إعلان
إعلان
main-background

من هزيمة الأرجنتين إلى حلم المستقبل.. هل تنجح مصر في استنساخ النموذج النرويجي؟

كريم مليم
11 يوليو 202607:47
مصر- النموذج النرويجيchatgpt

رغم مرارة الخروج أمام الأرجنتين في دور الـ16 من كأس العالم 2026، فإن المنتخب المصري غادر البطولة مرفوع الرأس بعدما قدم واحدة من أفضل مشاركاته العالمية منذ سنوات، ونجح في تجاوز دور المجموعات، وفرض نفسه منافسًا صعبًا أمام أحد أبرز المرشحين للقب. لكن بعيدًا عن نتيجة المباراة، فرضت البطولة سؤالًا أكبر على الكرة المصرية: كيف يمكن الحفاظ على هذا التطور، وتحويله إلى مشروع مستدام يصنع أجيالًا قادرة على المنافسة مع كبار العالم؟

الإجابة قد لا تكون في أمريكا الجنوبية أو أوروبا الغربية، وإنما في شمال القارة الأوروبية، حيث نجحت النرويج في كتابة واحدة من أكثر القصص إلهامًا في كرة القدم الحديثة.

فالدولة التي لا يتجاوز عدد سكانها خمسة ملايين ونصف المليون نسمة، والتي ظلت غائبة عن كأس العالم منذ نسخة فرنسا 1998، تحولت خلال سنوات قليلة إلى أحد أبرز منتخبات البطولة، بعدما أطاحت بالبرازيل وبلغت ربع النهائي، معتمدة على مشروع طويل الأمد لم يبدأ مع إيرلينج هالاند أو مارتن أوديجارد، بل قبل ظهورهما بسنوات طويلة.

وبينما تنشغل العديد من الدول بالبحث عن "النجم القادم"، كانت النرويج تعمل على بناء منظومة كاملة قادرة على إنتاج النجوم باستمرار، وهو ما يجعل تجربتها نموذجًا يستحق الدراسة بالنسبة لمصر، التي تمتلك قاعدة جماهيرية ضخمة ومواهب لا تقل عن كثير من الدول الأوروبية، لكنها لا تزال تبحث عن مشروع طويل المدى يحول هذه الإمكانات إلى إنجازات ثابتة.

إعلان
  • Iraq v Norway: Group I - FIFA World Cup 2026Getty Images

    النرويج لم تصنع هالاند فقط.. بل صنعت منظومة كاملة

    عندما يتحدث المتابعون عن المنتخب النرويجي، فإن أول ما يتبادر إلى الأذهان هو إيرلينج هالاند، أحد أفضل المهاجمين في العالم، أو مارتن أوديجارد، قائد آرسنال والعقل المفكر في وسط الملعب. لكن الحقيقة أن نجاح النرويج لا يمكن اختزاله في لاعبين استثنائيين.

    فالمنتخب الذي يخوض منافسات كأس العالم يضم 17 لاعبًا من أصل 26 ينشطون في أقوى أربعة دوريات أوروبية، وهو رقم يعكس حجم العمل الذي قامت به الكرة النرويجية خلال العقدين الماضيين.

    والأهم من ذلك أن أغلب هؤلاء اللاعبين تخرجوا من المنظومة نفسها، وتلقوا التدريب وفق فلسفة واحدة منذ سنواتهم الأولى، وهو ما منح المنتخب شخصية واضحة وهوية كروية ثابتة، وذلك حسبما أفادت هيئة الإذاعة البريطانية "بي بي سي" .

    هذه المنظومة لم تعتمد على الصدفة، وإنما جاءت نتيجة خطة استراتيجية بدأت مع مطلع الألفية الجديدة، عندما أدرك الاتحاد النرويجي لكرة القدم أن استمرار الغياب عن البطولات الكبرى لن يتغير إلا بإعادة بناء اللعبة بالكامل، بدءًا من الطفل الذي يركل الكرة لأول مرة، وصولًا إلى المنتخب الأول.

