
Getty Imagesبات دييغو سيميوني المدير الفني لفريق أتلتيكو مدريد في موقف لا يحسد عليه، بعد الخسارة المؤلمة في نهائي كأس ملك إسبانيا أمام ريال سوسيداد مساء السبت.
خسر الروخيبلانكوس 4-3 بركلات الترجيح بعد مباراة درامية عالية الإثارة انتهت في زمنها الأصلي والأشواط الإضافية بالتعادل بهدفين لمثلهما.
أظهر لاعبو أتلتيكو مدريد روحاً قتالية كبيرة وعادوا من التأخر مرتين، لكن في النهاية نجح سوسيداد في تكرار سيناريو 1987 وخطف اللقب.
ويمكن القول بثقة إن سيميوني لم يخسر لقباً الليلة فحسب، بل دخل رسمياً أخطر مرحلة في مسيرته مع أتلتيكو مدريد.
سردية التعاطف.. أغلقت أبواب الأعذار
خسر المدرب الأرجنتيني آخر طبقة حماية كانت تبعد مشروعه عن الأسئلة الكبرى. وللمرة الأولى منذ وصوله إلى أتلتيكو في ديسمبر 2011، يبدو سيميوني وكأنه يواجه ما يواجهه المدربون العاديون كل موسم: أن يثبت من جديد أن مشروعه ما زال يستحق الاستمرار.
فعلى مدى 14 عاما، كان الإطار العام دائما في صالحه: أتلتيكو نادٍ يقاتل بطموح أكبر من موارده، يواجه قوتين تاريخيتين في إسبانيا (ريال مدريد وبرشلونة) ويحقق ما يفوق التوقعات. هذه السردية منحت سيميوني مكانة استثنائية، ومنحته أيضاً هامشاً واسعاً من التعاطف والحماية، لكن هذا الهامش لم يعد كما كان؛ الليلة أُغلقت آخر أبواب الأعذار.
- إعلانإعلان
لحظة مكررة.. حين تتساوى كل العوامل
لا يمكن القول إن كأس الملك لم تكن أولوية، فقد صرح سيريزو رئيس أتلتيكو أمس الجمعة أنه يروق له الخروج من الموسم بلقبين: الكأس ودوري الأبطال. خاض أتلتيكو البطولة بجدية حتى النهائي، وبل أكثر من ذلك ضحى تقريباً بالدوري وغامر بالشباب في آخر مبارياته وخسرها جميعاً وبدأ يتأخر في جدول الليغا.كما لا يمكن القول إن الفريق لم يكن جاهزاً، لأنه جاء بنشوة إقصاء برشلونة من دوري الأبطال، وعاد في مباراة الليلة مرتين، وكان التعادل الثاني 2-2 في الدقيقة 83.
لكن هذه المرة لا يمكن الاختباء خلف سوء الحظ، لأن الخسارة جاءت مرة أخرى في اللحظة ذاتها التي تعثر فيها الفريق مراراً: لحظة الحسم الأخيرة (النهائي).
هنا تحديدا تصبح المسألة أكبر من نتيجة. حين يخسر فريقك للمرة الثالثة في المحطة الأكثر حساسية — بعد نهائيي دوري الأبطال ضد الريال — يصبح السؤال مشروعا: هل المشكلة في التفاصيل؟ في الإعداد الذهني؟ في طريقة إدارة المباريات الكبرى حين تتساوى كل العوامل ولا يبقى سوى القرار والشخصية والثبات؟
جوهر المأزق.. إنفاق خيالي وراتب جنوني والمحصلة... !
من ناحية أخرى، لا يمكن الفصل بين خسائر المدرب الأرجنتيني عن السياق المالي والرياضي لمشروعه. فسيميوني هو أحد أعلى المدربين أجراً في العالم (نحو 30 مليون يورو سنوياً)، وقد أنفق النادي خلال عهده مبالغ ضخمة في سوق الانتقالات بلغت نحو مليار يورو وفقا لترانسفيرماركت. ومن هنا فإن التقييم يتغير تلقائيا، ولا يكفي القول إنه "منافس" أو "مزعج للكبار". ففي مرحلة ما، يصبح المطلوب هو التحول من المنافسة إلى حسم الألقاب.
