

koooraعندما أطلق الحكم صافرة النهاية في بودابست، لم يكن لويس إنريكي يحتفل بلقبه الثالث في دوري أبطال أوروبا فحسب، بل كان يحتفل بانتصار جديد على سلسلة طويلة من المحطات القاسية التي مر بها خلال مسيرته، سواء داخل ملاعب كرة القدم أو خارجها.
فالرجل الذي قاد باريس سان جيرمان إلى الاحتفاظ بالكأس الأوروبية للموسم الثاني على التوالي لم يصل إلى هذه القمة عبر طريق ممهد، بل عبر رحلة متعرجة امتلأت بالانتقادات والإخفاقات والصدمات الشخصية والقرارات الصعبة التي جعلته واحدًا من أكثر الشخصيات المثيرة في عالم كرة القدم.
قريب من الإنجاز
وفي الوقت الذي كانت فيه الجماهير تحتفل بلقب جديد للنادي الفرنسي، كان إنريكي يقترب أكثر من إنجاز ظل لسنوات طويلة يبدو بعيد المنال، إذ لم يعد يفصله عن معادلة الثلاثية التاريخية المتتالية التي حققها زين الدين زيدان مع ريال مدريد سوى لقب أوروبي واحد فقط، وهو ما يمنح الموسم المقبل طابعًا استثنائيًا بالنسبة للمدرب الإسباني الذي اعتاد أن يحول الأزمات إلى دوافع والانكسارات إلى بدايات جديدة.
- إعلانإعلان
ترويض "الحمار"
في مفارقة يصعب تجاهلها، جاء النهائي أمام فريق يقوده في الخط الأمامي أحد أكثر نجوم الكرة الأوروبية غرابة من حيث القصص الشخصية.
كاي هافيرتز ليس مجرد لاعب سجل هدفًا في نهائي دوري أبطال أوروبا، بل تحول خلال السنوات الأخيرة إلى شخصية مختلفة في أعين الجماهير بسبب قصة حبه الشهيرة للحمير، التي رافقته منذ طفولته وتحولت مع مرور الوقت إلى جزء من صورته العامة، حتى أن بعض أصدقائه يطلقون عليه دون غضاضة لقب "الحمار".
المهاجم الألماني تحدث أكثر من مرة عن ارتباطه بهذه الحيوانات، مؤكدًا أنه يراها هادئة وودودة وتشبه شخصيته إلى حد بعيد، كما كشف في مناسبات مختلفة عن امتلاكه مجموعة من الحمير واهتمامه الدائم بها بعيدًا عن ضغوط كرة القدم وحياة الشهرة.
ووصلت درجة عشق "كاي" لهذه الحيوانات، إلى أن والديه أهدياه رعاية 3 حمير عندما بلغ 18 عامًا.
إنجاز استثنائي.. ولكن
لكن ما حدث في النهائي لم يكن مجرد فصل جديد من تلك الحكاية الطريفة، بل كان مناسبة شهدت أيضًا إنجازًا شخصيًا استثنائيًا للنجم الألماني.
فبهدفه في شباك باريس سان جيرمان، دخل هافيرتز قائمة نادرة للغاية من اللاعبين الذين نجحوا في التسجيل في نهائي دوري أبطال أوروبا بقميص ناديين مختلفين.
وكان اللاعب نفسه قد سجل قبل سنوات هدف تتويج تشيلسي باللقب الأوروبي على حساب مانشستر سيتي في نهائي عام 2021، قبل أن يعود بعد 5 أعوام ليهز الشباك مجددًا في أكبر مباراة أوروبية، ولكن هذه المرة بقميص آرسنال.
وبين الهدفين تغيرت أشياء كثيرة في مسيرة اللاعب، بداية من انتقاله بين الأندية ووصولًا إلى الجدل المستمر حول مستواه ومركزه داخل الملعب، إلا أن قدرته على الظهور في المواعيد الكبرى بقيت حاضرة بصورة لافتة.
ورغم ذلك، فإن إنجاز هافيرتز الشخصي لم يكن كافيًا لمنحه النهاية التي تمناها.
فبينما نجح الألماني في كتابة سطر جديد في سجله الفردي، كان لويس إنريكي يكتب الفصل الأهم في الحكاية.
- إعلانإعلان
جرح المغرب
ولعل ما يجعل ما يحققه إنريكي اليوم أكثر إثارة للإعجاب هو أن صورته قبل أعوام قليلة فقط كانت مختلفة تمامًا.
فبعد كأس العالم 2022، وجد المدرب الإسباني نفسه في قلب واحدة من أعنف موجات الانتقاد التي تعرض لها طوال مسيرته التدريبية.
دخل منتخب إسبانيا البطولة وسط طموحات كبيرة، خاصة بعد الأداء المميز الذي قدمه في بدايتها، لكن كل شيء انهار أمام منتخب المغرب في دور الـ16.
في تلك الليلة، اصطدمت الكرة الإسبانية الحديثة بفريق مغربي منظم ومتماسك عرف كيف يغلق المساحات ويجر المباراة إلى منطقة الراحة الخاصة به.
ومع مرور الدقائق بدا المنتخب الإسباني عاجزًا عن إيجاد الحلول، قبل أن تنتهي المواجهة بركلات الترجيح التي تحولت إلى كابوس كامل بعدما فشل لاعبو "لاروخا" في تسجيل أي ركلة.
الهزيمة لم تكن مجرد خروج من البطولة، بل تحولت إلى لحظة شك كبيرة في جودة إنريكي.
