إعلان
إعلان
main-background

توخيل يعترف بالمشكلة وإنجلترا تدفع الثمن.. لماذا انهار حلم الأسود الثلاثة؟

كريم مليم
17 يوليو 202609:19
Trust in Tuchel GFXGetty Images

مرة أخرى، وجدت إنجلترا نفسها على أعتاب المجد، ومرة أخرى غادرت البطولة وهي تحمل خيبة جديدة تضاف إلى سجل طويل من الفرص الضائعة. فبينما أظهر "الأسود الثلاثة" شخصية قوية، وروحًا قتالية، وقدرة على العودة في أصعب اللحظات، كشفت المواجهة أمام الأرجنتين في نصف نهائي كأس العالم 2026 عن مشكلة أعمق من مجرد خسارة مباراة؛ مشكلة تتعلق بقدرة المنتخب على فرض شخصيته أمام كبار المنافسين عندما تصبح التفاصيل الصغيرة هي الفارق بين البطل والخاسر.

ولعل التصريحات الصريحة التي أدلى بها المدرب توماس توخيل فتحت الباب أمام نقاش واسع حول حقيقة مستوى المنتخب الإنجليزي، وما إذا كانت الروح القتالية وحدها كافية لتحقيق الألقاب، أم أن الفريق يفتقد الجودة الفنية والشمولية التي تتمتع بها القوى الكبرى في كرة القدم العالمية.

صرح توماس توخيل بأن عقلية المنتخب الإنجليزي يمكن تعبئتها وبيعها، لكن ما لا يمكن تسويقه هو القدرة على الحفاظ على الثبات وتقديم الأداء الموثوق في المباريات الكبرى عندما تبلغ الضغوط ذروتها.

وجاءت تصريحات المدرب الألماني خلال مقابلة صريحة أعقبت الفوز على النرويج بنتيجة 2-1 في ربع نهائي كأس العالم، وهي مباراة انتقد خلالها بشدة أداء فريقه رغم التأهل، مؤكدًا أن النتيجة لا تعكس حقيقة ما قدمه اللاعبون.

وأضاف لاحقًا في تصريحات لهيئة الإذاعة البريطانية "بي بي سي" أن "السيطرة على مجريات اللعب والاستحواذ على الكرة ربما لا تندرج ضمن حمضنا النووي".

لكن الانهيار المتأخر أمام الأرجنتين في نصف النهائي، والذي حرم إنجلترا من بلوغ نهائي كأس العالم للمرة الأولى منذ تتويجها التاريخي على ملعب ويمبلي عام 1966، أعاد إلى الواجهة التساؤلات ذاتها التي رافقت المنتخب لعقود طويلة.

وباتت هذه الخيبة تضاف إلى سلسلة من الإخفاقات المؤلمة، تشمل خسارتي نهائي بطولة أمم أوروبا، والهزيمة أمام كرواتيا في نصف نهائي مونديال 2018، بما يعزز الانطباع بأن إنجلترا لا تزال ذلك المنتخب الذي يقترب كثيرًا من المجد دون أن ينجح في معانقته.

ولا شك أن الروح القتالية، وبذل الجهد، والقدرة على صناعة اللحظات الحاسمة، كلها عناصر تستحق الإشادة، لكنها وحدها لا تكفي لحصد البطولات، وهو ما أثبتته التجربة الإنجليزية مجددًا.

Jude Bellingham Harry KaneGetty Images

هل تفتقر إنجلترا إلى الجودة الشاملة؟

استندت رحلة إنجلترا في كأس العالم بصورة كبيرة إلى التألق الاستثنائي لقائدها هاري كين ونجمها جود بيلينجهام. فمن أصل 14 هدفًا سجلها المنتخب الإنجليزي في البطولة، أحرز الثنائي 12 هدفًا بواقع ستة أهداف لكل لاعب، بينما سجل ماركوس راشفورد وأنتوني جوردون الهدفين الآخرين.

