إعلان
إعلان
main-background

توخيل يهدم ويُعيد البناء.. كيف تخلّصت إنجلترا من إرث ساوثجيت؟

كريم مليم
22 يونيو 202616:19
Thomas Tuchel England GFXGetty Images

منذ سنوات طويلة، ظل منتخب إنجلترا يبحث عن المعادلة المثالية التي تجمع بين النتائج المقنعة والأداء الممتع. وبينما نجح جاريث ساوثجيت في إعادة المنتخب إلى واجهة المنافسة العالمية وقيادته إلى أدوار متقدمة في البطولات الكبرى، فإن وصول توماس توخيل إلى مقعد المدير الفني حمل معه أفكارًا مختلفة تمامًا حول كيفية تحقيق النجاح.

وجاءت المباراة الافتتاحية لإنجلترا في كأس العالم 2026 أمام كرواتيا، والتي انتهت بفوز مثير بنتيجة 4-2، لتمنح الجماهير لمحة واضحة عن ملامح هذا التحول. فقد بدت إنجلترا أكثر جرأة، وأكثر مباشرة، وأكثر استعدادًا للمخاطرة مقارنة بالفريق الذي اعتاد المشجعون مشاهدته خلال سنوات ساوثجيت.

ورغم أن الحكم النهائي على أي مشروع تدريبي يرتبط بما يحققه من ألقاب ونتائج، فإن المقارنة بين المدربين تكشف اختلافات جوهرية في فلسفة اللعب، وطريقة اختيار اللاعبين، وآليات التعامل مع المباريات الكبرى، وذلك حسبما أفادت "BBC".

إعلان
  • England HIC 2-1Getty Images

    اللاعب أولًا أم النظام أولًا؟

    ربما يكون أبرز اختلاف بين المدربين هو نقطة الانطلاق في بناء الفريق. خلال فترة ساوثجيت، كان التركيز غالبًا على الاستفادة من أفضل المواهب المتاحة داخل المنتخب. فحتى عندما كان ذلك يتطلب توظيف بعض اللاعبين في مراكز أو أدوار لا تمثل أفضل نسخة منهم، كان المدرب الإنجليزي يفضّل إيجاد مكان للنجوم داخل التشكيلة.

    في بطولة أمم أوروبا 2024 على سبيل المثال، شاهدنا فيل فودين يؤدي دور الجناح الأيسر، وكول بالمر في مراكز متقدمة بين الخطوط، وترينت ألكسندر-أرنولد في وسط الملعب، رغم أن هذه الأدوار لم تكن دائمًا الأكثر انسجامًا مع خصائصهم الطبيعية.

    أما توخيل فقد اتخذ الطريق المعاكس تمامًا. المدرب الألماني بدأ بتحديد النظام التكتيكي الذي يريده، ثم اختار اللاعبين القادرين على تنفيذ أدواره بدقة، بغض النظر عن أسمائهم أو مكانتهم الإعلامية. لذلك لم يتردد في استبعاد أسماء بارزة مثل فودين وبالمر وألكسندر-أرنولد من قائمة كأس العالم، مفضّلًا عناصر يرى أنها أكثر ملاءمة لمنظومته.

    ويُعد مورجان روجرز أحد أبرز الأمثلة على ذلك. فاختياره لم يكن قائمًا على الشهرة أو القيمة التسويقية، بل على قدرته على تنفيذ المتطلبات التكتيكية التي يطلبها توخيل من لاعب المركز رقم 10.

    هذا الفارق يكشف فلسفتين مختلفتين تمامًا؛ الأولى تعتمد على تكييف النظام لخدمة النجوم، والثانية تعتمد على اختيار اللاعبين لخدمة النظام.

  • إعلان
    إعلان
  • FBL-EURO-2024-MATCH51-ESP-ENGGetty Images

    الحرية الفردية في مواجهة الانضباط الجماعي

    خلال حقبة ساوثجيت، كان هناك هامش أكبر من الحرية الفردية داخل الملعب. المدرب الإنجليزي آمن بأن اللاعبين الكبار قادرون على إيجاد الحلول في اللحظات المعقدة من المباريات، لذلك منحهم مساحة واسعة لاتخاذ القرارات وفقًا لما تفرضه الظروف.

