
chatgptلم يعد ارتباط جماهير كرة القدم بالأندية قائمًا بالدرجة نفسها التي كان عليها في السابق، بعدما بدأت ظاهرة جديدة في فرض نفسها بقوة، تتمثل في ارتباط المشجعين باللاعبين والنجوم أكثر من ارتباطهم بشعارات الأندية التي يرتدون قمصانها.
ولعل انتقال النجم الأرجنتيني ليونيل ميسي إلى إنتر ميامي يمثل النموذج الأوضح لهذه الظاهرة، بعدما حققت الصفقة نجاحًا تسويقيًا هائلاً؛ إذ شهدت حسابات النادي على منصات التواصل الاجتماعي نموًا كبيرًا، ونفدت كميات القمصان، كما ارتفعت أسعار تذاكر المباريات بصورة لافتة.
لكن اللافت أن كثيرًا من الجماهير الجديدة لم تنجذب إلى إنتر ميامي بسبب النادي نفسه، أو ارتباطها بمدينة ميامي، وإنما بسبب وجود ميسي ضمن صفوف الفريق.
ميسي ورونالدو.. النجومية تتجاوز الأندية
يؤكد جيمس كيركهام، خبير استراتيجيات العلامات التجارية الرياضية، أن قمصان إنتر ميامي الوردية باتت ظاهرة مألوفة في شوارع المدن والبلدات البريطانية والأوروبية، رغم أن كثيرًا ممن يرتدونها لا تربطهم أي علاقة بمدينة ميامي ولم يسبق لهم زيارتها.
ويرى كيركهام أن اللاعب هو العامل الأساسي وراء هذا الانتشار، مشيرًا إلى أن المشجعين يرغبون في إظهار ارتباطهم بالنجوم الذين يمثلون بالنسبة إليهم رموزًا رياضية وثقافية وذلك حسبما أفادت "بي بي سي سبورت".
وتبرز هنا المقارنة المستمرة بين ميسي وكريستيانو رونالدو، وكذلك بين برشلونة وريال مدريد، والدوري الأمريكي والدوري السعودي، في ظل تحول النجم نفسه إلى علامة تجارية تتجاوز حدود النادي والدوري والبلد.
ولا تقتصر ظاهرة متابعة اللاعبين على ميسي ورونالدو، إذ بدأت منذ سنوات مع نجوم آخرين، مثل زلاتان إبراهيموفيتش، قبل أن تتسع مع التطور الكبير لألعاب الفيديو ومنصات التواصل الاجتماعي.
- إعلانإعلان
ألعاب الفيديو تغيّر مفهوم الانتماء
يرى كيركهام أن تأثير ألعاب الفيديو، خصوصًا بين المشجعين الشباب، أسهم بصورة كبيرة في تغيير طريقة ارتباط الجماهير بكرة القدم.
فالمشجعون الأصغر سنًا أصبحوا أقل ارتباطًا بمفهوم الانتماء التقليدي للنادي، في الوقت الذي يمتلكون فيه معرفة واسعة باللاعبين والفرق من مختلف الدوريات، بفضل ألعاب مثل "EA Sports FC" و"Football Manager"، إلى جانب يوتيوب وبطاقات اللاعبين القابلة للتبادل وغيرها من المصادر.
وبالتالي، قد يتابع المشجع فريقًا في دولة أو دوري مختلف فقط لأن لاعبًا يحبه يرتدي قميصه، وليس بسبب شعار النادي أو تاريخه.
ويشير كيركهام إلى أن المشجعين يلعبون بهؤلاء النجوم في ألعاب الفيديو، ويختارونهم لفرقهم الافتراضية، ثم يشترون قمصان الأندية التي يرتدونها في الواقع، وهو ما جعل الحدود بين العالم الافتراضي والواقع أكثر ضبابية.
صعود ظاهرة "النادي الثاني"
لطالما ارتبط تشجيع كرة القدم بالعائلة والموقع الجغرافي، إذ يولد كثير من المشجعين وهم يحملون ولاءً لنادٍ معين، ويستمر هذا الانتماء معهم طوال حياتهم.