    ولطالما ارتبط اسم النرويج بالرياضات الشتوية، سواء التزلج أو البياثلون أو القفز على الجليد، بينما ظلت كرة القدم في المرتبة الثانية لسنوات طويلة. لكن مع بداية الألفية، اتخذ الاتحاد النرويجي قرارًا استراتيجيًا بتغيير هذه المعادلة.

    لم يكن الهدف مجرد التأهل إلى البطولات الكبرى، بل تحويل كرة القدم إلى الرياضة الأكثر انتشارًا بين الأطفال، وإزالة جميع العقبات التي تمنعهم من ممارستها على مدار العام.

    وكانت العقبة الأولى واضحة للجميع: الطقس. فالشتاء الطويل والثلوج الكثيفة كانا يعنيان توقف النشاط الكروي لعدة أشهر كل عام، وهو ما يحد من تطور اللاعبين مقارنة بنظرائهم في الدول الأوروبية الأخرى. ومن هنا جاءت أولى خطوات الثورة الكروية.

  • إعلان
    إعلان
  • FBL-WC-2026-TRAINING-NORGetty Images

    العشب الصناعي.. القرار الذي غيّر مستقبل الكرة النرويجية

    قد يبدو الأمر بسيطًا، لكن الاستثمار في الملاعب كان نقطة التحول الحقيقية. فبين عامي 2000 و2010 بدأت النرويج تنفيذ خطة واسعة لإنشاء ملاعب ذات عشب صناعي في مختلف المدن والقرى، ثم تسارع المشروع بصورة أكبر خلال السنوات التالية.

    وخلال الفترة بين 2016 و2025 وحدها، تم إنشاء 539 ملعبًا جديدًا، إلى جانب تجديد 586 ملعبًا آخر. هذه الأرقام لم تكن مجرد استثمارات في البنية التحتية، بل كانت استثمارًا مباشرًا في مستقبل اللاعبين.

    فبدلًا من التوقف عن التدريب طوال الشتاء، أصبح بإمكان الأطفال اللعب يوميًا في ظروف مثالية، بغض النظر عن الأمطار أو الثلوج أو درجات الحرارة المنخفضة.

    ويرى هاكون جروت لاند، رئيس قسم تطوير اللاعبين في الاتحاد النرويجي، أن هذا القرار غيّر كل شيء. ويقول: "تحولت كرة القدم من رياضة صيفية إلى رياضة تُمارس طوال العام. سابقًا كنا نتدرب فوق الجليد وعلى ملاعب سيئة للغاية، أما اليوم فأصبح بإمكان أي طفل أن يتدرب في أفضل الظروف خلال جميع فصول السنة">

  • FBL-WC-2026-PRESSER-NORGetty Images

    درس يجب أن تتوقف عنده الكرة المصرية

    قد تبدو المقارنة غريبة للوهلة الأولى. فمصر لا تعاني من الثلوج أو الطقس القاسي، لكنها تواجه مشكلة مختلفة لا تقل تأثيرًا. فرغم وجود آلاف مراكز الشباب والأندية، لا تزال جودة الملاعب متفاوتة بصورة كبيرة، خاصة خارج المدن الكبرى. كما أن العديد من المواهب في المحافظات لا تجد بيئة تدريب تضاهي تلك الموجودة داخل الأكاديميات الكبرى.

    ومن هنا تبدو التجربة النرويجية ملهمة. فالنجاح لم يبدأ بالبحث عن المدرب الأجنبي أو اللاعب المحترف، وإنما بدأ بتوفير ملعب جيد يستطيع الطفل أن يتدرب عليه كل يوم.

    ولعل هذا هو الدرس الأول الذي يمكن أن تستفيد منه الكرة المصرية بعد مونديال 2026: الاستثمار في الملاعب ليس مشروعًا إنشائيًا، بل مشروع لصناعة اللاعبين.

    ولم يقتصر تأثير العشب الصناعي على زيادة ساعات التدريب فقط، بل امتد إلى تغيير فلسفة الكرة النرويجية بالكامل. ففي التسعينيات، اشتهرت النرويج بأسلوب دفاعي مباشر يعتمد على الكرات الطويلة والالتحامات البدنية.

    لكن اللعب المستمر على ملاعب حديثة ذات جودة ثابتة ساعد اللاعبين على تطوير مهاراتهم الفنية، وأصبح الاستحواذ والتمرير السريع واللعب الأرضي جزءًا من هوية المنتخب.

