
Getty Imagesيعيش المدرب الأرجنتيني دييجو سيميوني يعيش واحدة من أكثر فتراته حرجًا منذ توليه قيادة أتلتيكو مدريد قبل أكثر من عقد، بعدما تلقى الفريق ضربة موجعة جديدة بالخسارة أمام ريال سوسيداد في نهائي كأس ملك إسبانيا، ليخرج خالي الوفاض من لقب كان في المتناول على الورق قياسًا بحجم الخبرة وجودة الأسماء في صفوف الروخيبلانكوس.
هذه الهزيمة لا تبدو مجرد تعثر عابر في مباراة نهائية، بل حلقة جديدة في سلسلة ممتدة من الإخفاق في حصد البطولات الكبرى، تطرح تساؤلات حادة حول جدوى استمرار المشروع الفني لسيميوني، خاصة في ظل الميزانيات الضخمة المتاحة له، وقيمة راتبه الفلكي، وقوة قائمته في كل مركز.
حصيلة الألقاب.. نجاحات لا تكفي
من الناحية الرقمية البحتة، لا يمكن إنكار أن سيميوني غيّر وجه أتلتيكو مدريد منذ وصوله في ديسمبر 2011، إذ قاد الفريق لتحقيق مجموعة مهمة من الألقاب أنهت سنوات من الجفاف وأعادت النادي إلى الواجهة المحلية والقارية.
فقد نجح المدرب الأرجنتيني في قيادة أتلتيكو إلى لقب الدوري الإسباني مرتين في موسمي 2013–2014 و2020–2021، ليكسر هيمنة ريال مدريد وبرشلونة على الليجا ويثبت أن هناك "قطبًا ثالثًا" حقيقيًا في الكرة الإسبانية.
وعلى الصعيد الأوروبي، حصد سيميوني لقبين في الدوري الأوروبي في نسختي 2011–2012 و2017–2018، إلى جانب لقبين في كأس السوبر الأوروبي عامي 2012 و2018، وهي إنجازات كرّست صورة أتلتيكو كفريق قاري قادر على مقارعة الكبار في المناسبات الكبرى.
محليًا أيضًا، توج أتلتيكو تحت قيادته بكأس ملك إسبانيا 2012–2013 بعد انتصار تاريخي على ريال مدريد، كما أضاف لقب السوبر الإسباني 2014 إلى خزانة النادي، لتصل حصيلته الإجمالية مع الفريق إلى نحو 8 ألقاب بين محلية وقارية.
لكن عند وضع هذه الألقاب في سياق مدة بقائه التي بلغت 15 عامًا، وحجم الإنفاق، واستقرار البيئة المحيطة، يتضح أن العائد البطولي أقل كثيرًا مما كان ممكنًا، وأن الفريق أهدر العديد من الفرص الذهبية لزيادة رصيده من الكؤوس والألقاب الكبرى.
- إعلانإعلان
Getty Imagesأزمة الأمتار الأخيرة
المعضلة الأكثر إلحاحًا في مسيرة سيميوني مع أتلتيكو ليست في غياب الألقاب بشكل مطلق، بل في العجز عن الحسم في أكبر اللحظات؛ حيث تحوّل الفريق إلى نموذج لفريق يصل كثيرًا إلى عتبة المجد، ثم يسقط في الخطوة الأخيرة.
ففي دوري أبطال أوروبا، قاد سيميوني أتلتيكو إلى نهائيين تاريخيين في غضون ثلاثة مواسم، لكنه خسرهما على يد الجار اللدود ريال مدريد؛ الأول في نهائي 2013–2014 عندما تلقى الفريق هدفًا قاتلًا في الدقائق الأخيرة قبل أن ينهار في الوقت الإضافي، والثاني في نهائي 2015–2016 بركلات الترجيح بعد تعادل مثير.
هذه الخيبات القارية تركت أثرًا عميقًا في صورة سيميوني كمدرب "لا يعرف كيف يُنهي القصة"، خاصة مع تكرار نمط الأداء التحفظي المبالغ فيه في النهائيات والأدوار الإقصائية، على حساب استثمار الجودة الفنية للاعبيه في الثلث الأخير من الملعب.
