إعلان
إعلان
main-background

من فنجان قهوة إلى كارثة كروية: كيف هزم علم ليفربول فوضى مانشستر يونايتد؟

كريم مليم
18 أكتوبر 202503:15
Ruben Amorim Man Utd Liverpool GFXGetty Images

في كرة القدم الحديثة، لم تعد القرارات الكبرى تُتخذ بدافع الحدس أو الكاريزما، بل تُبنى على العلم والتحليل والبيانات. ومع ذلك، ما زال مانشستر يونايتد يثبت بين حينٍ وآخر أنه يعيش في حقبةٍ مختلفة عن منافسيه.

أحدث مثالٍ على ذلك كان عندما رفض ليفربول التعاقد مع روبن أموريم، المدرب البرتغالي الواعد، استنادًا إلى تحليلٍ دقيق للبيانات، بينما سار يونايتد في الاتجاه المعاكس تمامًا، مدفوعًا بالشخصية والقصص الجذابة أكثر من المنطق والأرقام.

من بين جميع العوامل التي تشرح الفجوة المتزايدة بين الناديين، لا شيء يوضحها بقدر اختلاف فلسفتهما في اختيار المدربين.

في ليفربول، جاء قرار التعاقد مع آرني سلوت بعد دراسةٍ مطوّلة أجراها فريق من علماء البيانات بقيادة الفيزيائي الأمريكي ويل سبيرمان، وهو خريج جامعة هارفارد ويشغل منصب "كبير علماء البيانات" في النادي. بينما في مانشستر يونايتد، كان القرار مدفوعًا بالانبهار بشخصية أموريم وحكايته الملهمة أكثر من أي تحليلٍ منهجي لمدى توافقه مع هوية الفريق.

يونايتد، كما يراه كثيرون، يحب القصص الجميلة. وقد كانت قصة أموريم مثالية لنادٍ تائه يبحث عن بطلٍ جديد: مدرب شاب أعاد الحياة لسبورتينج لشبونة وقاده إلى لقبٍ غائب منذ 19 عامًا. بدا الأمر كما لو أن السير جيم راتكليف وعمر برادة، صانعي القرار الرئيسيين في النادي، رأيا في أموريم مزيجًا من ميكيل أرتيتا وبيب جوارديولا — شغف الشباب، مع بريق الكاريزما.

محادثة قهوة وقرار مصيري

تحدث راتكليف مرارًا عن إعجابه بأموريم، واصفًا إياه بأنه "ذكي ومدروس". روى أيضًا بفخرٍ لقاءً جمعهما على فنجان قهوة في ملعب كارينجتون التدريبي، حيث قال له أموريم ممازحًا بعد نقاشٍ حول أخطاء الفريق: "طلبت مني أن أذهب إلى الجحيم!". بالنسبة لراتكليف، كانت تلك الجرأة دليلاً على شخصية قوية. لكن بالنسبة للمحللين، كانت علامة على قرار عاطفي أكثر منه مهني.

ما غاب عن تفكير إدارة يونايتد هو أحد أهم تفاصيل مسيرة أموريم التدريبية: إصراره الصارم على اللعب بخطة 3-4-3.

في المقابل، رأى ليفربول أن هذا الثبات التكتيكي علامة خطر لا يمكن تجاهلها. فقد أظهرت تحليلاتهم أن فلسفة أموريم لن تنسجم مع البنية التكتيكية للفريق الذي صُمم بعناية لأسلوب يعتمد على أربعة مدافعين.

لذلك تراجع النادي عن الفكرة، ووجّه بوصلته نحو آرني سلوت، مدرب فينورد، الذي أظهرت بيانات الفريق أنه الأكثر تشابهًا مع أسلوب كلوب من حيث التوزيع الهجومي، الضغط، وتمركز اللاعبين.

إعلان
  • Liverpool FC v Crystal Palace FC - Premier LeagueGetty Images

    نتائج متناقضة.. قرار ذكي وآخر كارثي

    اليوم، بعد مرور عام على تلك القرارات، يمكن القول إن التاريخ أنصف ليفربول.

    فبينما يقود سلوت الريدز بثباتٍ في سباق الدوري الإنجليزي الممتاز، ويعيد بناء الفريق بخطى متوازنة رغم الصعوبات، يعيش مانشستر يونايتد فوضى غير مسبوقة تحت قيادة أموريم، الذي زاد الطين بلة في نادٍ يعاني أصلاً من انقسامات داخلية وضعفٍ هيكلي.

    في موسمه الأول، قاد أموريم الشياطين الحمر إلى أسوأ ترتيب في الدوري منذ 51 عامًا من حيث النقاط وعدد الأهداف، وأخفق في التأهل لأي بطولة أوروبية للمرة الأولى منذ 2014.