لكن دراسة بعنوان "صعود مشجع النادي الثاني" تشير إلى تغير واضح في هذه المعادلة، بعدما أصبح 80% من مشجعي كرة القدم حول العالم يتابعون فريقًا ثانيًا إلى جانب ناديهم الأساسي.
ولا يعني ذلك تخلي المشجع عن ناديه الأصلي، وإنما يعني اختياره فريقًا آخر، أو أكثر من فريق أحيانًا، لمتابعته والتفاعل معه.
وتزداد هذه الظاهرة في البلدان والمناطق التي لا تمتلك دوريات محلية قوية، حيث يصبح الموقع الجغرافي أقل تأثيرًا في تحديد هوية النادي الذي يشجعه الفرد.
- إعلانإعلان
اللاعبون يتقدمون إلى "مقعد القيادة"
قد يختار المشجع ناديه الثاني بسبب قصته أو ثقافته أو قيمه، أو حتى بسبب إعجابه بتصميم قميصه، لكن العامل الأكثر تأثيرًا يظل اللاعبون.
وتشير الدراسة إلى أن انتقال اللاعب من نادٍ إلى آخر يمكن أن يدفع جزءًا من جماهيره إلى الانتقال معه، وهو ما يعكس تحولًا واضحًا في مفهوم الولاء الرياضي.
وبالنسبة إلى هذه الفئة من المشجعين، لم يعد النادي هو مركز الاهتمام الوحيد، بل أصبح اللاعب نفسه محور العلاقة؛ فهم يتابعون الأفراد أكثر من المؤسسات.
من جريزمان إلى هالاند.. اللاعب يصنع روايته بنفسه
تغيرت قواعد اللعبة سريعًا خلال السنوات الأخيرة، وأصبح اللاعبون أكثر قدرة على التحكم في صورتهم العامة والسردية الخاصة بهم.
وكان أنطوان جريزمان من أوائل النجوم الذين حاولوا استثمار هذه الفكرة بشكل واضح، عندما أعلن في عام 2018 عن "القرار" بشأن مستقبله من خلال فيلم وثائقي، قبل أن يفاجئ الجميع بإعلانه البقاء مع أتلتيكو مدريد.
ورغم الانتقادات التي تعرض لها جريزمان آنذاك، فإن فكرته أصبحت أكثر شيوعًا في السنوات التالية، مع تحول اللاعبين إلى منصات إعلامية مستقلة تنشر محتواها مباشرة إلى الجماهير.
ويقدم إيرلينج هالاند وكريستيانو رونالدو وجود بيلينجهام، إلى جانب إيلا تون، نماذج واضحة للاعبين الذين يمتلكون قنواتهم الخاصة ويتواصلون مع جماهيرهم بعيدًا عن المنصات الرسمية للأندية.
وبات اللاعب قادرًا على تقديم نفسه بالطريقة التي يريدها، وبناء قاعدة جماهيرية خاصة، والتفاعل مباشرة مع المشجعين، وهو ما منحه نفوذًا أكبر في صناعة صورته العامة.
- إعلانإعلان
النجومية لم تعد مرتبطة بأداء الملعب فقط
أصبحت القيمة الجماهيرية للاعب تتجاوز ما يقدمه داخل الملعب، بعدما باتت شخصيته ومواقفه والقضايا التي يتبناها جزءًا أساسيًا من صورته.
ويشير كيركهام إلى أن اللاعبين اكتسبوا رمزية ثقافية أكبر بكثير مما كانوا عليه في السابق، وأصبحوا يدركون أهمية ترك أثر لدى الجماهير يتجاوز نتائج المباريات والألقاب.
ويبرز ماركوس راشفورد مثالًا على ذلك، بعدما لعب دورًا مؤثرًا في قضايا اجتماعية خلال جائحة كورونا، وهو ما منحه علاقة مختلفة مع قطاع واسع من الجماهير.
