إعلان
إعلان
main-background

من التراب إلى البرنابيو والكامب نو: مراحل صناعة حكام الليجا.. وأين ينهار طريق الشفافية؟

أحمد عبد الحميد
16 فبراير 202602:43
حكام

وراء كل صافرة في مباريات الدوري الإسباني، رحلة معقدة لا يدركها كثيرون، تبدأ من درجات تحكيم دنيا وتنتهي في قمم الملاعب الكبرى، داخل منظومة تتحكم في الترقيات والهبوط والمستقبل المهني للحكام، وتثير أسئلة متزايدة حول العدالة والشفافية.

فلكي تصبح حكما من النخبة في كرة القدم الإسبانية، فالأمر لا يتطلب مجرد اجتياز دورة تدريبية أو ارتداء الزي الرسمي في عطلة نهاية الأسبوع، بل هو مسار شاق يبدأ من ملاعب ترابية في ضواحي المدن والقرى الصغيرة، حيث لا كاميرات ولا أضواء، ولا ينتظر صاحبه سوى اختبارات قاسية وتقييمات متلاحقة، قبل أن يصل في حالات نادرة واستثنائية إلى مواجهة ضغط عشرات الآلاف من الجماهير في معاقل بحجم سانتياجو برنابيو أو سبوتيفاي كامب نو.

وبين البداية الهامشية وتلك القمة الصاخبة، يمتد طريق طويل مليء بالقرارات الفنية والإدارية، وتدخلات اللجان، ومحطات التقييم التي لا تتسم بالشفافية المطلوبة دائما، ما يفتح باب التساؤلات على مصراعيه حول نزاهة آليات تصعيد الحكام إلى الدرجات الأعلى، وما إذا كانت الكفاءة وحدها كافية لوصول الحكم إلى إدارة مباريات الليجا.

إعلان
  • الملاعب الترابية ترسم طريق البداية

    رحلة الحكم الإسباني تبدأ في ملاعب الهواة الترابية والقرى الصغيرة، حيث لا أضواء ولا كاميرات، فقط قوانين صارمة واختبارات بدنية قاسية تهزم نحو 70% من المتقدمين.

    الاختبارات البدنية تمثل الحاجز الأول والأكثر صعوبة، فيجب على المتقدم قطع مسافة 100 متر من العدو في أقل من 14 ثانية، ثم الركض لمسافة كيلو متر في أقل من 5 دقائق، والقفز رأسيا أكثر من 50 سم، والقفز عرضيًا لأكثر من 4 أمتار.

    أما الجانب النظري، فيتطلب النجاح بنسبة 80% في 17 قانونا للعبة، مع مراعاة تحديثات قانون التحكيم السنوية، وبعدها يخوض المتدرب 5 مباريات تجريبية تحت المراقبة.

    وحال اجتياز كل هذه الاختبارات، يبدأ الطريق الفعلي.

    راتب الحكم في البداية يتراوح بين 50 و150 يورو لكل مباراة إقليمية، أي ما يعادل 2-5 آلاف يورو سنويا، لكن الإشكالية هي أن المدة المتوقعة للانتقال من المستوى الإقليمي إلى الثالث 2-4 سنوات، مع معدل ترقية لا يتجاوز 20-30% فقط من مجموع الحكام.

  • إعلان
    إعلان
  • الدرجة الثالثة الوطنية.. الاحتراف الجزئي أو التوقف للأبد

    بعد اجتياز 50 إلى 100 مباراة إقليمية بنجاح، والحصول على تقارير إيجابية من المراقبين، يصبح الحكم مؤهلا للترقية إلى الدرجة الثالثة الوطنية، حيث يبدأ الاحتراف الجزئي.

    هنا يرتفع الراتب لكل مباراة إلى 200-400 يورو، بما يعني إجمالي سنوي بين 10 و20 ألف يورو.

    لكن المتطلبات تزداد صعوبة، في ظل فرض تدريب أسبوعي إلزامي، واختبارات لياقة كل 6 أشهر، وضرورة الحصول على شهادة الأساسيات من الاتحاد الأوروبي لكرة القدم "يويفا".

    وهنا يتم تقييم الحكم على 15 معيارا، مثل التمركز في الملعب، إدارة الوقت، التعامل مع تقنية الفيديو، إدارة الاحتجاجات والهجمات الواعدة.

