

Getty Imagesمنذ ظهورها الأول على المسرح العالمي مطلع الألفية الجديدة، لم تعد السنغال مجرد منتخب أفريقي يشارك في كأس العالم من أجل اكتساب الخبرة أو تسجيل الحضور الشرفي، بل تحولت إلى قوة كروية تحظى بالاحترام وتفرض نفسها منافسًا قادرًا على صناعة المفاجآت في أكبر المحافل الدولية.
وبعد أكثر من عقدين على تلك المغامرة التاريخية التي أبهرت العالم في كوريا الجنوبية واليابان عام 2002، يعود منتخب "أسود التيرانجا" إلى نهائيات كأس العالم 2026 وهو يحمل طموحات كبيرة وآمالًا متجددة في إعادة كتابة التاريخ.
وبات التأهل إلى كأس العالم عادة راسخة بالنسبة للمنتخب السنغالي، بعدما نجح في بلوغ النهائيات للمرة الثالثة على التوالي والرابعة في تاريخه، مؤكدًا مكانته بين نخبة المنتخبات الأفريقية والعالمية.
وفي النسخة الأولى من البطولة التي تشهد مشاركة 48 منتخبًا، يتطلع أبناء السنغال إلى استثمار الخبرات المتراكمة خلال السنوات الأخيرة من أجل الذهاب بعيدًا وترك بصمة جديدة في سجل المونديال.
Getty Imagesأحد أبطال 2002 يقود الحلم الجديد
إذا كان هناك شخص يعرف جيدًا معنى تمثيل السنغال في كأس العالم، فهو المدرب بابي ثياو. فالرجل لم يكن مجرد لاعب دولي سابق، بل كان أحد أفراد الجيل الذهبي الذي صنع الإنجاز التاريخي في مونديال 2002.
شارك ثياو في تلك البطولة الخالدة وساهم في بلوغ منتخب بلاده الدور ربع النهائي، كما كان صاحب التمريرة الحاسمة التي جاء منها الهدف الثاني لهنري كامارا في مواجهة السويد ضمن دور الستة عشر.
وفي العام نفسه 2002، كان ضمن المنتخب الذي بلغ نهائي كأس الأمم الأفريقية، في محطة شكلت نقطة تحول كبيرة في تاريخ الكرة السنغالية.
بعد اعتزاله كرة القدم عام 2009، لم يبتعد ابن العاصمة داكار عن المستطيل الأخضر. فقد دخل عالم التدريب وتدرج في المناصب الفنية قبل أن ينضم إلى الجهاز الفني للمنتخب.
عمل بابي ثياو مساعدًا للمدرب أليو سيسيه لسنوات طويلة، واكتسب خبرات كبيرة داخل المنتخب الأول، كما قاد المنتخب المحلي في بطولة أمم أفريقيا للمحليين.
وعقب رحيل سيسيه، تولى ثياو مسؤولية قيادة المنتخب، في البداية بشكل مؤقت، قبل أن تمنحه السلطات الكروية السنغالية الثقة الكاملة بتثبيته رسميًا في منصبه خلال ديسمبر 2024.
ونجح المدرب الجديد في مواصلة البناء الذي بدأه سلفه، محافظًا على شخصية المنتخب القوية واستقراره الفني، إذ واصل سلسلة النتائج الإيجابية وقاد الفريق إلى التأهل لكأس العالم 2026 دون صعوبات كبيرة.
كما حقق بابي ثياو انتصارًا لافتًا على منتخب إنجلترا بنتيجة 3-1 في مباراة ودية خلال يونيو 2025، وهو فوز أكد أن السنغال لا تزال تملك القدرة على مقارعة كبار اللعبة.
- إعلانإعلان
Getty Imagesقوة هجومية وصلابة دفاعية
دخلت السنغال التصفيات الأفريقية بعين على الصدارة وأخرى على الحفاظ على هيبتها القارية، ونجحت في تحقيق الهدفين معًا.