    ولم يكن ظهور لاعب مثل مارتن أوديجارد مجرد مصادفة، بل كان نتيجة طبيعية لبيئة تدريب تشجع على الإبداع، وتمنح اللاعب حرية تطوير مهاراته منذ الصغر.

    في المقابل، لا تزال الكرة المصرية تمتلك واحدة من أفضل المدارس المهارية في أفريقيا، لكنها تحتاج إلى بيئة أكثر تطورًا للحفاظ على هذه الموهبة وصقلها، خصوصًا في المراحل السنية المبكرة.

  • إعلان
    إعلان
  • هل استمتعت بهذه القصة؟

    أضف Kooora كمصدر مفضل على جوجل للاطلاع على المزيد من تقاريرنا

    تابع Kooora على جوجل
  • Brazil v Norway: Round of 16 - FIFA World Cup 2026Getty Images

    المال وحده لا يصنع النجاح.. لكن حسن توظيفه يصنع الفارق

    تمتلك النرويج واحدًا من أقوى الاقتصادات في العالم بفضل ثروتها النفطية، لكنها لم تعتمد على أموال الدولة وحدها لتطوير الرياضة. بل ابتكرت نموذجًا مختلفًا يقوم على تخصيص جزء كبير من عائدات شركة المراهنات الحكومية "نورسك تيبينج" لدعم المنشآت الرياضية.

    وتقوم الشركة بتحويل نحو 64% من أرباحها إلى القطاع الرياضي، فيما يذهب الجزء الأكبر إلى إنشاء الملاعب وتمويل المشروعات الخاصة بالأندية المحلية. وفي عام 2026 وحده، تجاوزت قيمة ما تم ضخه في المنشآت الرياضية ملياري كرونة نرويجية.

    وهنا يظهر درس آخر يمكن لمصر الاستفادة منه، وهو ضرورة إيجاد مصادر تمويل مستدامة لتطوير كرة القدم، بحيث لا تعتمد المشروعات بالكامل على الميزانيات الحكومية أو دعم الأندية، بل على منظومة اقتصادية تضمن استمرار الاستثمار في القواعد، لأنها تمثل الأساس الحقيقي لأي نهضة كروية.

    وإذا كان العشب الصناعي قد وفر البيئة المناسبة لممارسة كرة القدم طوال العام، فإن الاتحاد النرويجي أدرك أن الملاعب وحدها لن تصنع لاعبين عالميين، وأن الاستثمار الحقيقي يجب أن يبدأ من الشخص الذي يقف داخل الملعب مع الأطفال كل يوم: المدرب.

    ولهذا، شهدت الفترة بين عامي 2010 و2020 ما وصفه مسؤولو الاتحاد النرويجي بـ"ثورة التدريب". ولم يكن المقصود استقدام أسماء عالمية أو مدربين أصحاب سير ذاتية كبيرة، بل إنشاء منظومة تعليمية موحدة لتأهيل المدربين العاملين في مختلف أنحاء البلاد.

    فالطفل الذي يبدأ اللعب في قرية صغيرة شمال النرويج يتلقى المبادئ نفسها التي يحصل عليها لاعب في العاصمة أوسلو، لأن جميع المدربين يعملون وفق فلسفة تدريبية واحدة، تضع تطوير اللاعب قبل الفوز بالمباريات.

    وهنا يكمن أحد أبرز الفوارق مع كثير من الدول، إذ لا يصبح مستقبل اللاعب مرتبطًا باسم المدرب أو النادي، بل بمنهج واضح يطبقه الجميع.

    وبالنسبة لمصر، فإن هذا الدرس لا يقل أهمية عن تطوير الملاعب. فامتلاك آلاف المدربين لا يعني بالضرورة امتلاك منظومة ناجحة، بينما قد يؤدي توحيد فلسفة إعداد المدربين إلى تقليص الفجوة بين الأندية والأكاديميات ومراكز الشباب، بما يضمن خروج اللاعبين بأساس فني وتكتيكي متقارب.