فوسائل الإعلام الإسبانية فتحت أبواب النقد على مصراعيها، واعتبر كثيرون أن المدرب أصبح أسيرًا لأفكاره التكتيكية، وأن المنتخب بحاجة إلى بداية جديدة بعيدًا عنه.
وبالفعل انتهت رحلته مع المنتخب بعد أيام قليلة، وبدت الصورة آنذاك وكأنها نهاية فصل مهم في مسيرته، لكن ما لم يدركه كثيرون في ذلك الوقت هو أن إنريكي كان يستعد لكتابة فصل جديد أكثر نجاحًا مما سبق.
المعركة التي لا تقارن بأي هزيمة كروية
ومع ذلك، فإن كل ما حدث في قطر يبقى صغيرًا مقارنة بالمأساة التي عاشها الرجل قبلها بسنوات قليلة.
في عام 2019 وجد لويس إنريكي نفسه أمام معركة لا علاقة لها بالتكتيك أو كرة القدم أو الألقاب، فقد أصيبت ابنته الصغيرة بسرطان العظام، ليتحول اهتمامه بالكامل من الملاعب إلى المستشفيات وغرف العلاج.
ابتعد المدرب الإسباني عن عمله وتفرغ لعائلته خلال تلك الفترة العصيبة، في مشهد أظهر جانبًا إنسانيًا عميقًا من شخصيته بعيدًا عن صورة المدرب الصارم التي يعرفها الجمهور.
لكن النهاية جاءت قاسية ومؤلمة، بعدما رحلت ابنته عن عمر 9 سنوات فقط.
كانت لحظة كفيلة بتحطيم أي إنسان، ولذلك لم يكن مستغربًا أن يتوقع كثيرون ابتعاد إنريكي لفترة طويلة عن الأضواء أو حتى فقدانه الرغبة في العودة إلى عالم كرة القدم.
غير أن ما حدث كان مختلفًا تمامًا.
فعلى مدار السنوات التالية، تحدث المدرب الإسباني عن ابنته بطريقة أثارت إعجاب كثيرين حول العالم، إذ رفض أن يختزل قصتها في الحزن فقط، وفضل الحديث عن الامتنان للسنوات التي قضاها معها وعن الذكريات التي تركتها في حياته.
ومن هنا بدأت تتشكل صورة جديدة لإنريكي، ليس فقط كمدرب ناجح، بل كشخص يمتلك قدرة استثنائية على النهوض بعد أقسى الضربات.
- إعلانإعلان
خائن الريال
وإذا كانت المأساة الشخصية والانتقادات الفنية قد شكلت جانبًا من رحلة إنريكي، فإن الجانب الآخر ارتبط دائمًا بعلاقته المعقدة مع ريال مدريد.
فالمدرب الإسباني بدأ مسيرته لاعبًا في صفوف النادي الملكي وكان أحد نجوم الفريق، قبل أن ينتقل لاحقًا إلى برشلونة في واحدة من أكثر الصفقات إثارة للجدل في كرة القدم الإسبانية.
وفي كتالونيا تحول إلى قائد داخل غرفة الملابس وأحد أبرز الوجوه، قبل أن يعود بعد سنوات كمدرب ويقود النادي إلى ثلاثية تاريخية رسخت مكانته في تاريخ برشلونة.
لكن في المقابل، لم تغفر له شريحة واسعة من جماهير ريال مدريد تلك الخطوة أبدًا، وظل لقب "الخائن" يطارده في كثير من المناسبات، باعتباره أحد اللاعبين الذين انتقلوا من العاصمة إلى الغريم الكتالوني ثم تحولوا إلى رموز في الجهة الأخرى من الصراع.
ورغم مرور ما يقرب من 3 عقود على انتقاله، فإن تلك القصة لا تزال حاضرة كلما ذُكر اسمه، وكأنها جزء لا يتجزأ من هويته الكروية.
خطوة واحدة فقط
اليوم، وبعد لقبين متتاليين في دوري أبطال أوروبا مع باريس سان جيرمان، يقف لويس إنريكي أمام فرصة قد تضعه في المكانة نفسها التي يحتلها زين الدين زيدان في تاريخ البطولة.
فالثلاثية المتتالية التي حققها المدرب الفرنسي مع ريال مدريد ظلت لسنوات تبدو وكأنها إنجاز يصعب تكراره في كرة القدم الحديثة، لكن المدرب الإسباني بات على بعد موسم واحد فقط من معادلتها.
وربما تكون المفارقة الأجمل أن طريق إنريكي نحو هذا الهدف لم يكن عاديًا على الإطلاق.
فهو الطريق نفسه الذي مر عبر جراح شخصية لا تندمل، وعبر هزيمة مؤلمة أمام المغرب، وعبر سنوات طويلة من الجدل مع جماهير ريال مدريد.
ومع ذلك، انتهت كل تلك القصص بالطريقة ذاتها: لويس إنريكي ما زال واقفًا.
بل إنه يقف اليوم أقرب من أي وقت مضى إلى الخلود الكروي، وعلى بعد خطوة واحدة فقط من معادلة الإنجاز الذي جعل زيدان أسطورة تدريبية خالدة في دوري أبطال أوروبا.
- إعلانإعلان
اقرأ أيضا:
هل استمتعت بهذه القصة؟
أضف Kooora كمصدر مفضل على جوجل للاطلاع على المزيد من تقاريرنا
قد يعجبك أيضاً




%20(3).png?quality=60&auto=webp&format=pjpg)
%20(5).png?quality=60&auto=webp&format=pjpg)
%20(4).png?quality=60&auto=webp&format=pjpg)
%20(4).png?quality=60&auto=webp&format=pjpg)
%20(1).png?quality=60&auto=webp&format=pjpg)