أنهى منتخب "أسود التيرانجا" مشواره في المجموعة الثانية متربعًا على القمة بعد أداء ثابت ومقنع طوال مراحل التصفيات. وجاء الحسم النهائي في الجولة الأخيرة عندما اكتسح منتخب موريتانيا بأربعة أهداف دون رد، في مباراة تألق خلالها النجم المخضرم ساديو ماني وسجل هدفين.
لكن المباراة الأكثر أهمية ربما كانت الانتصار المثير خارج الديار على جمهورية الكونغو الديمقراطية بنتيجة 3-2، وهو الفوز الذي رجح كفة السنغال في سباق الصدارة ومنحها أفضلية حاسمة قبل الأمتار الأخيرة.
وما جعل مشوار التأهل أكثر إقناعًا أن المنتخب السنغالي أنهى التصفيات دون أي هزيمة، في مؤشر واضح على قوة المجموعة واستقرارها الفني. وسجل الفريق 22 هدفًا خلال التصفيات، بينما لم تستقبل شباكه سوى ثلاثة أهداف فقط، ليجمع بين الفاعلية الهجومية والصلابة الدفاعية.
وتصدر ساديو ماني قائمة هدافي الفريق بخمسة أهداف، فيما سجل بابي مطر سار أربعة أهداف، وأضاف إسماعيلا سار ثلاثة أهداف، ليؤكد الثلاثي دوره المحوري في نجاح المنتخب.
Getty Imagesمجموعة قوية تنتظر السنغال
أسفرت قرعة كأس العالم 2026 عن وقوع السنغال في مجموعة تبدو متوازنة لكنها تحمل العديد من التحديات، حيث ستواجه فرنسا والنرويج والعراق.
وسيكون الاختبار الأول أمام فرنسا يوم 16 يونيو على ملعب نيويورك نيوجيرسي ستيديوم، في مباراة تحمل أبعادًا تاريخية خاصة، إذ تعيد إلى الأذهان المواجهة الشهيرة بين المنتخبين في افتتاح مونديال 2002.
بعدها بستة أيام، يلتقي المنتخب السنغالي مع النرويج على الملعب نفسه في مباراة قد تكون حاسمة في سباق التأهل، قبل أن يختتم دور المجموعات بمواجهة العراق يوم 26 يونيو على ملعب تورونتو ستيديوم.
وتدرك السنغال أن تجاوز هذه المجموعة لن يكون مهمة سهلة، لكنها تملك من الخبرة والجودة ما يجعلها قادرة على المنافسة بقوة على إحدى بطاقات العبور إلى الأدوار الإقصائية.
- إعلانإعلان
Getty Imagesسجل مشرف في تاريخ كأس العالم
رغم أن عدد مشاركات السنغال في كأس العالم لا يزال محدودًا مقارنة ببعض القوى التقليدية، فإن المنتخب الأفريقي نجح في بناء سمعة عالمية خلال فترة زمنية قصيرة.
فقد شاركت السنغال للمرة الأولى في نهائيات كأس العالم عام 2002، قبل أن تعود إلى البطولة في نسختي 2018 و2022، لتصبح نسخة 2026 المشاركة الرابعة في تاريخها.
ويبقى أفضل إنجاز للمنتخب هو بلوغ الدور ربع النهائي في مشاركته الأولى، وهو إنجاز ظل لسنوات طويلة أفضل نتيجة يحققها منتخب أفريقي في كأس العالم، قبل أن يتمكن المغرب من الوصول إلى نصف النهائي في نسخة قطر 2022.
وخلال مشاركاته الثلاث السابقة، خاض المنتخب السنغالي 12 مباراة، حقق خلالها خمسة انتصارات وثلاثة تعادلات مقابل أربع هزائم، وسجل لاعبوه 16 هدفًا واستقبلت شباكهم 17 هدفًا.
كما أن تأهله إلى نسخة 2026 يمثل ثالث حضور متتالٍ له في البطولة، وهو ما يعكس حجم التطور الذي شهدته كرة القدم السنغالية خلال العقد الأخير.
