إعلان
إعلان
main-background

الحظ أم العبقرية؟ كيف أسقطت المنتخبات المغمورة هيبة العمالقة في كأس العالم 2026؟

كريم مليم
26 يونيو 202607:39
Spain v Cabo Verde: Group H - FIFA World Cup 2026Getty Images

لم تعد مفاجآت كأس العالم مجرد قصص رومانسية تتكرر كل أربع سنوات، بل أصبحت جزءًا أصيلًا من طبيعة البطولة الحديثة. ففي النسخة الحالية، التي تُقام للمرة الأولى بمشاركة 48 منتخبًا، أثبتت المنتخبات الأقل تصنيفًا أنها لم تعد تدخل المنافسات لمجرد المشاركة أو اكتساب الخبرة، وإنما أصبحت تمتلك القدرة على منافسة كبار العالم وحرمانهم من الانتصارات، بل وحتى تهديد أحلامهم مبكرًا.

النتائج التي حققتها منتخبات مثل كاب فيردي وكوراساو وغانا وجنوب أفريقيا لم تكن مجرد ضربات حظ، بعدما نجحت في انتزاع نقاط ثمينة أمام منتخبات عملاقة مثل إسبانيا وإنجلترا والإكوادور وكوريا الجنوبية. هذا المشهد أثار تساؤلات عديدة: هل أصبحت الفوارق الفنية بين المنتخبات أقل من السابق؟ وهل يعود الأمر إلى التطور التكتيكي الذي شهدته كرة القدم العالمية، أم أن الحظ لعب دورًا رئيسيًا؟

عند تحليل هذه المباريات بصورة دقيقة، يتضح أن ما حدث لم يكن صدفة، بل نتيجة خطط مدروسة وتنفيذ تكتيكي منضبط، نجحت من خلاله المنتخبات الأقل تصنيفًا في تقليص الفوارق الفردية مع منافسيها، وتحويل المباريات إلى صراع تكتيكي أكثر منه استعراضًا للمهارات الفردية.

إعلان
  • Spain v Cabo Verde: Group H - FIFA World Cup 2026Getty Images

    التنظيم الدفاعي.. السلاح الأول لإسقاط الكبار

    ربما كانت مواجهة كاب فيردي أمام إسبانيا المثال الأكثر وضوحًا على قوة التنظيم التكتيكي في كرة القدم الحديثة، وذلك حسبما أفادت "BBC".

    المنتخب الذي يمثل ثالث أصغر دولة تشارك في تاريخ كأس العالم لم يدخل المباراة بهدف الاستحواذ أو مجاراة الإسبان في تبادل التمريرات، بل اعتمد على خطة دفاعية متماسكة بخمسة مدافعين وأربعة لاعبي وسط، مع تقارب شديد بين الخطوط، ليغلق جميع المساحات التي يعتمد عليها المنتخب الإسباني في صناعة اللعب.

    السر الحقيقي لم يكن في عدد المدافعين فقط، وإنما في المسافات القصيرة للغاية بين خطي الدفاع والوسط، وهو ما جعل أي لاعب إسباني يستلم الكرة يجد نفسه محاصرًا بعدة لاعبين في الوقت نفسه.

    اعتادت المنتخبات التي تعتمد على الاستحواذ، مثل إسبانيا، على إعادة الكرة للخلف من أجل استدراج المنافس إلى الضغط، ثم استغلال المساحات التي تظهر خلف لاعبي الوسط. لكن منتخب كاب فيردي رفض الوقوع في هذا الفخ.

    فكلما أعاد الإسبان الكرة إلى الخلف، حافظ لاعبو كاب فيردي على أماكنهم، ولم يندفعوا نحو حامل الكرة، وهو ما حرم المنتخب الإسباني من المساحات التي يبحث عنها باستمرار.

    حتى عندما تقدم المدافعون الإسبان بالكرة إلى الأمام، بقيت الكتلة الدفاعية لكاب فيردي متماسكة، ولم تمنح منافسها أي ثغرة في العمق. وبسبب هذا الانضباط، اضطر الإسبان إلى الاعتماد على التمريرات العرضية أو الكرات الطويلة، بعدما عجزوا عن اختراق قلب الدفاع.

  • إعلان
    إعلان
  • England v Ghana: Group L - FIFA World Cup 2026Getty Images

    غانا تكرر الدرس أمام إنجلترا

    المشهد ذاته تكرر في مواجهة غانا أمام إنجلترا. فالمنتخب الإنجليزي، بقيادة توماس توخيل، يعتمد بصورة كبيرة على جذب المنافس إلى مناطقه، قبل استغلال المساحات خلف خطوط الضغط.

    إلا أن المنتخب الغاني رفض مجاراة هذه الخطة. تمركز جوردان أيو في الأمام لمراقبة لاعب الارتكاز الإنجليزي إليوت أندرسون، بينما اصطف بقية اللاعبين في خطين دفاعيين متقاربين خارج منطقة الجزاء.

