


سيتحدث المراقبون طويلا عن "الفوز العجائبي" الذي حققه عملاق الكرة الإسبانية برشلونة على حساب نظيره الفرنسي باريس سان جيرمان في إياب دور الثمانية لمسابقة دوري أبطال أوروبا لكرة القدم.
فبعد أن كان البارسا متخلفا بأربعة أهداف نظيفة في مباراة الإياب ظن الجميع أن الفريق الكتالوني في طريقه للخروج من المنافسة؛ نظرا لصعوبة الفوز بنتيجة كبيرة على منافسه الفرنسي المتحفز للقب أوروبي في ظل تذبذب مستويات البارسا مع مدربه المبتدئ انريكي منذ بداية الموسم.
لكن ما حدث كان مباغتا لجميع التوقعات، إذ تمكن برشلونة من الفوز على فريق سان جيرمان بستة أهداف لهدف، وكأنه يقول لا مستحيل أمام البارسا. لا جاذبية أرضية على ملعب الكامب نو الذي كثيرا ما شرب الضيوف المترددون عليه كأس المرارة، ولعل الغريم الأزلي ريال مدريد يدرك هذه الحقيقة؛ لأنه شرب من الكأس ذاته في العام 2009 عندما كان جوارديولا يمسك معولاً ويهدم به كل القواعد البيانية والأرقام القياسية مع كتيبته الخرافية.
إذن، استطاعت كتيبة الرعب المنشقة عن "البرغماتية الكروية" في أوروبا المتفاخرة بالعقل البشري الذي يدير اللعبة الأكثر جنونا في التاريخ، كما يدير الأستاذ الروسي كاسباروف قطع الشطرنج، أن تثبت العكس لكل من شطح بأفكاره وأعتقد أن "المارد" الذي اكتسح القارة العجوز في السنوات الأخيرة يمكن أن تنطبق عليه المعايير الطبيعية.
اعتقد الأوروبيون أن كل شيء يمكن أن يقاس بـ "النظرية النسبية" لأينشتاين، فكل لاعب يجري ويتحرك ويسدد وفق "سيناريوهات" مكتوبة بدقة لضمان نجاحه في تمثيل الدور المنوط به على أكمل وجه، وكأنه يخوض "فيلما سينمائيا" مرشحاً لجوائز الأوسكار الهوليودية، إلا أن لاعبي برشلونة أثبتوا أنهم ليسوا ممثلين بارعين، فكان خروجهم الفوضوي عن النص أجمل ارتجال يمكن أن يحدث في عالم كرة القدم.
إنها فلسفة كروية عريقة، فلم يعرف الكتالونيون طوال تاريخهم إلا التمرد على المنطق. كانت هناك أفكار غريبة تجول في رأس قيادة النادي في السبعينات لابتكار أسلوب كروي يكسر القاعدة الثابتة، استعان النادي الإسباني بعقول هولندية فذة كان أبرزها المدرب رينوس ميتشيلز أب الكرة الشاملة ومبتكرها عام 1974، ليستكمل بعده الأسطورة يوهان كرويف في العام 1988 مشوار تطبيق نهج الكرة الشاملة وتأسيس معهد "لا ماسيا" لاكتشاف المواهب في عمر صغير وتدريبهم على أساليب اللعبة، فأصبحت الأسلوب غير التقليدي ثقافة راسخة في لاعبي برشلونة المتخرجين من المعهد من أمثال جوسيب غوارديولا، تشافي هيرنانديز، أندريس إنيستا، سيسك فابريغاس، لويس غارسيا، جيوفاني، جوناثان، فيرناندو نافارو ليونيل ميسي، وتياغو الكانتارا، جيرارد بيكي، فيكتور فالدرز وآخرين أصبحوا متناثرين في الأندية الأوروبية ممن ضاقت بهم جدران النادي الكتالوني.
ومن الملاحظ هنا أن اللاعبين المتخرجين من معهد "لا ماسيا"، لم يشكلوا العمود الفقري لبرشلونة الذي فاز بكل الألقاب الممكنة خلال السنوات العشر الأخيرة، وإنما هم أيضا يشكلون العمود الفقري للمنتخب الإسباني المتوج بكأس العالم وأمم أوروبا بفضل وجود 9 لاعبين، كان 7 منهم أساسيون في تشكيل "الماتادور" و"البارسا".
"الارتجال" هو الشيء الذي يميز برشلونة عن أقرانه من الفرق الأوروبية. قبل المباراة، قيل بأن المستحيل أقرب إلى البارسا من عبور فريق العاصمة الفرنسية بعد الخسارة القاسية في باريس. والأكثر من ذلك أن المحللين أجمعوا على تراجع مستوى فريق انريكيه قليل الخبرة، وغير القادرة على تنظيم صفوف الفريق، غير أن فوضى برشلونة الخلاقة حسمت الأمور في الملعب.
لم يفكر اللاعبون في أي من الأفكار التي كانت تروج لها وسائل الإعلام بحتمية خروجهم من البطولة. ببساطة شديدة لعب برشلونة بمنطق كرة القدم، وهو عدم الاعتراف بالمنطق، وليس غريبا على فريق يعرف جيدا كرة القدم أن يفشل في ذلك، إذ يكفيه فخراً أن أساطير الساحرة المستديرة كانوا هنا ذات يوم أبتداء بمارادونا وروماريو وفيغو، مروراً بريفالدو ورونالدو ورونالدينهو، وانتهاء بميسي الذي جيء به مريضا من المستعمرات السابقة في أميركا الجنوبية ليصبح ملكاً على عرش اللعبة.
هذا هو الإرث الذي يستند إليه برشلونة، "كرة القدم لا تعترف بالمنطق"، ولو كانت لخبا بريقها منذ سنوات اعتقدنا فيها أن الساحرة المستديرة لم تعد قادرة على اجتراح المعاجز والأعاجيب؛ بسبب انهزامها أمام المنطق الخططي والتكتيكي!!
** نقلاً عن صحيفة البلاد البحرينية
هل استمتعت بهذه القصة؟
أضف Kooora كمصدر مفضل على جوجل للاطلاع على المزيد من تقاريرنا
قد يعجبك أيضاً


.jpg?quality=60&auto=webp&format=pjpg&width=317)
