل لامين يامال وتأثيرها في الأدوار المتقدمة، إلا أن الشعور بالإحباط من الفرص الضائعة يظل حاضرًا. 

    في المقابل، تبدو استمرارية فليك مرجحة بعقد يمتد حتى 2028، لكن نجاح مشروعه سيظل مرهونًا بقدرته على ترجمة التفوق المحلي إلى إنجاز أوروبي يعيد برشلونة إلى القمة.

    في النهاية، ما يواجهه فليك، لا يعد سوء حظ، ولا فشلًا في إدارة المباريات الكبرى، ففي كل مرة يثبت الرجل أنه قادر على تقديم أداء يتجاوز الإمكانات المتاحة، لكنه يكتشف في اللحظة الحاسمة أن الاستمرار في القمة يحتاج إلى أدوات لم تُوفَّر له بالقدر الكافي، ما يبقيه دائما أمام لوحة غير مكتملة كما لو كان بيكاسو بفرشاة مسكورة.. فهل يغير مصيره هذه المرة؟

    اقرأ أيضا: تجنيس رحيمي حديث الساعة في الإمارات

إعلان