  • Brazil v Norway: Round of 16 - FIFA World Cup 2026Getty Images

    "مدرسة المنتخبات الوطنية".. المشروع الذي غيّر كل شيء

    بعد الإخفاق في التأهل إلى بطولة أمم أوروبا 2012، لم يكتفِ الاتحاد النرويجي بتغيير المدرب أو البحث عن حلول مؤقتة، بل قرر إعادة بناء منظومة تطوير المواهب بالكامل. ومن هنا وُلد برنامج "مدرسة المنتخبات الوطنية" (NTS) عام 2013.

    ورغم اسمه، فإن البرنامج ليس أكاديمية مركزية، ولا يجمع جميع المواهب في مكان واحد، وإنما يمثل شبكة وطنية تربط أندية القواعد بالأندية الكبرى والاتحاد، بحيث يعمل الجميع وفق أهداف ومعايير موحدة.

    هذه المنظومة تضمن متابعة اللاعب منذ سنواته الأولى، مع تقييم مستمر لتطوره، دون أن يشعر بأنه انتقل من بيئة إلى أخرى أو اضطر لتغيير أسلوب لعبه في كل مرحلة.

    وتكشف الأرقام حجم تأثير هذا المشروع؛ فمن بين اللاعبين الذين شاركوا في الفوز التاريخي على البرازيل في دور الـ16، سبق لـ14 لاعبًا تمثيل منتخبات الشباب، بينما انضم 11 منهم إلى برنامج NTS منذ مرحلتي تحت 15 أو تحت 16 عامًا. بمعنى آخر، فإن العمود الفقري للمنتخب الأول تخرج من المشروع نفسه.

    ومن أكثر الأفكار تميزًا في التجربة النرويجية أنها لا تؤمن بما يسمى "اللاعب المعجزة" في سن الثامنة أو التاسعة. فبينما تتسابق أكاديميات الأندية الكبرى في كثير من الدول لاختيار الأطفال في أعمار مبكرة، يبقى اللاعب النرويجي داخل ناديه المحلي حتى يبلغ الثانية عشرة تقريبًا.

    والسبب بسيط. فالطفل الذي يبدو عاديًا في العاشرة قد يصبح الأفضل في الخامسة عشرة، والعكس صحيح. ولهذا لا يغلق الاتحاد النرويجي الباب أمام أي لاعب في سن مبكرة، بل يمنحه الوقت الكافي للنمو بدنيًا وفنيًا ونفسيًا. هذه الفلسفة تقلل الضغوط على الأطفال، وتحافظ على شغفهم باللعبة، كما تمنع خسارة مواهب ربما تتأخر في النضج مقارنة بأقرانها.

    أما في مصر، فكثيرًا ما يخرج لاعبون من حسابات الأندية في أعمار صغيرة، قبل أن تثبت السنوات اللاحقة أنهم كانوا يستحقون فرصًا أكبر. ولذلك، فإن مراجعة آليات اكتشاف المواهب قد تكون خطوة ضرورية إذا أرادت الكرة المصرية تعظيم الاستفادة من قاعدة اللاعبين الكبيرة التي تمتلكها.

  • إعلان
    إعلان
  • FBL-WC-2026-EUR-QUALIFIER-NOR-MDAGetty Images

    أندية القواعد.. البطل الحقيقي في القصة

    قبل انطلاق كأس العالم، التقط لاعبو المنتخب النرويجي صورة جماعية أثارت اهتمام وسائل الإعلام. لم يرتدِ اللاعبون قمصان أنديتهم الحالية، بل ارتدى كل منهم قميص النادي الذي بدأ فيه أولى خطواته في كرة القدم.

    لم تكن الصورة مجرد لقطة دعائية، بل رسالة واضحة. فالنجاح يبدأ من أندية القواعد. ولهذا يحرص الاتحاد النرويجي على دعم تلك الأندية ماديًا وفنيًا، باعتبارها الحلقة الأولى في صناعة اللاعب.

    ولا تنظر الأندية الكبرى إلى أندية القواعد باعتبارها منافسًا، بل شريكًا في عملية التطوير، وهو ما يخلق منظومة متكاملة تعمل فيها جميع الأطراف نحو الهدف نفسه.