وإذا أضفنا إلى ذلك خسائر متفرقة في نهائيات أو مباريات حاسمة في الكؤوس المحلية والسوبر، وآخرها السقوط أمام ريال سوسيداد في نهائي كأس الملك 2026، تتشكل لوحة تُظهر مدربًا نجح في بناء فريق تنافسي، لكنه فشل مرارًا في ترجمة هذا التنافس إلى بطولات مستمرة ومتجددة.
راتب فلكي لا يوازي الحصاد
من بين أكثر النقاط إثارة للجدل في ملف سيميوني، حقيقة أنه يتقاضى أعلى راتب لمدرب بين كل كبار أوروبا، حيث إنه يحصل 33 مليون يورو سنويا مع أتلتيكو مدريد، ليعتلي قائمة الأغلى متقدمًا على أسماء مثل بيب جوارديولا وآخرين من أصحاب المشاريع المتخمة بالألقاب.
هذا الرقم الضخم يضع المدرب الأرجنتيني في خانة خاصة: راتب مدرب بطل أوروبا والعالم، مقابل سجل بطولات لا يعكس هذه المكانة المالية.
وعندما يدفع نادٍ بحجم أتلتيكو هذا الكم من الأموال لمدرب واحد، تصبح المساءلة عن العائد الرياضي أمرًا منطقيًا، خصوصًا عندما يمر الفريق بمواسم كاملة دون لقب كبير، أو يخرج مبكرًا من دوري الأبطال، أو يخسر نهائيًا محليًا أمام منافسين أقل في القيمة السوقية والخبرة.
وبذلك يتحول راتب سيميوني من علامة على الثقة فيه، إلى حجر زاوية في خطاب المنتقدين الذين يرون أن النادي لا يحصل على "قيمة مضافة" توازي هذا الاستثمار الضخم في المدير الفني.
- إعلانإعلان
قائمة تنافسية على أعلى مستوى
الحديث عن فشل سيميوني في حصد البطولات لا يمكن فصله عن قائمة اللاعبين التي يملكها، والتي لم تعد بأي حال من الأحوال محدودة أو متواضعة كما كان الحال في السنوات الأولى لمشروعه.
في المواسم الأخيرة، وصل أتلتيكو إلى مرحلة أصبح فيها يمتلك بديلًا جيدًا أو مميزًا في كل مركز تقريبًا؛ حيث لديه قلوب دفاع قادرة على اللعب في أعلى مستوى، وأجنحة تجيد صناعة الفارق، ومهاجمون متنوعو القدرات بين القوة البدنية والسرعة والإنهاء أمام المرمى.
وصل الأمر لدرجة أن تقارير صحفية أوروبية عديدة وصفت سيميوني في الآونة الأخيرة بأنه "يملك ربما أكثر قائمة موهوبة في تاريخه مع النادي"، خاصة بعد سلسلة من التعاقدات المميزة أبرز جوليان الفاريز، إلى جانب استمرار لاعبين أصحاب خبرة كبيرة مثل يان أوبلاك وكوكي وخوسيه خيمينيز.
في هذا السياق، يصبح من الصعب تبرير اقتراب خروج الفريق من موسم مثل 2025–2026 بلا ألقاب كبرى، خصوصًا عندما تتزامن قوة القائمة مع معاناة منافسين مباشرِين مثل برشلونة ماليًا وإداريًا، أو مرور ريال مدريد بفترات تجديد في بعض المراكز.
وإذا كان أتلتيكو لا يزال يحافظ على حظوظه في دوري أبطال أوروبا عقب النجاح في إقصاء برشلونة من الدور ربع النهائي، لكن تاريخ سيميوني في هذه المناسبات لا يمنح الروخيبلانكوس الكثير من التفاؤل.
