
Kooora.comلم يحتج الأمر سوى دقائق حتى تتحول إصابة رافينيا، خلال مباراة البرازيل وأستراليا، إلى محاكمة جماهيرية صاخبة، لا للاعب المصاب أو الجهاز الطبي، وإنما للعقول التي قررت مسبقًا معرفة الحقيقة قبل أن تعرف حتى طبيعة الإصابة!
فما إن انتشر الخبر، حتى انقسمت الجماهير إلى معسكرين، لا يجمعهما سوى شيء واحد هو الاستعداد الكامل لتصديق أي رواية تخدم ألوان القميص الذي يشجعونه، ولو كانت الرواية بلا دليل، والاتهامات بلا منطق، والحقائق غائبة تمامًا عن المشهد.
جماهير برشلونة سارعت إلى اكتشاف المؤامرة الكبرى، ووجهت أصابع الاتهام إلى كارلو أنشيلوتي، مدرب ريال مدريد السابق، باعتباره "العميل" الذي يقدم أسيست مجانيًا لناديه القديم، قبل الكلاسيكو المرتقب. وكأن الرجل لم يجد وسيلة لخدمة ريال مدريد سوى إصابة لاعب في منتخب البرازيل، وكأن كرة القدم تحولت إلى غرفة عمليات سرية، يديرها أنشيلوتي من خلف الستار!
أما جماهير ريال مدريد، فلم تتأخر في إعداد سيناريو مضاد، لتعلن اكتشاف مسرحية محكمة، بطلها رافينيا، ومخرجها هانزي فليك، في محاولة لتصوير إصابة اللاعب باعتبارها تمثيلية مدبرة هدفها التأثير في حسابات الكلاسيكو.
وبين مؤامرة أنشيلوتي ومسرحية فليك، ضاعت الحقيقة الوحيدة التي تستحق أن تكون نقطة البداية، وهي أنه لا أحد يعرف حتى الآن ما طبيعة إصابة رافينيا، ولا مدى خطورتها، ولا مدة غيابه المحتملة!
إصابة لاعب تحولت إلى مؤامرة كونية!
المثير للسخرية ليس اختلاف الجماهير في تفسير الأحداث، فالاختلاف حق طبيعي، وإنما تلك الثقة المذهلة التي يتحدث بها البعض عن أمور لا يملكون بشأنها معلومة واحدة موثوقة.
لم يصدر، في اللحظة التي اشتعلت فيها هذه الاتهامات، توضيح رسمي يحسم طبيعة الإصابة أو يحدد مدة الغياب. ومع ذلك، لم ينتظر أصحاب نظريات المؤامرة تقريرًا طبيًا، ولم يطالبوا بمعلومة من مصدر موثوق، ولم يمنحوا أنفسهم حتى رفاهية احتمال أن تكون الإصابة مجرد إصابة رياضية عادية.
لماذا الانتظار أصلًا، ما دام الخيال قادرًا على إنتاج قصة مثيرة في ثوانٍ؟
في قاموس هؤلاء، لا توجد مصادفات، ولا ظروف رياضية طبيعية، ولا احتمالات متعددة. كل حدث يجب أن يكون مؤامرة، وكل إصابة يجب أن تخدم طرفًا على حساب آخر، وكل معلومة ناقصة تمثل فرصة ذهبية لملء الفراغ باتهام جاهز.
وهكذا، لم يعد السؤال الأهم ماذا حدث لرافينيا؟ لكنه أصبح للأسف كيف يمكن توظيف ما حدث لإدانة الخصم أو تبرئة الفريق الذي نحبه؟.. وبالتأكيد هذه ليست قراءة للأحداث، لكنها عملية مصادرة للحقيقة قبل ظهورها.
حين يصبح القميص أهم من العقل
المشكلة الحقيقية أن بعض الجماهير لا تتعامل مع كرة القدم باعتبارها لعبة تنافسية تحتمل الفوز والخسارة والظروف الطارئة، بل باعتبارها معركة هوية لا يجوز فيها الاعتراف بأي احتمال قد لا يخدم الفريق.
إذا أصيب لاعب من الفريق المنافس، فهناك من يبحث فورًا عن تفسير يخدم مصالح فريقه.. وإذا ظهرت معلومة لا تتفق مع روايته، فإنه لا يراجع موقفه، بل يبحث عن رواية جديدة تنقذه من مواجهة الحقيقة.