وبالنسبة إلى المشجعين الشباب، فإن معرفة مواقف اللاعبين وقضاياهم ومبادئهم تساعدهم على بناء علاقة أعمق معهم، خصوصًا عندما يجدون ما يتوافق مع هويتهم واهتماماتهم.
كأس العالم.. منصة ذهبية لصناعة النجوم
تمنح البطولات الكبرى اللاعبين فرصة استثنائية لتعزيز علاماتهم التجارية الشخصية، ولا توجد منصة أكبر من كأس العالم لتحقيق هذا الهدف.
وخلال البطولة التي أقيمت هذا الصيف، برز عدد من اللاعبين الذين شهدت حساباتهم على منصات التواصل الاجتماعي نموًا كبيرًا، سواء من النجوم المعروفين أو اللاعبين الذين صنعوا المفاجأة.
وكان حارس مرمى الرأس الأخضر "فوزينيا" من أبرز الأمثلة، بعدما تحول إلى بطل جماهيري عقب أدائه أمام إسبانيا، وقفز عدد متابعيه على إنستجرام من نحو 50 ألفًا إلى قرابة 30 مليون متابع.
كما استفاد لامين يامال وجود بيلينجهام من البطولة في تعزيز شعبيتهما، بينما حقق كريستيانو رونالدو، صاحب أكبر قاعدة جماهيرية بين الرياضيين على إنستجرام، نموًا إضافيًا في أعداد متابعيه.
لكن إيرلينج هالاند كان من أبرز المستفيدين، بعدما شهدت حساباته على منصات التواصل الاجتماعي ارتفاعًا هائلاً في عدد المتابعين.
- إعلانإعلان
هالاند.. نموذج للاعب الذي يتجاوز ناديه
تعود شعبية هالاند إلى مجموعة من العوامل، من بينها شخصيته القريبة من الجماهير، وظهوره بصورة عفوية، إلى جانب حضوره النشط على منصات التواصل الاجتماعي.
كما ساهمت مشاركاته في مقاطع الفيديو واسعة الانتشار، وانتشار الصور الساخرة عنه، وعلاقاته مع زملائه السابقين، إضافة إلى مظهره المميز، في تعزيز حضوره الجماهيري.
وبحسب ماثيو كايل، رئيس قسم الرؤى ومعد التقرير الصادر عن شركتي "Engage" و"MTM"، حصل هالاند على أكثر من 51 مليون متابع جديد عبر حساباته الاجتماعية منذ الأول من يوليو، مقابل 11 مليونًا فقط خلال الأشهر الستة الأولى من العام.
ويشير كايل إلى أن أداء اللاعب في البطولة كان أحد عوامل نجاحه، لكن شخصيته وطريقة تفاعله مع الجماهير وانتشار المحتوى المرتبط به كانت عوامل لا تقل أهمية.
ولعل المؤشر الأوضح على قوة العلامة الشخصية لهالاند أن عدد متابعيه على إنستجرام يتجاوز عدد متابعي ناديه مانشستر سيتي بنحو 20 مليون متابع، إلى جانب امتلاكه قناته الخاصة على يوتيوب.
الأندية أمام تحدٍ جديد
هذا التحول يضع الأندية أمام معادلة صعبة؛ فهي تستفيد بشكل كبير من شعبية اللاعبين، خصوصًا من خلال مبيعات القمصان وزيادة التفاعل الجماهيري، لكنها في الوقت نفسه لا تملك السيطرة الكاملة على نجومها.
فاللاعب يستطيع الظهور في برنامج تلفزيوني للحديث عن الموسيقى التي يحبها، أو إطلاق بودكاست، أو صناعة محتوى خاص به، دون أن يكون النادي جزءًا مباشرًا من هذه الأنشطة.
ويرى كيركهام أن الأندية تدرك هذا الواقع، لكنها لا تستطيع فعل الكثير سوى بناء منظومات إعلامية ومحتوى خاصة بها.