    ولم يندفع لاعبو غانا للضغط، رغم محاولات الإنجليز المتكررة لاستفزازهم للخروج من مواقعهم. وبذلك حُرمت إنجلترا من أهم أسلحتها، وهي اللعب في المساحات بين الخطوط.

    ويمكن قياس هذا الأسلوب الدفاعي من خلال مؤشر إحصائي يعرف باسم "PPDA"، وهو مقياس يحدد عدد التمريرات التي يسمح بها الفريق لمنافسه قبل تنفيذ أي إجراء دفاعي. وكلما ارتفع هذا الرقم، دل ذلك على أن الفريق لا يمارس ضغطًا عاليًا، بل يفضل الانتظار في مناطقه.

    في مباراة كاب فيردي وإسبانيا بلغ مؤشر "PPDA" لكاب فيردي 51.2، مقابل 5.9 فقط لإسبانيا، وهو فارق هائل يعكس اختلاف الفلسفة بين المنتخبين.

    أما غانا، فقد سجلت خلال أول خمس عشرة دقيقة أمام إنجلترا معدلًا وصل إلى 62، في إشارة واضحة إلى تعمدها الابتعاد عن الضغط العالي.

    لكن المثير للاهتمام أن كلا المنتخبين رفع نسق الضغط تدريجيًا مع اقتراب نهاية المباراة، بعدما أدرك أن الإرهاق بدأ يتسلل إلى لاعبي المنافس، وأن فرصة خطف الفوز أصبحت ممكنة.

  • Spain v Saudi Arabia: Group H - FIFA World Cup 2026Getty Images

    ليست كل الخطط الدفاعية ناجحة

    في المقابل، كشفت بعض المباريات أن الاعتماد على التكتل الدفاعي وحده لا يكفي لتحقيق نتيجة إيجابية. فخسارة السعودية أمام إسبانيا أبرزت وجود أخطاء تنظيمية قاتلة داخل الخط الخلفي.

    ورغم اعتماد المنتخب السعودي على خمسة مدافعين، فإن الخط الدفاعي افتقد الانسجام، وكان اللاعبون ينجذبون بصورة مبالغ فيها نحو حامل الكرة.

    هذا السلوك تسبب في ترك مساحات واسعة في الجانب البعيد، وهي المساحات التي استغلها الإسبان ببراعة. كما أن رباعي الوسط كان يميل بالكامل نحو جهة الكرة، تاركًا الطرف الآخر دون تغطية كافية.

    استغل المنتخب الإسباني هذه الثغرة عبر تغيير اتجاه اللعب بسرعة من اليسار إلى اليمين، ليخلق مواقف تفوق عددي باستمرار. وفي إحدى هذه اللقطات، وجد لامين يامال وبيدرو بورو نفسيهما في مواجهة لاعب سعودي واحد فقط.

    لم يستطع لاعب الوسط العودة لتغطية بورو، كما لم يتمكن الظهير من الخروج لمواجهته خوفًا من ترك يامال دون رقابة. واستغل بورو الوقت والمساحة المتاحة، وأرسل عرضية متقنة إلى القائم البعيد، قبل أن تصل الكرة إلى ميكيل أويارزابال الذي سجل الهدف بسهولة.

  • إعلان
    إعلان
  • هل استمتعت بهذه القصة؟

    أضف Kooora كمصدر مفضل على جوجل للاطلاع على المزيد من تقاريرنا

    تابع Kooora على جوجل
  • TOPSHOT-FBL-WC-2026-MATCH35-NED-SWEGetty Images

    السويد سقطت للأسباب نفسها

    الأمر ذاته تكرر مع السويد أمام هولندا. اعتمد المنتخب السويدي على خطة 5-3-2، لكن وجود ثلاثة لاعبي وسط فقط جعل تغطية الأطراف صعبة للغاية. واستغلت هولندا هذه المشكلة بذكاء.

    كان الجناح الأيمن الهولندي يجبر الظهير الأيسر السويدي على التراجع، بينما ينطلق دينزل دومفريس من الخلف دون رقابة مستفيدًا من تحرك لاعبي الوسط نحو جهة الكرة.

    هذا السيناريو تكرر مرات عديدة، وأسفر في النهاية عن خسارة ثقيلة بنتيجة 5-1. ولم يتحسن الأداء السويدي إلا بعد التحول إلى خطة 4-5-1، التي وفرت كثافة أكبر في وسط الملعب وأغلقت المساحات الجانبية.

  • Spain v Cabo Verde: Group H - FIFA World Cup 2026Getty Images

    البناء من الخلف.. مخاطرة محسوبة

    إلى جانب التنظيم الدفاعي، اعتمدت عدة منتخبات صغيرة على أسلوب جريء في بناء اللعب. فعوضًا عن تشتيت الكرة بعد كل ركلة مرمى، فضلت منتخبات مثل جنوب أفريقيا والعراق وكاب فيردي البدء بالتمريرات القصيرة من الخلف.