إنها آلية ذهنية مريحة للغاية، فهنا في هذه النظرية المريحة جدًا لصاحبها، لا حاجة إلى الدليل ما دمت تملك الانتماء، ولا ضرورة إلى التحقق ما دمت تستطيع التشكيك، ولا داعي إلى الاعتراف بالجهل ما دمت قادرًا على إطلاق الاتهامات بثقة.
والأكثر غرابة أن بعض المشجعين يستطيع أن يطالب منافسيه بالموضوعية والنزاهة، ثم يتخلى عن أبسط قواعد التفكير المنطقي عندما يتعلق الأمر بفريقه المفضل.
يريد الحقيقة كاملة عندما تدين خصمه، ويريد مساحة واسعة من الأعذار عندما تحرجه، ويطالب بالأدلة حين توجه الاتهامات إلى ناديه، ثم يوزع الأحكام بالمجان عندما يكون المتهم من المعسكر الآخر.
هنا لا يعود التشجيع مجرد انحياز عاطفي، وإنما يتحول إلى تعطيل متعمد للعقل، وانتصار للرواية المريحة على الحقيقة المحتملة.
القطيع لا ينتظر الحقيقة.. لكنه يصنعها!
تكشف واقعة رافينيا عن جانب أكثر خطورة في ثقافة التشجيع المتعصب، ألا وهي كيف يمكن لفكرة غير مثبتة أن تتحول، بمجرد تداولها بكثافة، إلى ما يشبه الحقيقة لدى قطاع من الجمهور.
يكتب أحدهم اتهامًا ساخرًا، فيعيد آخر نشره باعتباره تحليلًا، ثم يضيف ثالث تفاصيل من خياله، حتى تصبح الرواية أكثر إثارة من الواقعة نفسها. وبعد قليل، لا يعود أصحابها بحاجة إلى دليل، لأن كثرة التكرار تمنحهم شعورًا زائفًا بأنهم اكتشفوا ما لم يكتشفه الآخرون.
لكن انتشار الاتهام لا يجعله صحيحًا، وكثرة المرددين لا تحول التخمين إلى معلومة، والتوافق داخل مجموعة من المشجعين لا يمثل برهانًا على شيء.
ليس مطلوبًا من جماهير برشلونة أن تتعاطف مع ريال مدريد، ولا من جماهير ريال مدريد أن تدافع عن برشلونة.. المطلوب فقط أن يدرك الجميع أن الخصومة الرياضية لا تمنح أحدًا حق اختراع الوقائع، وأن السخرية لا تعفي صاحبها من مسؤولية تضليل الآخرين.
يمكن للمشجع أن يمزح بشأن توقيت الإصابة، وأن يقلق على فرص فريقه في الكلاسيكو، وأن يناقش تأثير غياب رافينيا المحتمل. لكن الفارق شاسع بين طرح الاحتمالات باعتبارها احتمالات، وبيعها للجمهور باعتبارها حقائق مكتملة.
في النهاية، ستظهر المعلومات الطبية، وسيتضح ما إذا كان رافينيا سيغيب عن الكلاسيكو أم سيشارك، وقد تتغير الحسابات كلها وفقًا لما ستكشفه الأيام المقبلة.
أما الاتهامات التي انطلقت بلا دليل، فستظل شاهدًا على شيء آخر يؤكد أن بعض العقول تستطيع تحويل إصابة لاعب إلى مؤامرة دولية، فقط لأنها عاجزة عن تقبل أبسط حقيقة في كرة القدم؛ وهي أن الأمور لا تسير دائمًا وفقًا لرغبات الجماهير.
رافينيا قد يكون مصابًا، وقد تتحدد مدة غيابه لاحقًا، لكن الإصابة الأوضح في هذه القصة هي إصابة المنطق، حين يسقط أسيرًا للتعصب، ويصبح القميص الذي نشجعه أهم من الحقيقة التي ندعي البحث عنها.
هل استمتعت بهذه القصة؟
أضف Kooora كمصدر مفضل على جوجل للاطلاع على المزيد من تقاريرنا
قد يعجبك أيضاً