    وفي مصر، تمتلك مراكز الشباب والأندية الشعبية إمكانات كبيرة لاكتشاف المواهب، لكنها تحتاج إلى دعم فني وتنظيمي أكبر، وربطها بشكل أكثر فاعلية مع الاتحاد والأندية المحترفة.

    أوديجارد غيّر فلسفة الاتحاد بأكملها

    يروي هاكون جروت لاند قصة لافتة عن مارتن أوديجارد. فعندما شاهده لأول مرة وهو في الحادية عشرة من عمره، أدرك أنه أمام موهبة استثنائية لم يرَ مثلها من قبل.

    لكن ما لفت انتباهه لم يكن المهارة فقط، بل الطريقة التي كان يتعامل بها الطفل مع كرة القدم. كان يتدرب لساعات إضافية، ويبحث باستمرار عن التطور، ويتعامل مع اللعبة بشغف ومسؤولية أكبر من عمره.

    هذه التجربة دفعت الاتحاد النرويجي إلى إعادة تعريف مفهوم "الموهبة". فبدلًا من التركيز على السرعة أو القوة البدنية أو المهارة الفردية، أصبح السؤال الأول هو: هل يحب هذا اللاعب كرة القدم بما يكفي ليطور نفسه كل يوم؟ ومن هنا أصبحت الشخصية، والانضباط، والرغبة في التعلم، عناصر رئيسية في تقييم اللاعبين.

    حتى هالاند لم يكن الأفضل في طفولته

    قد تبدو هذه المعلومة مفاجئة. إيرلينج هالاند، أحد أفضل مهاجمي العالم، لم يكن يعتبر أفضل لاعب في فئته العمرية عندما انضم إلى معسكرات المنتخبات الوطنية في الرابعة عشرة.

    ولهذا يرفض الاتحاد النرويجي إصدار أحكام مبكرة على اللاعبين. فالهدف ليس اختيار أفضل طفل في عمر 13 عامًا، وإنما إنتاج أفضل لاعب عندما يبلغ 22 أو 23 عامًا.

    وهذا التفكير طويل المدى منح كثيرًا من اللاعبين فرصة التطور بعيدًا عن الضغوط، قبل الوصول إلى المنتخب الأول.

    وهو درس مهم للكرة المصرية، التي تحتاج إلى التحلي بالصبر في التعامل مع المواهب، ومنحها الوقت الكافي للنضج بدلًا من البحث الدائم عن النتائج السريعة.

  • Australia v Egypt: Round of 32 - FIFA World Cup 2026Getty Images

    الفريق أهم من أي نجم

    ورغم امتلاك النرويج نجمًا عالميًا مثل هالاند، وقائدًا بحجم أوديجارد، فإن الفلسفة التي يزرعها برنامج NTS تقوم على أن لا أحد أكبر من الفريق. ولهذا يركز المدربون منذ المراحل السنية على التعاون، والالتزام، والانضباط، وتحمل المسؤولية الجماعية.

    ولا ينظر اللاعب إلى نفسه باعتباره مشروع نجم، بل جزءًا من منظومة متكاملة، وهو ما انعكس بوضوح على أداء المنتخب في كأس العالم. فعندما أقصى البرازيل من دور الـ16، لم يكن الانتصار نتيجة تألق لاعب واحد، بل ثمرة أداء جماعي منظم، نجح في تحييد الفوارق الفردية.

    ماذا يمكن أن تتعلم مصر؟

    بعد الوصول إلى دور الـ16 في كأس العالم، أصبح أمام الكرة المصرية فرصة نادرة للبناء على ما تحقق، بدلًا من الاكتفاء بالاحتفال بالمشاركة. فالنجاح الحقيقي لا يقاس بالتأهل إلى بطولة واحدة، وإنما بالقدرة على التواجد باستمرار بين أفضل المنتخبات.

    وهنا تقدم التجربة النرويجية مجموعة من الدروس الواضحة: "الاستثمار في المدرب لا يقل أهمية عن الاستثمار في اللاعب، توحيد فلسفة العمل بين الاتحاد والأندية وأندية القواعد، تطوير البنية التحتية في جميع المحافظات، وليس في المدن الكبرى فقط".