    وعند هذه المرحلة، 70% من الحكام يتوقفون إلى الأبد، بسبب الدرجات المنخفضة، في ظل آلية غير شفافة للتقييم، لا تطلع الحكام على تفاصيل درجاتهم بشكل كامل.

  • الدرجة الثانية.. الاحتراف الكامل وبوابة انهيار الشفافية

    بعد 20-30 مباراة في الدرجة الثالثة والحصول على شهادة متقدمة من يويفا، يصل الحكم إلى الدرجة الثانية، حيث يصبح الاحتراف كاملا.

    وهنا يتراوح الراتب الأساسي بين 120 و140 ألف يورو سنويا، إضافة إلى مكافآت لكل مباراة ميدانية، من 2800 إلى 3200 يورو، ومكافآت لحكام تقنية الفيديو بين 1500 - 200 يورو يورو.

    هذا يجعل إجمالي الدخل في الموسم الأول للحكم بالدرجة الثانية حوالي 188-242 ألف يورو.

    ورغم المكافآت الكبيرة، يظل التقييم السري سيفا معلقا على رقبة كل حكم.

    فالتقييم يشمل حضور مراقبين لكل مباراة، وإعطاء درجات (من 1 إلى 10) في 15 معيارا سريا لا يتم الإعلان عنها بشفافية، ما يفتح باب الشبهات في التصعيد إلى الليجا.

    وهنا لو حصل الحكم على درجات تراكمية في الموسم أقل من (7 من 10)، قد يتعرض لعقوبات متدرجة، منها الخصومات المالية وقد تصل إلى التهبيط لدرجات دنيا.

  • إعلان
    إعلان
  • هل استمتعت بهذه القصة؟

    أضف Kooora كمصدر مفضل على جوجل للاطلاع على المزيد من تقاريرنا

    تابع Kooora على جوجل
  • الليجا.. أموال طائلة وسيارات وشهرة

    الوصول إلى الليجا يمثل قمة الهرم، وهنا يقتصر الاختيار على 10 إلى 15 حكما سنويا، يحصل كل منهم على راتب أساسي يبلغ 167 ألف يورو، إضافة إلى حوالي 4800 يورو عن إدارة كل مباراة ميدانية، و2500 يورو عن المشاركة في غرفة الفار، مع حقوق صور تصل إلى ما يزيد عن 25 ألف يورو سنويا، ومكافآت خاصة لمباريات الكلاسيكو تتراوح بين 5 و10 آلاف يورو.

    مجموع هذه المكاسب يصل إلى نحو 264-300 ألف يورو سنويا لحكم الليجا، ليصبح هذا الراتب هو الأعلى بين حكام دوريات أوروبا الكبرى.

    الرفاهية التي يتمتع بها هؤلاء الحكام لا تقل عن حياة لاعبي الصف الثاني في الأندية الكبرى، فهم يحصلون على سيارات فاخرة من طراز أودي أو BMW، وإقامة في فنادق 5 نجوم، تأمين ضد الإصابات يصل إلى 500 ألف يورو، ومعاش بنسبة 18%، إلى جانب تذاكر VIP ودعم نفسي وقانوني كامل.

    ويحصل حكام الليجا على إلى ساعات GPS قيمة لمتابعة أدائهم، وأدوات فيديو بقيمة 8 آلاف يورو.

    كما ترفع شارات الفيفا الدولية من دخل الحكام بشكل إضافي، حيث يحصلون على 6 إلى 10 آلاف دولار لكل مباراة دولية يديرونها.

  • الجزء الأخطر.. الإدارة والتقييم

    تدير اللجنة الفنية للحكام في الاتحاد الإسباني لكرة القدم، كل ما يتعلق بالتحكيم، من تعيين الحكام في مسابقات الاتحاد إلى اقتراح أسماء الحكام الدوليين للفيفا، والإشراف الفني والإداري على مسارهم المهني.

    مع انطلاق موسم 2025–2026، تم تعيين فران سوتو رئيسا جديدا للجنة، مع فريق عمل يشمل فرناندو بوربالان كمسؤول فني أول، وبرييتو إجليسياس كمسؤول عن تقنية الفتر، مع تأسيس لجنة مستقلة للمسابقات الاحترافية تضم ممثلين عن الاتحاد ورابطة الليجا وحكما دوليا سابقا، لتتولى اختيار طواقم التحكيم للدرجتين الأولى والثانية.