وفي المقابل، يمثل هذا التطور فرصة للجماهير، التي باتت تمتلك خيارات أكبر لمتابعة اللاعبين والحصول على محتوى مستمر عن حياتهم ومسيراتهم داخل الملعب وخارجه.
- إعلانإعلان
ماذا يحدث عندما يرحل النجم؟
يبقى التحدي الأكبر أمام الأندية هو الحفاظ على الجماهير التي انجذبت إليها بسبب لاعب معين، بعد رحيل هذا اللاعب. وتبرز هنا فكرة "البطل القومي"، حيث يمكن لنجم من بلد معين أن يفتح أبوابًا جماهيرية جديدة أمام نادٍ أجنبي.
ويُعد سون هيونج مين مثالًا بارزًا على ذلك، بعدما ساهم وجوده مع توتنهام في تعزيز شعبية النادي بين الجماهير الكورية الجنوبية، حتى أصبح النادي اللندني الفريق الأجنبي الأكثر شعبية هناك، متفوقًا على مانشستر يونايتد.
ورغم رحيل سون عن توتنهام، لم يفقد النادي ملايين المتابعين الكوريين بشكل مفاجئ، وإن شهد فريقه الجديد زيادة في عدد المتابعين.
وينطبق الأمر ذاته على طرابزون سبور، الذي حقق مكاسب جماهيرية وتسويقية كبيرة بعد تعاقده مع النجم المصري محمد صلاح عقب مسيرته مع ليفربول.
المحتوى قد يصبح أقوى من الانتماء
يرى كايل أن الأندية مطالبة باستغلال وجود النجوم إلى أقصى درجة ممكنة، مع إدراك أن رحيل اللاعبين أمر حتمي في نهاية المطاف، سواء بالانتقال إلى نادٍ آخر أو الاعتزال.
ولهذا، فإن صناعة محتوى يتجاوز المباريات قد تكون مفتاحًا للحفاظ على الجماهير.
وتحظى المقاطع التي تكشف كواليس حياة اللاعبين داخل الأندية باهتمام كبير، حتى من أشخاص لا يشجعون تلك الأندية، لأن المحتوى الجيد قد يجذب المشاهد لمجرد أنه ممتع ومختلف.
ويقدم مسلسل "Welcome to Wrexham" مثالًا على قدرة الشخصيات المرتبطة بالنادي على جذب جماهير لا تتابع كرة القدم بالضرورة، بعدما ساهم رايان رينولدز وروب ماكلهيني في لفت أنظار قطاعات جديدة إلى نادي ريكسهام.
- إعلانإعلان
هل نحن أمام عصر جديد في كرة القدم؟
كل هذه التحولات تشير إلى أن كرة القدم تدخل مرحلة يصبح فيها اللاعب أكثر من مجرد عنصر داخل فريق.
فالنجوم باتوا علامات تجارية مستقلة، يمتلكون جماهيرهم ومنصاتهم ومحتواهم الخاص، ويمكنهم نقل جزء من هذه الجماهير معهم أينما انتقلوا.
وفي المقابل، لم تعد الأندية قادرة على الاعتماد فقط على تاريخها وشعارها للحفاظ على الجمهور، بل أصبحت مطالبة ببناء قصص وشخصيات ومحتوى قادر على إبقاء المشجع متصلًا بها حتى بعد رحيل أبرز نجومها.
وقد نكون أمام عصر جديد لا يكتفي فيه المشجع بمتابعة النادي، وإنما يتابع اللاعب، والمدرب، والمالك، وكل الشخصيات التي تصنع قصة الفريق.
وكما يقول كايل، فإن كرة القدم تشبه المسلسلات الدرامية الطويلة؛ مواسم تتوالى، وقصص تتغير، وشخصيات تظهر وأخرى ترحل، لكن القصة لا تتوقف أبدًا.
هل استمتعت بهذه القصة؟
أضف Kooora كمصدر مفضل على جوجل للاطلاع على المزيد من تقاريرنا
قد يعجبك أيضاً