    علاوة على "منح الأطفال وقتًا أطول للنمو، دون استبعادهم مبكرًا، الاهتمام بالشخصية والانضباط والشغف، إلى جانب المهارات الفنية، اعتبار أندية القواعد الشريك الأول في صناعة المواهب، وليس مجرد مرحلة مؤقتة".

  • إعلان
    إعلان
  • Australia v Egypt: Round of 32 - FIFA World Cup 2026Getty Images

    هل تستطيع مصر استنساخ التجربة النرويجية؟

    قد يكون من السهل النظر إلى التجربة النرويجية باعتبارها نموذجًا أوروبيًا يصعب تطبيقه في مصر بسبب اختلاف الظروف الاقتصادية والاجتماعية والجغرافية، لكن التمعن في تفاصيل المشروع يكشف أن سر النجاح لم يكن في عدد السكان أو حجم الثروة النفطية، وإنما في وضوح الرؤية واستمرارية العمل.

    فالنرويج لم تبدأ مشروعها وهي تملك هالاند أو أوديجارد، ولم تستيقظ فجأة لتجد نفسها بين أفضل منتخبات العالم، بل وضعت خطة طويلة المدى، استهدفت تطوير البنية التحتية، وتأهيل المدربين، وتوحيد فلسفة العمل، ومنح الأطفال الوقت الكافي للنمو، ثم التزمت بتنفيذها عامًا بعد آخر، بعيدًا عن ضغوط النتائج السريعة أو تغيير الخطط مع كل إخفاق.

    فعلى مدار العقود الماضية، أثبتت الكرة المصرية أنها قادرة على إنتاج لاعبين من الطراز الرفيع، سواء على المستوى المحلي أو في الملاعب الأوروبية. لكن المشكلة لم تكن يومًا في ندرة المواهب، وإنما في عدم وجود منظومة تضمن استمرار إنتاجها بنفس الجودة.

    فغالبًا ما يرتبط نجاح المنتخب المصري بظهور جيل استثنائي أو لاعب عالمي، قبل أن تعود الأسئلة نفسها بعد سنوات: من سيكون الخليفة؟ وكيف سيتم تعويض النجوم بعد اعتزالهم؟

    في المقابل، لا تبني النرويج مشروعها على لاعب بعينه، بل على منظومة قادرة على إنتاج لاعب جديد كلما غادر آخر. وهذا هو الفارق بين بناء منتخب ناجح، وبناء كرة قدم ناجحة.

    لا يختلف اثنان على أن محمد صلاح يمثل أعظم لاعب في تاريخ الكرة المصرية الحديث، وأن تأثيره تجاوز حدود الملعب ليصبح مصدر إلهام لجيل كامل من اللاعبين. لكن التجربة النرويجية تطرح سؤالًا مهمًا: ماذا بعد النجم؟

    فالاتحاد النرويجي لم يربط مستقبله بهالاند أو أوديجارد، بل عمل على بناء قاعدة واسعة من اللاعبين القادرين على تعويض أي غياب، وهو ما يفسر وجود عدد كبير من المحترفين في أقوى الدوريات الأوروبية.

    أما في مصر، فإن التحدي الحقيقي يتمثل في استثمار وجود صلاح لبناء جيل جديد يسير على خطاه، لا الاكتفاء بالاعتماد على موهبته حتى نهاية مسيرته. فالأمم الكروية لا تُقاس بعدد النجوم، بل بقدرتها على إنتاج النجوم بصورة مستمرة.

  • Argentina v Egypt: Round of 16 - FIFA World Cup 2026Getty Images

    خريطة طريق للمستقبل

    إذا أراد اتحاد الكرة المصري الاستفادة من الدروس التي قدمتها النرويج، فإن البداية يجب أن تكون من مشروع يمتد لعشر سنوات على الأقل، لا يرتبط بتغيير مجلس إدارة أو جهاز فني.

    وتتلخص أبرز ملامح هذا المشروع في عدة محاور رئيسية:

    أولًا: تطوير الملاعب ومراكز التدريب في مختلف المحافظات، بما يضمن توفير بيئة مناسبة للأطفال في جميع أنحاء الجمهورية، وليس داخل الأندية الكبرى فقط.