    هذا النهج أنتج لحظات لا تُنسى، مثل هدف جود بيلينجهام الرائع بضربة مقصية أمام سلوفاكيا في يورو 2024، أو بعض اللمحات الفردية التي صنعت الفارق في مباريات صعبة.

    في المقابل، تبدو نسخة توخيل أكثر اعتمادًا على العمل الجماعي المنظم. فالأفكار الهجومية لا تُترك للارتجال بقدر ما يتم إعدادها مسبقًا عبر تحركات وأنماط لعب متكررة يتدرب عليها اللاعبون باستمرار.

    صحيح أن هذا الأسلوب قد يقلل من الاعتماد على الإبداع الفردي، لكنه يمنح الفريق قدرًا أكبر من الانسجام والوضوح في تنفيذ المهام.

    وبينما قد يفتقد المنتخب الحالي لبعض المهارات الاستثنائية التي يمتلكها لاعبون مثل فودين أو بالمر، فإن توخيل يراهن على أن قوة المجموعة ستكون أكثر تأثيرًا من موهبة الأفراد.

  • FBL-WC-2026-MATCH22-ENG-CROGetty Images

    تسريع اللعب.. جوهر مشروع توخيل

    أحد المفاهيم الأساسية في مشروع توخيل يتمثل في زيادة سرعة اللعب داخل وسط الملعب. ففي السنوات الأخيرة، أصبحت الفرق أكثر تنظيمًا من الناحية الدفاعية، وأصبح من الصعب اختراق الكتل الدفاعية المتماسكة عبر التمريرات البطيئة والاستحواذ الطويل.

    لذلك يسعى الجهاز الفني لإنجلترا إلى تجاوز هذه المشكلة من خلال نقل الكرة بسرعة أكبر في المنطقة الواقعة بين الثلث الدفاعي والثلث الهجومي. وقد ظهر ذلك بوضوح خلال مواجهة كرواتيا.

    فعلى الرغم من أن الحارس جوردان بيكفورد لمس الكرة عشرات المرات خلال عملية البناء من الخلف، فإن الهدف لم يكن الاحتفاظ بالكرة فقط، بل جذب المنافس إلى مناطق متقدمة ثم استغلال المساحات التي يتركها خلفه.

    وبمجرد نجاح كرواتيا في التقدم للأمام، كانت إنجلترا تنتقل بسرعة كبيرة نحو المناطق الهجومية، مستفيدة من التحركات المباشرة للمهاجمين والجناحين. هذا التحول في الإيقاع يمثل أحد أبرز الفوارق مقارنة بأسلوب ساوثجيت.

  • إعلان
    إعلان
  • هل استمتعت بهذه القصة؟

    أضف Kooora كمصدر مفضل على جوجل للاطلاع على المزيد من تقاريرنا

    تابع Kooora على جوجل
  • England v Switzerland: Quarter-Final - UEFA EURO 2024Getty Images

    كيف كان ساوثجيت يبني الهجمات؟

    اعتمد ساوثجيت لفترات طويلة على أسلوب أكثر هدوءًا وصبرًا. كان المنتخب الإنجليزي يتقدم بالكرة تدريجيًا عبر سلسلة من التمريرات القصيرة، مع الحفاظ على التماسك بين الخطوط.

    والهدف كان الوصول إلى الثلث الأخير بأكبر قدر ممكن من السيطرة قبل محاولة اختراق الدفاعات المتكتلة. وقد نجح هذا النهج كثيرًا أمام المنتخبات التي فضّلت التراجع والدفاع العميق.

    لكن مع التطور المستمر في كرة القدم الحديثة، بدأت بعض المنتخبات في إيجاد حلول أكثر فاعلية لمواجهة هذا النوع من البناء البطيء. وأصبحت الكتل الدفاعية أكثر جرأة، كما زادت حالات الضغط العالي المنظم.

    في هذه الظروف، واجهت إنجلترا أحيانًا صعوبات في خلق الفرص، خصوصًا عندما لم يتمكن اللاعبون من إيجاد حلول فردية لكسر التنظيم الدفاعي للمنافس.