في المقابل، عانى توخيل من غياب الفاعلية الكاملة لثنائي أرسنال ديكلان رايس وبوكايو ساكا بسبب المرض والإصابات، وهو ما أثر في المنظومة التي كان يعول عليها كثيرًا.

ولا يزال جون ستونز يقدم مستويات مميزة رغم بلوغه الثانية والثلاثين من عمره، إلا أن بقية عناصر المنتخب يتسمون بالصلابة والانضباط أكثر من امتلاكهم القدرة على صناعة الفارق.

وعلى عكس إسبانيا، بطلة أوروبا ووصيفة العالم، أو فرنسا التي تزخر بالمواهب الهجومية، أو الأرجنتين التي تمتلك شخصية استثنائية يقودها ليونيل ميسي، لا يبدو أن إنجلترا تملك الجودة النخبوية نفسها في جميع خطوطها.

ولهذا السبب، اعتمد المنتخب الإنجليزي في كثير من مبارياته على اللمحات الفردية أكثر من اعتماده على الأداء الجماعي المسيطر. فعندما تأخر أمام جمهورية الكونغو الديمقراطية في دور الـ32، كان هاري كين هو المنقذ بهدفين متأخرين، وعندما وجد نفسه متأخرًا أمام النرويج في ربع النهائي، تكفل بيلينغهام بقيادة العودة بهدفين حاسمين.

وربما في تلك اللحظات تحديدًا كشف توخيل عن قناعته الحقيقية؛ إذ امتدح شخصية لاعبيه، لكنه لم يخفِ انتقاده الواضح للجودة الفنية التي يقدمها الفريق.

England v Congo DR: Round Of 32 - FIFA World Cup 2026Getty Images

انتصارات مهمة.. لكنها لم تكن مقنعة

يستحق المنتخب الإنجليزي الإشادة بعد فوزه الكبير على المكسيك في ملعب أزتيكا وسط أجواء جماهيرية استثنائية، إلا أن السؤال يبقى: هل كان الأداء مقنعًا بالفعل؟

الإجابة تبدو صعبة. فباستثناء ثلاثين دقيقة مميزة في الشوط الثاني من المباراة الافتتاحية أمام كرواتيا، والتي انتهت بالفوز 4-2، لم يقدم المنتخب الإنجليزي مستويات ثابتة تليق بطموح المنافسة على اللقب.

بل إنه كان على بعد ربع ساعة فقط من الخروج المذل أمام جمهورية الكونغو الديمقراطية، قبل أن يتدخل كين وينقذ الموقف.

ورغم امتلاك رايس وإليوت أندرسون خبرة كبيرة في وسط الملعب، فإن الفريق عانى بصورة واضحة كلما واجه منافسًا يجيد الاستحواذ وفرض إيقاعه.

وقد أكد توخيل بنفسه أن الاستحواذ على الكرة يمثل عنصرًا حاسمًا في كرة القدم الحديثة، لكنه اعترف بأن هذه السمة ليست جزءًا أصيلًا من شخصية المنتخب الإنجليزي.

وقال: "ربما لا تكمن في حمضنا النووي، كما هو الحال لدى الإسبان أو الأرجنتينيين أو البرازيليين، تلك القدرة على الاستحواذ على الكرة والسيطرة على مجريات اللعب، وهذه مشكلة كبيرة أيضًا".

وأضاف: "ما زلت أؤمن بأن لاعبينا يمتلكون الجودة الكافية، فأنا أرى ذلك يوميًا في التدريبات وفي كل معسكر".

ورغم ذلك، بقي المنتخب عاجزًا عن فرض شخصيته أمام المنتخبات الكبرى، وهو ما أعاد إلى الأذهان التفوق الكرواتي الواضح على إنجلترا في نصف نهائي مونديال 2018.

وقد يبدو من القسوة وصف إنجلترا بأنها تتألق فقط أمام المنافسين الأقل مستوى، لكن نتائجها في المواجهات الكبرى لا تزال تثير علامات استفهام كثيرة.