    تشرف اللجنة على تقييم الحكام وفق 15 معيارا تشمل التمركز، إدارة الوقت، البطاقة الصفراء والحمراء، التعاون مع الفار، النزاهة، الشخصية، اللياقة، والقرارات التحكيمية.

     وهنا تبرز الإشكالية مجددا، فإعلان الدرجات يكون في نهاية الموسم لتحديد الترقيات أو الهبوط، بدون شرح وافي لتفاصيل هذا التقييم، ما يمثل غيابا للشفافية الكاملة.

  • إعلان
    إعلان
  • "أجواء ملوثة".. فما علاقة نيجريرا وبرشلونة وريال مدريد؟

    وصف إيتورالدي جونزاليس، حكم الليجا السابق والمحلل الحالي في برنامج "كاروسيل ديبورتيفو"، الأجواء المحيطة بالحكام الإسبان بأنها "ملوثة جدا"، مشيراً إلى أن الثقة في التحكيم الإسباني وصلت إلى أدنى مستوياتها.

    جونزاليس أشار مباشرة في تصريحاته إلى قضية نيجريرا التي أثارت الشكوك في نزاهة الحكام، في ظل التحقيق في مدفوعات بلغت 7.3 مليون يورو من برشلونة لنائب رئيس لجنة الحكام السابق، خوسيه ماريا إنريكيز نيجريرا، بين 2001 و2018.

    ورغم نفي الطرفين لأي مخالفات، فجرت القضية شكوكا عامة حول المنظومة التحكيمية.

    إيتورالدي أشار أيضاً إلى أن قناة ريال مدريد التلفزيونية تبث بانتظام مقاطع فيديو تركز على قرارات تحكيمية ضد الفريق، واصفا إياها بأنها "مقاطع متحيزة" تغذي شعور الجمهور بأن "الجميع ضدهم"، مع تجاهل "الأخطاء التي استفاد منها الفريق".

  • 13 مراقبا مجهولا!

    داخل منظومة التحكيم، لا تقل الأمور إثارة للجدل، فقد كشف تقرير لإذاعة "كادينا سير" عن وجود 13 مراقبا للحكام، يشاهدون المباريات عبر التليفزيون ويمنحون درجات على الأداء، دون الإعلان عن أسمائهم أو خبراتهم للجمهور أو حتى للحكام أنفسهم.

    إيتورالدي اعتبر أن المشكلة ليست مجرد وجود التقييم، بل عدم معرفة هوية المقيمين وما إذا كانت لديهم الخبرة الكافية، مما يتناقض مع شعار الشفافية الذي ترفعه لجنة الحكام.

  • إعلان
    إعلان
  • مقارنة البريميرليج والليجا.. شفافية مقابل غموض

    على عكس ما يحاول الاتحاد الإسباني تسويقه عبر حديثه عن نموذج شفاف لتقييم الحكام، تكشف مقارنة بسيطة مع إنجلترا عن فجوة كبيرة في المصداقية.

    ففي الليجا، كل شيء يحدث داخل أسوار اللجنة الفنية للحكام، من يعين هو نفسه من يقيم، وهو نفسه من يقرر الهبوط والترقية، في خلط صارخ.

    في المقابل، يعتمد البريميرليج على مراقب مستقل لكل مباراة، إلى جانب تقرير مندوب المباراة، واتجاه معلن لزيادة الشفافية في تعيين الحكام وبث حوارات الفار للجمهور، ما يجعل النقاش في إنجلترا يدور حول "كيف نكشف ما يجري داخل غرفة الفيديو؟"، بينما يدور في إسبانيا حول "كيف نعرف أصلا من الذي يمسك بورقة التقييم داخل الغرفة المغلقة؟".

  • منظومة متناقضة

    رحلة التحكيم الإسباني تكشف عن منظومة متناقضة، فمن اختبارات صعبة في ملاعب القرى إلى أضواء الاحتراف في الليجا، تدار القرارات خلف الأبواب مغلقة.

    التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي يحاولان رفع الكفاءة، لكن الفضائح القديمة وضغوط الإعلام والأندية تبقي الثقة في أدنى مستوياتها.

    في الإجمال فإن مقارنة بدوريات مثل البريميرليج، تظهر أن الشفافية والمساءلة الحقيقية ما زالت بعيدة، ليظل بذلك كل حكم، وكل قرار، تحت المجهر، وسط صراع مستمر بين الاحترافية المرجوة وغياب الوضوح.

  • إعلان
    إعلان
إعلان