    ثانيًا: إنشاء برنامج وطني موحد لتأهيل المدربين، بحيث يحصل جميع العاملين مع الفئات السنية على مناهج تدريبية حديثة، مع توحيد فلسفة اللعب بين المنتخبات والأندية.

    ثالثًا: إعادة تنظيم مسابقات الناشئين، بحيث يكون الهدف الأساسي هو تطوير اللاعب، وليس مجرد الفوز بالبطولات العمرية.

    رابعًا: توسيع قاعدة اكتشاف المواهب من خلال دعم مراكز الشباب، والأندية الشعبية، والمدارس، وربطها بشكل مباشر بالاتحاد.

    خامسًا: وضع معايير واضحة لتقييم اللاعبين، لا تعتمد فقط على القدرات البدنية والمهارية، بل تشمل أيضًا الانضباط، والشخصية، والقدرة على التعلم، والالتزام داخل وخارج الملعب.

    سادسًا: إعداد خطة واضحة لزيادة أعداد المحترفين في الدوريات الأوروبية، من خلال تطوير الأكاديميات، وتسهيل انتقال اللاعبين في السن المناسبة، بما يرفع من جودة المنافسة ويعود بالنفع على المنتخب الوطني.

  • إعلان
    إعلان
  • FBL-WC-2026-MATCH95-ARG-EGYGetty Images

    النجاح لا يبدأ من المنتخب الأول.. وفرصة لا تُهدر

    من الأخطاء الشائعة في كثير من الدول التركيز على المنتخب الأول باعتباره واجهة كرة القدم، بينما تؤكد التجربة النرويجية أن المنتخب ليس سوى المحطة الأخيرة في رحلة طويلة تبدأ من الطفل الذي يركض خلف الكرة في ناديه الصغير.

    فاللاعب الذي يسجل في كأس العالم، هو نفسه الذي وجد ملعبًا جيدًا ومدربًا مؤهلًا وبيئة مناسبة عندما كان في الثامنة أو التاسعة من عمره. ولهذا، فإن الاستثمار الحقيقي لا يكون في معسكرات المنتخب الأول أو التعاقد مع مدرب عالمي فقط، وإنما في السنوات التي تسبق وصول اللاعب إلى تلك المرحلة.

    لذلك رغم الخسارة أمام الأرجنتين في دور الـ16، فإن مشاركة منتخب مصر في كأس العالم 2026 حملت العديد من المؤشرات الإيجابية. فالفراعنة قدموا مستويات تنافسية أمام منتخبات كبيرة، وأثبتوا أنهم يمتلكون قاعدة يمكن البناء عليها. لكن التاريخ الكروي يعلمنا أن مثل هذه اللحظات قد تتحول إلى نقطة انطلاق، وقد تصبح أيضًا فرصة ضائعة إذا لم تتبعها خطوات عملية.

    فبعد كل بطولة كبرى، تبدأ الدول الناجحة في مراجعة تجربتها، وتحليل نقاط القوة والضعف، ووضع أهداف جديدة للدورة التالية، وهو ما فعلته النرويج بعد إخفاقها في التأهل إلى يورو 2012، عندما اختارت إعادة بناء المنظومة بدلًا من الاكتفاء بتغيير المدربين أو البحث عن حلول مؤقتة.

    ربما لا تستطيع مصر نسخ التجربة النرويجية بحذافيرها، فلكل دولة ظروفها وإمكاناتها وتحدياتها، لكن المبادئ التي قامت عليها تلك التجربة تظل قابلة للتطبيق في أي مكان.

    فكرة الاستثمار في القواعد، وتوحيد فلسفة التدريب، وتأهيل المدربين، والاهتمام بالشخصية قبل النتيجة، والعمل وفق خطة تمتد لسنوات، ليست أفكارًا مرتبطة بالنرويج وحدها، بل تمثل أساس نجاح معظم القوى الكروية الحديثة.

    ولهذا، فإن الاستفادة الحقيقية لا تكمن في تقليد التفاصيل، بل في تبني عقلية التخطيط طويل المدى، بعيدًا عن ردود الفعل المؤقتة.

إعلان