Getty Imagesمونديال 2002.. عندما صدمت السنغال العالم
يبقى مونديال 2002 الحدث الأبرز في تاريخ الكرة السنغالية بلا منازع. دخل المنتخب البطولة دون ضجيج كبير، لكنه سرعان ما تحول إلى حديث العالم بأسره عندما افتتح مشواره بفوز تاريخي على فرنسا، حاملة لقب كأس العالم وبطلة أوروبا آنذاك.
جاء الهدف الوحيد عبر الراحل بابا بوبا ديوب، الذي استغل ارتباك الدفاع الفرنسي وسجل هدفًا دخل التاريخ، قبل أن يحتفل بطريقة أصبحت واحدة من أشهر اللقطات في تاريخ الكرة الأفريقية.
ولم يكن ذلك الانتصار مجرد نتيجة مفاجئة، بل كان إعلانًا عن ولادة قوة كروية جديدة. وواصلت السنغال عروضها المميزة، فتعادلت مع الدنمارك ثم خرجت بتعادل مثير أمام أوروغواي بعدما كانت متقدمة بثلاثية نظيفة.
وفي دور الستة عشر، تألق هنري كامارا وقاد منتخب بلاده للفوز على السويد بهدفين مقابل هدف بعد التمديد، قبل أن تتوقف المغامرة التاريخية في ربع النهائي أمام تركيا بهدف ذهبي قاتل سجله إلهان مانسيز.
ورغم الخروج، بقيت تلك المشاركة محفورة في ذاكرة عشاق كرة القدم باعتبارها واحدة من أعظم قصص النجاح التي شهدتها البطولة.
- إعلانإعلان
Getty Imagesقطر 2022.. تأكيد المكانة العالمية
بعد عشرين عامًا تقريبًا من الإنجاز التاريخي، عاد المنتخب السنغالي ليؤكد أنه لم يكن مجرد ظاهرة عابرة. دخل أسود التيرانجا بطولة قطر 2022 وهم أبطال أفريقيا للمرة الأولى في تاريخهم، ما رفع سقف التوقعات والطموحات.
ورغم الخسارة أمام هولندا في المباراة الافتتاحية بهدفين متأخرين، فإن الفريق أظهر شخصية قوية وعاد سريعًا إلى المنافسة بفوز مهم على قطر بثلاثة أهداف مقابل هدف.
وفي الجولة الثالثة، خاض مواجهة مصيرية أمام الإكوادور، حيث نجح إسماعيلا سار في افتتاح التسجيل من ركلة جزاء، قبل أن يعادل المنتخب الإكوادوري النتيجة. لكن القائد كاليدو كوليبالي منح بلاده هدف الفوز الثمين الذي قادها إلى دور الستة عشر.
وفي الدور التالي اصطدمت السنغال بمنتخب إنجلترا القوي، لتنتهي رحلتها بالخسارة بثلاثية نظيفة، لكنها خرجت مرفوعة الرأس بعدما أثبتت قدرتها على المنافسة في أعلى المستويات.
Getty Imagesذكرى لا تموت.. ليلة إسقاط فرنسا
إذا كان هناك حدث واحد يجسد هوية المنتخب السنغالي وروحه القتالية، فهو بلا شك الفوز التاريخي على فرنسا في افتتاح مونديال 2002.
في تلك الليلة التي أقيمت يوم 31 مايو في العاصمة الكورية سيول، واجه المنتخب السنغالي فريقًا يضم كوكبة من النجوم العالميين وكان مرشحًا فوق العادة للاحتفاظ باللقب.
لكن لاعبي السنغال امتلكوا دافعًا استثنائيًا. فقد كان معظم أفراد التشكيلة يلعبون في فرنسا ويعرفون منافسيهم جيدًا، كما أن المدرب برونو ميتسو كان فرنسي الجنسية.
وقبل المباراة، ألقى ميتسو خطابًا تحفيزيًا شهيرًا أكد فيه للاعبيه أن العالم كله سيتحدث عنهم إذا نجحوا في تحقيق الفوز.
وبالفعل، تحقق الحلم. انطلق الحاج ضيوف من الجهة اليمنى ومرر كرة عرضية استغلها بابا بوبا ديوب ليسجل الهدف التاريخي الذي أسقط بطل العالم.