    وفي موسمه الثاني، بدأ السقوط مبكرًا بخسارة ثلاثٍ من أول سبع مباريات في الدوري، بالإضافة إلى خروجٍ مخزٍ من كأس كاراباو أمام جريمسبي تاون من الدرجة الرابعة — الهزيمة الأولى ليونايتد في تاريخه أمام فريقٍ بهذا المستوى.

    الاختلاف الجوهري بين الناديين لا يكمن فقط في النتائج، بل في منهجية التفكير.

    فبينما اعتمد ليفربول على منظومة تحليلاتٍ متطورة يقودها سبيرمان والمدير الرياضي ريتشارد هيوز، اختار يونايتد طريقًا بدائيًا قائمًا على "الانطباع الشخصي".

    لم يجر النادي مقابلات مع مدربين آخرين قبل التوقيع مع أموريم. كانت كلماته القليلة كافية لإقناعهم: "سألوني إن كنت مستعدًا لتغيير خطتي. قلت لهم: لا، سألتزم بها مهما كانت الظروف".

    عبارة كهذه كانت يجب أن تُثير القلق، لكنها على العكس عززت قناعة الإدارة بأنه المدرب المناسب!

    في الجهة الأخرى، كان قرار ليفربول أكثر هدوءًا ومنطقية. بالنسبة لهيوز وسبيرمان، كان هدفهم الاستمرارية لا الثورة. لم يرغبوا في تمزيق إرث كلوب، بل بناء جسرٍ يربط الماضي بالمستقبل. وهكذا وقع الاختيار على سلوت، الذي وُصف بأنه "كلوب في نسخةٍ هولندية أقل ضجيجًا وأكثر انضباطًا".

  • إعلان
    إعلان
  • Ruben Amorim Manchester United 2025Getty Images

    الكاريزما تغلب على العلم

    حتى داخل مانشستر يونايتد، لم يتفق الجميع على تعيين أموريم.

    دان آشوورث، المدير الرياضي القادم من نيوكاسل، كان الصوت المعارض الوحيد تقريبًا. رأى في تعيين البرتغالي مغامرة غير محسوبة، واقترح بدلاً من ذلك التعاقد مع توماس فرانك، مدرب برينتفورد حينها، أو على الأقل اتباع نهجٍ علمي على غرار ليفربول عبر شركة تحليل بيانات متخصصة.

    لكن راتكليف رفض الفكرة بشكلٍ قاطع، واعتبر أن آشوورث "يجب أن يعرف من هم أفضل المرشحين بنفسه".

    وبعد شهرٍ واحد فقط من التعاقد مع أموريم، تمت إقالة آشوورث، بعدما تقاضى 4.1 مليون جنيه إسترليني مقابل خمسة أشهرٍ فقط من العمل!

    المفارقة أن راتكليف، الذي رفض فكرة التحليل العلمي، عاد بعد أشهر ليعترف في مقابلةٍ مع مجلة United We Stand قائلاً: "نحن في القرن الماضي عندما يتعلق الأمر بتحليل البيانات. لا يوجد لدينا تقريبًا قسم متخصص. هناك كم هائل من المعلومات التي يمكننا استخراجها، لكننا في فئة (الفقراء جدًا) في هذا المجال."

  • FBL-ENG-PR-LIVERPOOL-WEST HAMGetty Images

    إرث البيانات في أنفيلد

    على النقيض، كان ليفربول رائدًا في مجال التحليل منذ عام 2012، حين عيّن الدكتور إيان جراهام مديرًا للأبحاث، وأسّس قسم تحليلاتٍ متقدم ساهم في بناء هوية النادي الحديثة.

    طور جراهام نموذجًا يُعرف باسم قيمة الاستحواذ (VA)، وهو نظام يقيس مدى مساهمة كل لاعب في رفع احتمالية التسجيل من خلال كل لمسة أو تمريرة.

    وبفضل هذا النموذج، تجاهل ليفربول رغبات كلوب بالتعاقد مع جوليان براندت وماريو جوتزه، واتجه بدلاً منهما نحو ساديو ماني ومحمد صلاح — قرارٌ غيّر وجه النادي للأبد.

    حتى تعيين كلوب نفسه كان مبنيًا على البيانات. حين تواصل جراهام معه في 2015، كان المدرب الألماني قد خرج من موسمٍ كارثي مع دورتموند أنهى فيه الدوري بالمركز السابع.