اقرأ أيضا
ليس كاسادو.. أتلتيكو مدريد يرفض نجم برشلونة
سيميوني: دفعنا ثمن مواجهة برشلونة.. وضميري مرتاح عقب الخسارة
Getty Imagesإنفاق يتفوق على ريال وبرشلونة
من الحجج التي تتهاوى بقوة أمام الأرقام، الادعاء بأن أتلتيكو أقل إنفاقًا أو أقل قدرة مالية من برشلونة وريال مدريد، ففي السنوات الأخيرة تحديدًا، تحول النادي إلى أحد أكثر الأندية إنفاقًا في أوروبا.
منذ جائحة كورونا، تشير التحليلات المالية إلى أن أتلتيكو مدريد أنفق حوالي 616.7 مليون يورو على الصفقات، أي أكثر بنحو 161.6 مليون يورو من برشلونة، وأكثر بحوالي 145 مليون يورو من ريال مدريد في نفس الفترة، وهو فارق ضخم يكشف حجم الرهان الإداري على المشروع الرياضي الحالي.
ورغم أن النادي حقق دخلًا مهمًا من بيع اللاعبين يقارب 350.8 مليون يورو في تلك السنوات، فإن صافي الإنفاق ظل سالبًا بنحو -265.9 مليون يورو، وهو أكبر عجز بين الأندية الثلاثة، ما يعني أن أتلتيكو أنفق عمليًا أكثر من ريال مدريد وبرشلونة عند احتساب الفارق بين الشراء والبيع.
وإذا عرضنا أرقام أخرى توثق أن إجمالي إنفاق أتلتيكو على التعاقدات منذ منتصف العقد الماضي يقترب من 1.16 مليار يورو، مقابل حوالي 996 مليون يورو فقط لريال مدريد في الفترة نفسها، تتضح الصورة أكثر بأن الروخيبلانكوس لم يعودوا الطرف الفقير في سباق الصفقات.
كل هذه الأرقام تجعل من الصعب قبول فكرة أن سيميوني يعمل في ظروف مالية أقل من منافسيه؛ بل على العكس، لقد حظي بدعم مالي استثنائي يسمح له بتجديد دماء الفريق في كل خط، دون أن ينعكس ذلك على رصيد البطولات بما يوازي هذا الإنفاق.
- إعلانإعلان
فلسفة تكتيكية لا تصنع بطلا
جانب آخر من الانتقاد الموجه لسيميوني يتعلق بـ فلسفته التكتيكية التي اشتهر بها؛ كرة دفاعية منظمة، ضغط بدني عالٍ، صلابة جماعية، والرهان على التحولات السريعة.
هذه الوصفة منحت أتلتيكو في بدايات المشروع هوية واضحة وقدرة على مقارعة الأثرياء رغم الفوارق، لكنها مع مرور الوقت ومع تطور كرة القدم الأوروبية، باتت في نظر كثيرين أقل ملاءمة لقائمة مليئة باللاعبين المبدعين القادرين على اللعب في منظومات هجومية أكثر جرأة.
الانتقادات تتركز على أن سيميوني لم يطوّر منظومته الهجومية بما يتناسب مع جودة العناصر المتاحة، وأنه لا يزال يميل في المباريات الكبيرة إلى خيارات حذرة، تخنق القدرات الفردية وتمنح الأفضلية لخصوم أكثر جرأة في الهجوم.
ومع تكرار هذا النمط في النهائيات والمباريات الإقصائية، ترسخ الانطباع بأن أتلتيكو فريق "صعب المراس" لكنه ليس فريق "بطل"؛ يصمد كثيرًا، لكنه كثيرًا أيضًا ما ينهار عند لحظة الحسم عندما يحتاج إلى مبادرة هجومية واضحة.
هل استمتعت بهذه القصة؟
أضف Kooora كمصدر مفضل على جوجل للاطلاع على المزيد من تقاريرنا
قد يعجبك أيضاً

.jpg?quality=60&auto=webp&format=pjpg&width=317)

.jpg?quality=60&auto=webp&format=pjpg&width=317)