تحولت السنغال في تلك الليلة إلى حديث وسائل الإعلام العالمية، وخرجت الجماهير إلى الشوارع للاحتفال بإنجاز اعتبره كثيرون نقطة تحول في تاريخ الرياضة السنغالية بأكملها.
- إعلانإعلان
Social gfx/ Goal Arabiaبابا بوبا ديوب.. الهداف الخالد
عندما يُذكر تاريخ السنغال في كأس العالم، يبقى اسم بابا بوبا ديوب حاضرًا بقوة. ويتصدر ديوب قائمة هدافي منتخب بلاده في المونديال برصيد ثلاثة أهداف، سجلها جميعًا خلال نسخة 2002. ولم تكن تلك الأهداف عادية، بل لعبت دورًا محوريًا في المسيرة التاريخية للمنتخب.
فإلى جانب هدفه الشهير أمام فرنسا، سجل هدفين مهمين في مرمى أوروجواي وأسهم بشكل مباشر في عبور السنغال إلى الأدوار الإقصائية.
وبدأ ديوب مسيرته الكروية في السنغال قبل أن ينتقل إلى أوروبا ويتألق مع عدد من الأندية، أبرزها لانس الفرنسي وفولهام وبورتسموث ووست هام وبرمنجهام في إنجلترا.
ورحل اللاعب عن عالمنا عام 2020 عن عمر 42 عامًا، لكنه ترك وراءه إرثًا خالدًا ومكانة خاصة في قلوب الجماهير السنغالية.
بينما يتقاسم ثلاثة لاعبين صدارة قائمة الأكثر مشاركة بقميص السنغال في كأس العالم، وهم كاليدو كوليبالي ويوسف سابالي وإسماعيلا سار، بعدما خاض كل منهم سبع مباريات في البطولة.
وشارك الثلاثي بصورة أساسية خلال نسختي 2018 و2022، وكانوا من أبرز عناصر المنتخب في السنوات الأخيرة.
ويتميز كوليبالي بإنجاز إضافي يتمثل في خوضه جميع دقائق المباريات السبع التي شارك فيها، كما لعب دور القائد داخل الملعب وخارجه، بينما ساهم إسماعيلا سار بأهداف حاسمة كان لها تأثير مباشر على مسيرة الفريق.
Getty Imagesحلم جديد ينتظر أسود التيرانجا
مع اقتراب انطلاق كأس العالم 2026، تبدو السنغال أمام فرصة جديدة لإضافة فصل آخر إلى قصتها الملهمة مع البطولة الأكبر في عالم كرة القدم.
فالمنتخب الذي بدأ رحلته العالمية بإسقاط فرنسا قبل أكثر من عقدين، يدخل النسخة الجديدة بقيادة مدرب يعرف معنى الإنجاز، وبمجموعة من اللاعبين الذين يجمعون بين الخبرة والطموح.
ورغم صعوبة المنافسة وارتفاع مستوى المنتخبات المشاركة، فإن تاريخ السنغال أثبت أن هذا المنتخب يجيد الظهور في المواعيد الكبرى، ويملك القدرة على تحدي التوقعات وصناعة اللحظات الاستثنائية.
وبين ذكريات 2002 المضيئة وطموحات 2026 المتجددة، يواصل أسود التيرانجا مطاردة حلمهم الكبير، على أمل أن تحمل الملاعب الأمريكية والكندية والمكسيكية قصة نجاح جديدة تضاف إلى واحدة من أكثر الحكايات إلهامًا في تاريخ كرة القدم الأفريقية.
- إعلانإعلان
هل استمتعت بهذه القصة؟
أضف Kooora كمصدر مفضل على جوجل للاطلاع على المزيد من تقاريرنا
قد يعجبك أيضاً




%20(3).png?quality=60&auto=webp&format=pjpg)
%20(5).png?quality=60&auto=webp&format=pjpg)
%20(4).png?quality=60&auto=webp&format=pjpg)
%20(4).png?quality=60&auto=webp&format=pjpg)
%20(1).png?quality=60&auto=webp&format=pjpg)