لقد حقق الرجل ما يكفي ليصبح التقييم تجاهه أكثر صرامة لا أكثر تساهلا. فقد بنى حقبة كاملة، ورفع سقف طموحات النادي، وحقق ألقابا -قليلة- مهمة، وغيّر صورة أتلتيكو محليا وأوروبيا.
لكن المشروع الذي يطول عمره ويزداد إنفاقه ويرتفع سقفه، لا يُقاس في النهاية بما كان عليه عند البداية، بل بما يجب أن يكون عليه الآن.
وهنا تحديدا تكمن المشكلة. ما كان يبدو قبل سنوات إنجازا استثنائيا، قد يبدو اليوم أقل من المتوقع إذا قورن بحجم الموارد وطول المدة ومستوى الاستقرار الذي تمتع به سيميوني.
اقرأ أيضا: عكس مسار برشلونة.. الريال يرفض فتح جبهة جديدة في حربه ضد التحكيم
والعقدة التي لا يمكن تجاهلها - النهائيات الكبرى في مسيرة سيميوني - لم تعد مجرد محطات مؤلمة، بل أصبحت جزءا أساسيا من تقييم إرثه.
نهائي دوري الأبطال 2014 ترك جرحا مفتوحا، ليس فقط لأن اللقب ضاع، بل لأن أتلتيكو كان على بعد لحظات من لمس الكأس قبل أن ينهار في الوقت الإضافي.
ونهائي 2016 أعاد الألم بطريقة أكثر قسوة، حين خسر الفريق بركلات الترجيح بعد صراع طويل مع الخصم نفسه: ريال مدريد.
والليلة جاءت خسارة جديدة من النقطة ذاتها: عندما تصبح المسافات متساوية والضغوط في ذروتها، ويكون المطلوب هو الضربة الأخيرة، يفشل أتلتيكو.
- إعلانإعلان
اختبار شرعية.. أرشيف النهائيات الضائعة
راهن أتلتيكو على نهائي الكأس وترك الليغا، وجعل هدفه الأكبر دوري الأبطال. خسر الآن كل البطولات المحلية، وسيكون أمام مهمة ثقيلة لإزاحة أرسنال من نصف النهائي القاري.
سيكون آرسنال اختبار شرعية لسيميوني. في الظروف الطبيعية، كان يمكن لأتلتيكو أن يدخل نصف نهائي دوري الأبطال أمام الجانرز مدفوعا بطاقة لقب محلي، أو على الأقل محميا بإحساس أن الموسم ما زال يحمل إنجازا واضحا. لكن الخسارة من سوسيداد غيّرت كل شيء.
الآن يدخل الفريق المواجهة التالية وهو مثقل بخيبة طازجة، وبصورة جديدة تُضاف إلى أرشيف النهائيات الضائعة. وهذا يبدّل معنى التنافس تماما ويزيد الضغط والعبء النفسي على لاعبيه.لم تعد مواجهة أرسنال مجرد محطة أوروبية كبيرة، بل تحولت إلى استفتاء على شرعية المشروع نفسه. آرسنال فريق منظم، متطور، يعرف كيف يضغط ويصبر ويستثمر المساحات والأخطاء.
اقرأ أيضا: نقطة مفصلية.. هل يغير بنفيكا مصير كانسيلو؟
وهذه النوعية من الخصوم تحديدا تضع أتلتيكو أمام أصعب امتحان ممكن: فريق قادر على حرمانه من الارتياح النفسي، وقادر أيضا على معاقبته حين يتردد أو ينكمش أو يتعامل مع المباراة بخوف الخسارة أكثر من رغبة الفوز.
لهذا تبدو المواجهة القادمة أثقل من مجرد نصف نهائي. ليست فقط مباراة على بطاقة التأهل، بل مباراة على معنى السنوات الـ14 كلها. السيرة المكتملة قد تتحول إلى وثيقة اتهام، والمفارقة القاسية أن ما أنجزه سيميوني طوال مسيرته قد لا يحميه الآن، بل قد يضاعف الضغط عليه.