  • England v Croatia: Group L - FIFA World Cup 2026Getty Images

    الحلول الجاهزة بدلًا من الارتجال

    من أهم ملامح فلسفة توخيل أن المشكلات التكتيكية يجب أن تُحل مسبقًا. فبدلًا من انتظار لحظة الإبداع الفردي، يعمل المدرب الألماني على تجهيز مجموعة من السيناريوهات والحركات التي تساعد الفريق على تجاوز الضغوط المختلفة أثناء المباراة.

    أمام كرواتيا، ظهرت عدة تحركات مدروسة بعناية. ديكلان رايس كان يتحرك أحيانًا نحو الجهة اليسرى، بينما يتراجع هاري كين إلى العمق للمشاركة في البناء، في الوقت الذي يتقدم فيه جود بيلينجهام نحو الخط الدفاعي الأخير.

    هذه التحركات لم تكن عشوائية، بل جزءًا من منظومة متكاملة تهدف إلى تفكيك ضغط المنافس وخلق مساحات جديدة للهجوم. وبمجرد نجاح هذه الحركات، كانت التمريرات الطويلة أو العمودية السريعة تنقل الفريق مباشرة إلى مناطق الخطورة.

    أما في عهد ساوثجيت، فكان اللاعبون يتمتعون بحرية أكبر في إيجاد حلولهم الخاصة أثناء المباراة. وقد منح ذلك المنتخب مرونة وإبداعًا في بعض الأحيان، لكنه جعله أيضًا أكثر عرضة للتعثر أمام الفرق شديدة التنظيم.

  • إعلان
    إعلان
  • FBL-EURO-2024-MATCH51-ESP-ENGGetty Images

    الجرأة في مواجهة الواقعية

    يعكس أسلوب كل مدرب شخصيته إلى حد بعيد. ساوثجيت كان مدربًا عمليًا بطبعه. ركّز على تقليل الأخطاء والمخاطر، وسعى إلى الحفاظ على التوازن في جميع مراحل اللعب.

    ولهذا السبب لم تكن منتخباته من أكثر الفرق اندفاعًا هجوميًا، لكنها في المقابل كانت نادرًا ما تفقد السيطرة على المباريات.

    هذا النهج ساعد إنجلترا على تحقيق نتائج مميزة والوصول إلى نهائيين أوروبيين، لكنه تعرّض أيضًا لانتقادات بسبب الحذر الزائد، خاصة عندما كان الفريق يتقدم في النتيجة ثم يتراجع للحفاظ على تفوقه بدلًا من البحث عن أهداف إضافية.

    أما توخيل فيبدو أكثر استعدادًا للمغامرة. فهو يقبل فكرة أن يمنح المنافس بعض الفرص إذا كان ذلك سيؤدي إلى زيادة الخطورة الهجومية لفريقه. كما أن تبديلاته غالبًا ما تحافظ على النسق الهجومي نفسه بدلًا من اللجوء إلى خيارات دفاعية عند التقدم.

    وخلال مواجهة كرواتيا، ظهر هذا التوجه بوضوح. فقد بدا المنتخب الإنجليزي أكثر انفتاحًا دفاعيًا مقارنة بفرق ساوثجيت، لكنه في الوقت ذاته كان أكثر قدرة على صناعة الفرص والوصول إلى المرمى.

  • England FIFA World Cup 2026 Squad AnnouncementGetty Images

    هل يقود توخيل إنجلترا إلى المجد؟

    لا يزال الوقت مبكرًا لإصدار أحكام نهائية على مشروع توخيل، لكن المؤشرات الأولى تؤكد أن المنتخب الإنجليزي يعيش مرحلة تحول حقيقية.

    لقد انتقلت إنجلترا من فلسفة تعتمد على الصبر والواقعية والرهان على جودة الأفراد، إلى فلسفة تقوم على التنظيم الجماعي والحلول التكتيكية الجاهزة واللعب المباشر السريع.

    لكل مدرسة مزاياها وعيوبها، ولكل مدرب طريقته الخاصة في السعي نحو النجاح. ساوثجيت منح إنجلترا الاستقرار وأعادها إلى المنافسة على الألقاب، بينما يحاول توخيل الآن منحها هوية أكثر جرأة وطموحًا.

    ويبقى السؤال الأكبر الذي ستجيب عنه مباريات البطولة المقبلة: هل ستكون هذه الجرأة هي المفتاح الذي ينقل إنجلترا من مجرد منافس قوي إلى بطل للعالم؟

  • إعلان
    إعلان
إعلان