    كان الهدف واضحًا. إجبار المنتخبات الكبرى على التقدم والضغط، ثم استغلال المساحات التي تتركها خلف خطوطها.

    ولتنفيذ هذه الفكرة، كان اللاعبون ينتشرون على مسافات واسعة، ما يجبر المنافس على قطع مسافات طويلة أثناء الضغط رجلًا لرجل.

    وبمجرد نجاح التمريرة الأولى، تصبح المساحات خلف لاعبي الضغط متاحة أمام لاعبي الوسط والمهاجمين.

    هذا الأسلوب ساعد تلك المنتخبات على الوصول إلى مرمى منافسيها بعدد قليل من التمريرات، ومنحها فرصًا هجومية لم تكن لتحصل عليها لو اعتمدت على الكرات الطويلة التقليدية.

  • إعلان
    إعلان
  • Iraq v Norway: Group I - FIFA World Cup 2026Getty Images

    لكل مخاطرة ثمن

    لكن هذه الطريقة لم تكن خالية من المخاطر. فالبناء من الخلف مع تباعد اللاعبين يزيد احتمالات فقدان الكرة بالقرب من المرمى. وهذا ما حدث بالفعل مع جنوب أفريقيا أمام المكسيك، وكذلك العراق أمام النرويج، حيث استقبل المنتخبان أهدافًا بعد أخطاء أثناء الخروج بالكرة.

    ورغم ذلك، فإن المكاسب الهجومية كانت كبيرة أيضًا. فجنوب أفريقيا، على سبيل المثال، سددت 14 كرة على مرمى كوريا الجنوبية مقابل سبع تسديدات فقط لمنافسها، رغم أن نسبة استحواذها لم تتجاوز 31%. وعندما مارس المنتخب الكوري ضغطًا عاليًا، تمسك منتخب "بافانا بافانا" بخطته، ونجح في تجاوز الضغط ثم شن هجمة سريعة أسفرت عن هدف منح الفريق بطاقة التأهل.

    تعكس هذه المباريات حقيقة مهمة، وهي أن كرة القدم الدولية لم تعد تعتمد فقط على جودة اللاعبين. فالمدربون في المنتخبات الأقل تصنيفًا أصبحوا أكثر قدرة على إعداد مبارياتهم تكتيكيًا، وتحليل نقاط قوة وضعف المنافسين، وبناء خطط تناسب إمكانات لاعبيهم.

    ومع التنظيم والانضباط والعمل الجماعي، أصبحت الفجوة الفنية أقل مما كانت عليه قبل سنوات. صحيح أن المنتخبات الكبرى ما تزال تمتلك الأفضلية بفضل جودة لاعبيها وخبراتهم، لكنها لم تعد قادرة على الفوز بمجرد نزولها إلى أرض الملعب.

  • Ecuador v Curacao: Group E - FIFA World Cup 2026Getty Images

    الحراس.. أبطال المفاجآت

    ورغم كل ما سبق، يبقى الأداء الفردي عنصرًا لا غنى عنه في تحقيق المفاجآت. الحارس المخضرم فوزينيا، البالغ من العمر أربعين عامًا، تحول إلى بطل قومي بعدما تصدى لسيل من المحاولات الإسبانية، وكان أحد أهم أسباب خروج كاب فيردي بنقطة تاريخية.

    أما حارس كوراساو، إيلوي روم، فقد كتب اسمه في سجلات البطولة بعدما عادل الرقم القياسي لأكبر عدد من التصديات في مباراة واحدة، بواقع 15 تصديًا، ليمنح منتخب بلاده أول نقطة في تاريخه بكأس العالم.

    هذه العروض تؤكد أن التنظيم التكتيكي وحده لا يكفي، بل يحتاج أيضًا إلى تألق فردي في اللحظات الحاسمة، خصوصًا من حارس المرمى، الذي غالبًا ما يكون آخر خطوط الدفاع وأول صناع المفاجآت.

    وتكشف بطولة كأس العالم الحالية أن الفارق بين المنتخبات الكبرى والصغرى يتقلص عامًا بعد آخر. فالمنتخبات الأقل تصنيفًا أصبحت تدخل البطولة وهي تمتلك هوية تكتيكية واضحة، وخططًا مدروسة، ولاعبين يدركون أدوارهم بدقة، ومدربين يجيدون استغلال نقاط ضعف المنافسين.

    ولذلك، لم تعد المفاجآت استثناءً، بل أصبحت جزءًا من المشهد الطبيعي لكرة القدم الحديثة. وفي بطولة تضم 48 منتخبًا، يبدو أن الطريق نحو اللقب سيكون أكثر تعقيدًا من أي وقت مضى، لأن التنظيم والانضباط والإيمان بالفكرة قد يمنحون المنتخبات الصغيرة القدرة على الوقوف نِدًّا أمام أعظم القوى الكروية في العالم.

  • إعلان
    إعلان
إعلان