    لكن التحليل الرقمي كشف أن فريقه كان يعاني من "سوء حظ" لا أكثر — إذ خلق فرصًا أكثر من معظم الفرق لكنه لم يترجمها إلى أهداف. وعندما سأل كلوب جراهام إن كان شاهد مباريات دورتموند، أجابه بثقة: "لم أشاهد أي مباراة. البيانات تخبرني بكل ما أحتاج إلى معرفته"، حينها، أدرك كلوب أنه أمام نظامٍ علمي لا يعتمد على العواطف، بل على حقائق ملموسة.

  • إعلان
    إعلان
  • هل استمتعت بهذه القصة؟

    أضف Kooora كمصدر مفضل على جوجل للاطلاع على المزيد من تقاريرنا

    تابع Kooora على جوجل
  • Mohamed Salah Liverpool Burnley 2025-26Getty Images

    حين تتحدث الأرقام

    لم يكن نهج ليفربول خاليًا من الأخطاء. فالتعاقد مع داروين نونيز مقابل 64 مليون جنيه إسترليني لم يُحقق التوقعات الكاملة، رغم تسجيله 40 هدفًا في ثلاثة مواسم. لكن هذه الحالات تبقى استثناءات في سجلٍّ مبهر من القرارات الصائبة.

    خلال العقد الأخير، بنى ليفربول أحد أكثر الخطوط الهجومية فاعلية في أوروبا، محمد صلاح، ساديو ماني، روبرتو فيرمينو، ديوجو جوتا، ولويس دياز — خمسة أسماء جمعت 434 هدفًا في الدوري الإنجليزي الممتاز.

    أما أبرز خمسة مهاجمين في مانشستر يونايتد خلال الفترة ذاتها — راشفورد، برونو فرنانديز، مارسيال، بوجبا، ولوكاكو — فجمعوا فقط 268 هدفًا.. فارق 166 هدفًا لا يختصر فقط فجوة الكفاءة، بل يُجسّد الاختلاف في التخطيط، والرؤية، وفهم البيانات.

  • Manchester United's English forward WaynGetty Images

    روني: "المشكلة بدأت عام 2010"

    هذا التدهور لا يُدهش واين روني، أسطورة يونايتد، الذي قال مؤخرًا لزميله ريو فرديناند: "منذ أن فقدنا رونالدو وتيفيز عام 2009، لم يمتلك النادي مجموعة مهاجمين قادرة على الفوز بالمباريات".

    يسترجع روني ذكريات فريقٍ كان يضم تيفيز على مقاعد البدلاء بينما برباتوف ينتظر فرصته، ويقول: "كنت تشعر بأن عليك أن تقدم أفضل ما لديك في كل مباراة. لم يعد ذلك موجودًا".

    يرى روني أن هذا الخلل في فلسفة التعاقدات استمر لأكثر من 15 عامًا، دون أن يجد النادي طريقه للخروج منه.

    في المقابل، لا يمكن اتهام ليفربول بالتقاعس عن تدعيم صفوفه، حيث أنفق النادي الصيف الماضي أكثر من 300 مليون جنيه إسترليني للتعاقد مع فلوريان فيرتز، هوجو إيكيتيكي، وألكسندر إيزاك. ورغم حاجتهم إلى بعض الوقت للتأقلم، فإن الأرقام المبكرة تؤكد أن النادي اختار جيدًا، وأن نهج البيانات ما زال يُثمر نتائج حقيقية على المدى الطويل.

  • إعلان
    إعلان
  • Manchester City v Manchester United - Premier LeagueGetty Images

    فيل جونز: "ليست مشكلة واحدة بل تراكم أخطاء"

    أما فيل جونز، مدافع يونايتد السابق، فيرى أن أزمة ناديه ليست ناتجة عن قرارٍ واحد بل عن تراكم قرارات متوسطة الجودة.

    قال في حوارٍ مع موقع GOAL: "ليس الأمر خطأً واحدًا. بل تراكم عشرات القرارات التي لم تكن سيئة في حينها، لكنها لم تكن عظيمة أيضًا. هذا ما دمّر الاستمرارية".

    وأضاف: "إنه قميص ثقيل جدًا، لكن من يرتديه يشعر بالفخر. أتمنى أن يجد النادي طريقه من جديد، لكن العودة إلى مانشستر يونايتد الذي عرفناه وأحببناه ستستغرق وقتًا طويلًا".

    في النهاية.. قصة أموريم وسلوت ليست مجرد مقارنةٍ بين مدربين، بل بين عقليةٍ تحترم العلم وأخرى تستسلم للانطباع.

    ليفربول بنى قراره على أسسٍ علمية، فحصد نتائج منطقية.. أما يونايتد، فاختار الكاريزما على الكفاءة، فغرق في دوامةٍ جديدة من الفوضى.

    في عالم كرة القدم اليوم، لم يعد من الممكن التقدم بالحدس وحده. فحين تتحدث البيانات، على العاطفة أن تصمت.

إعلان