ولعل الإحصائية الأكثر قسوة تتمثل في أن نسبة استحواذ إنجلترا على الكرة بلغت 12% فقط منذ تسجيل أنتوني جوردون هدف التقدم أمام الأرجنتين في الدقيقة 55 وحتى هدف لاوتارو مارتينيز القاتل في الوقت بدل الضائع.

tuchel(C)Getty Images

هل يحتاج توخيل إلى تغيير فلسفته؟

بنى توخيل منتخب إنجلترا وفق النموذج السائد في الدوري الإنجليزي الممتاز، مع الاعتماد على خط دفاع رباعي، وثنائي ارتكاز، وبيلينجهام في مركز صانع الألعاب، إضافة إلى جناحين صريحين.

وقد ينجح هذا الأسلوب في الدوري الإنجليزي، لكنه لا يبدو كافيًا عندما يتعلق الأمر بمنافسات كأس العالم، حيث تحسم التفاصيل الفنية الدقيقة مصير البطولات.

ويملك المنتخب الإنجليزي القوة البدنية والالتزام التكتيكي، لكنه يفتقر، باستثناء كين وبيلينجهام، إلى العدد الكافي من اللاعبين القادرين على صناعة الفارق في المباريات الكبرى.

وهنا يكمن القلق الحقيقي بالنسبة للاتحاد الإنجليزي، إذ تبدو معظم الحلول التي جُربت خلال السنوات الماضية غير قادرة على كسر الحلقة المفرغة.

فقد جاء توخيل ليكون النقيض الكامل لجاريث ساوثجيت، الذي قاد المنتخب إلى نهائي اليورو مرتين، وإلى نصف نهائي كأس العالم، لكنه تعرض لانتقادات بسبب تحفظه التكتيكي.

وكانت التوقعات تشير إلى أن المدرب الألماني سيمنح الفريق شخصية هجومية أكثر جرأة، وسيقوده أخيرًا إلى منصة التتويج.

لكن المفارقة أن توخيل، عندما تقدم منتخبه على الأرجنتين في نصف النهائي، اختار التراجع والدفاع عن النتيجة، وهو الأسلوب نفسه الذي لطالما تعرض ساوثجيت لانتقادات بسببه.

Crystal Palace FC v Rayo Vallecano de Madrid - UEFA Conference League Final 2026Getty Images

هل كانت الاختيارات السبب؟

فضل توخيل الواقعية على حساب الموهبة في اختياراته، فاستبعد ترينت ألكسندر-أرنولد مبكرًا، كما غاب كول بالمر وفيل فودين بسبب تراجع مستواهما، بينما تجاهل مورجان جيبس-وايت رغم موسمه المميز مع نوتنجهام فورست.

وفي بعض مراحل البطولة، بدا أن المنتخب كان في أمسّ الحاجة إلى لاعب مثل آدم وارتون، القادر على الاحتفاظ بالكرة والتحكم في إيقاع اللعب بفضل جودة تمريراته وتنوع حلولها.

ورغم أن لاعب كريستال بالاس لا يزال في بداية مسيرته الدولية، إذ لم يخض سوى أربع مباريات مع المنتخب، فإنه أثبت نضجه في المناسبات الكبرى، وأسهم في تتويج فريقه بكأس الاتحاد الإنجليزي ودوري المؤتمر الأوروبي.

وتبقى المعضلة قائمة؛ فالقليلون قد يفضلون استبعاد رايس أو إليوت أندرسون من التشكيلة الأساسية، كما أن بيلينجهام يعد من أفضل لاعبي العالم في مركزه.

لكن الواقع يؤكد أن توخيل مطالب بإيجاد حلول جديدة ونهج مختلف، لأن المنظومة الحالية لم تتمكن، مرة أخرى، من تحويل الطموح الإنجليزي إلى إنجاز تاريخي.

إعلان

هل استمتعت بهذه القصة؟

أضف Kooora كمصدر مفضل على جوجل للاطلاع على المزيد من تقاريرنا

تابع Kooora على جوجل
إعلان
إعلان
إعلان