تبرير فقد صلابته
في مراحل سابقة، كان يمكن دائما تبرير الإخفاقات الكبرى بأن مشروع أتلتيكو ما يزال يقاتل فوق طاقته. لكن هذا التبرير لم يعد بالصلابة نفسها، ولم يسقط فجأة، بل تآكل ببطء مع كل موسم مرّ وكل صفقة أُبرمت وكل عقد تم تجديده.
حين تطول المدة ويكتمل البناء وتتراكم الموارد، تصبح السيرة الذاتية نفسها أرضية للمحاسبة لا درعا يحمي من النقد.
لذلك الحديث الآن لم يعد عن مدرب صنع المعجزة الأولى من لا شيء، بل عن مدرب يقود مشروعا بالغ النضج، حصل على الوقت الكامل والثقة الكاملة والموارد الكبيرة. وهنا تحديدا يكمن الفارق الجوهري بين سيميوني 2013 وسيميوني 2026: الأول كان يُثبت نفسه، والثاني بات مطالبا بالتتويج، والمسافة بين الإثبات والتتويج هي بالضبط ما أخفق في اجتيازه.
- إعلانإعلان
انهيار شبكة الأمان
للمرة الأولى منذ سنوات، لا يملك سيميوني شبكة الأمان التي أبقته بعيدا عن المحاسبة الحقيقية. اختفت سردية الفريق الصغير الذي يتحدى المستحيل. ولم يعد ثمة عذر جاهز يُخفف حدة الأسئلة إذا انتهى الموسم بلا تتويج.
لكن الأكثر إيلاما من غياب شبكة الأمان هو ما حل محلها: شبكة من الإخفاقات المتراكمة في اللحظات ذاتها. لشبونة 2014، ميلانو 2016، والليلة في إشبيلية، ثلاث محطات، ونقطة ضعف واحدة. هذا التكرار تحوّل من مصادفة مؤلمة إلى نمط يصعب تجاهله، ويصعب على سيميوني تفسيره بأي شيء سوى ما لا يُريد أحد أن يُسمّيه صراحةً: أن ثمة سقفا لا يستطيع اختراقه حين تتساوى المسافات وتتعادل الإمكانات ولا يبقى سوى الضربة الأخيرة.
كل شيء الآن يتلخص في آرسنال. إن فاز أتلتيكو وبلغ النهائي، تحوّلت الخسارة المحلية إلى مجرد جرح قابل للاحتواء في طريق المجد. أما إن خسر، فستُفتح أبواب المحاكمة على مصراعيها، ليس لأن ما فعله طوال 14 عاما بلا قيمة، بل لأن المشروع حين يبلغ هذا العمر وهذا الحجم وهذه الكلفة، لا يُقاس فقط بما أنجزه، بل بما عجز عن إنجازه في أكثر اللحظات احتياجا للحسم.
اقرأ أيضا: كسر رقمه: فيديو.. إيتو يهنئ هدف برشلونة بعد تضييق الخناق على مبابي
سؤال ينتظر إجابة
رفع سيميوني يده أمام الصحفيين بعد المباراة وقال إن اللاعبين أعطوا كل ما لديهم. بالطبع لم يكذب. لكن المشكلة لم تكن يوما في الجهد، أتلتيكو يُجاهد دائما، ويُحارب دائما، ويعود من الخلف كثيرا. المشكلة في السؤال الذي لا يجد إجابة قاطعة في كل ليلة كهذه: لماذا يكفي الجهد لكل شيء إلا للحظة الأخيرة؟ آرسنال لن يمنح أتلتيكو وقتا لاستيعاب الجواب. والتاريخ بكل ما يحمله من نهائيات ضائعة وركلات ترجيح وأوقات إضافية قاسية لن ينتظر هو الآخر.
والسؤال الذي سيظل معلقا فوق كل ما تبقى من هذا الموسم ليس: هل يستطيع أتلتيكو إقصاء آرسنال؟ بل: هل يستطيع سيميوني أن يكون مدربا مختلفا حين تحتاجه اللحظة الفارقة أن يكون كذلك؟
- إعلانإعلان
هل استمتعت بهذه القصة؟
أضف Kooora كمصدر مفضل على جوجل للاطلاع على المزيد من تقاريرنا
قد يعجبك أيضاً



