إعلان
إعلان
main-background

ليست رقصة.. كيف منح طقس "الأوتشلو" السري صلاح هوية طرابزون في 10 ثوانٍ؟

مجدي عبيد
05 أغسطس 202611:32
FBL-TUR-SUPERLIG-TRABZONSPORGetty Images

لم تكن لحظة وصول النجم المصري محمد صلاح إلى تركيا مجرد استقبال لاعب جديد في مطار إسطنبول، حيث إن المشهد الذي وثقته عدسات الهواتف لعشرات الآلاف من الجماهير وهي تؤدي حركة إيقاعية موحدة مع صلاح، وكشف عن طقس تشجيعي أعمق من مجرد احتفال: "الأوتشلو". 

حركة جماعية تتجاوز كرة القدم لتصبح إعلان انتماء، ورسالة قبول لا تُمنح إلا لمن ترى فيه الجماهير التركية واحدًا منها.. فما هي "الأوتشلو"؟ وكيف تحولت من هتاف في مدرج إلى رمز للولاء الكروي في تركيا؟

إعلان
  • ما هي "الأوتشلو" Üçlü التي أداها محمد صلاح؟

    "الأوتشلو" Üçlü هي كلمة تركية تعني "الثلاثي" أو "الثلاثية"، لكنها في قاموس الكرة التركية لا تشير إلى رقصة فولكلورية أو فن تقليدي.. فهي طقس تشجيعي جماعي إيقاعي، يؤدى بالتناغم بين الجماهير واللاعبين في لحظات المفصل: بعد الانتصارات الكبيرة، حسم الألقاب، أو استقبال الصفقات التاريخية.

    أما عن آلية الأداء فتعتمد "الأوتشلو" على ثلاثة عناصر متزامنة، يمكن استعراضها على النحو التالي:

    الحركة: تصفيق إيقاعي موحد مع إيماءات جسدية متناسقة يقودها عادةً قائد المدرج أو أحد اللاعبين.

    الهتاف: عبارات حماسية قصيرة تختلف كلماتها من نادٍ لآخر لكنها تتفق في البنية الإيقاعية الثلاثية.

    التفاعل: تُؤدى بدعوة من الجماهير ويستجيب لها اللاعبون على أرض الملعب أو في الاحتفالات، في مشهد يذيب الحدود بين المدرج والمستطيل الأخضر.

    لذلك، يُنظر إلى مشاركة اللاعب في "الأوتشلو" على أنها أكثر من مجرد احتفال؛ هي توقيع ضمني على عقد الانتماء، وإعلان قبول من الجمهور بأن هذا اللاعب أصبح "ابن النادي".

  • إعلان
    إعلان
  • الجذور التاريخية.. من مدرجات بشكتاش إلى كل تركيا

    تعود ولادة "الأوتشلو" إلى مدرجات نادي بشكتاش في أواخر سبعينيات أو بداية ثمانينيات القرن الماضي. ويُنسب ابتكارها إلى أحد أبرز قادة التشجيع في تاريخ النادي، جنكيز أونجول Cengiz Öncül، المعروف بلقب "تاتافا جنكيز" Tatava Cengiz.

    وبحسب صحيفة "هابيرترك" التركية، ما بدأ كوسيلة لشحن المدرجات في ملعب "إينونو" تحول بسرعة إلى علامة مسجلة لجماهير بشكتاش "تشارشي" Çarşı. ومع مرور الوقت، تسللت "الأوتشلو" إلى ثقافة الأندية التركية الكبرى الأخرى، فتبناها غلطة سراي وفنربخشة وطرابزون سبور، مع تعديلات في الهتاف تتماشى مع هوية كل نادٍ وألوانه ورموزه.

    هذا الانتشار جعل "الأوتشلو" تتجاوز المحلية، حتى صنفتها مجلة "فرانس فوتبول" France Football ضمن قوائم أفضل الهتافات الجماهيرية تأثيرًا على مستوى العالم، كدليل على قوتها الرمزية وقدرتها على خلق أجواء استثنائية.

  • لماذا "الأوتشلو" ليست مجرد رقصة؟

    يكمن الخطأ الشائع في وصف "الأوتشلو" بأنها رقصة تقليدية أو فولكلورية في تجاهل جوهرها الوظيفي والرمزي. فالرقصة الفولكلورية بطبيعتها عمل فني له قواعد حركية ثابتة، ويُؤدى في سياقات ثقافية أو تراثية محددة بهدف التعبير عن هوية منطقة أو حقبة تاريخية. 

    أما "الأوتشلو" فهي تمارس بعفوية كاملة، ولا تخضع لمعايير جمالية أو فنية، بل لمعيار واحد فقط: تحقيق التزامن الإيقاعي بين آلاف الأشخاص في لحظة واحدة، وفيما يخص الاختلاف الثاني فهو يتعلق بسياق الممارسة، حيث إن الرقصات التقليدية تُقدم في المسارح والمهرجانات الثقافية كجزء من التراث اللامادي. 

    في المقابل، تولد "الأوتشلو" وتُؤدى حصريًا في البيئة التنافسية لكرة القدم، وتحديدًا في لحظات الذروة العاطفية: بعد هدف قاتل، أو عند التتويج بلقب، أو خلال استقبال صفقة جماهيرية. وظيفتها ليست توثيق الماضي، بل صناعة الحاضر المشحون بالحماس.

    وهنا تبرز النقطة الأهم: الهدف من الأداء. الرقصة الفولكلورية تعبر عن انتماء لجغرافيا أو ثقافة، بينما "الأوتشلو" تعبر عن ولاء لحظي ومكثف لكيان رياضي. 

    إنها لغة جسد جماعية اختزلت كل خطابات الانتماء في ثلاث حركات متزامنة. فعندما يستجيب اللاعب الجديد لدعوة الجماهير ويشاركهم الأداء، فهو لا يرقص، بل يوقع على ميثاق غير مكتوب مع المدرج، ويعلن أن الحاجز بينه وبين الجمهور قد سقط.

    لذلك، فإن تصنيف "الأوتشلو" كطقس تشجيعي جماعي هو الأدق. قوتها لا تأتي من جمال الحركة، بل من قدرتها على توحيد مشاعر آلاف الأشخاص في إيقاع واحد، وتحويل الفرد إلى جزء من كتلة واحدة تتنفس باسم النادي.

  • إعلان
    إعلان
  • هل استمتعت بهذه القصة؟

    أضف Kooora كمصدر مفضل على جوجل للاطلاع على المزيد من تقاريرنا

    تابع Kooora على جوجل
  • imago-sport-1080704670.jpgIMAGO

    محمد صلاح و"الأوتشلو".. اندماج من اللحظة الأولى

    عاد مصطلح "الأوتشلو" ليتصدر العناوين عالميًا، والسبب: محمد صلاح؛ ففور وصوله إلى مطار إسطنبول لإتمام انتقاله إلى طرابزون سبور، وجد النجم نفسه محاطًا بآلاف المشجعين الذين بدأوا في أداء "الأوتشلو". 

    اللافت لم يكن الهتاف فقط، بل استجابة صلاح الفورية. 

    واندمج محمد صلاح البالغ من العمر 34 عامًا اندمج في الحركة الإيقاعية وردد الهتاف مع الجماهير، في مشهد انتشر عالميًا.

    وفي الثقافة الكروية التركية، فإن مشاركة اللاعب الأجنبي في "الأوتشلو" منذ اليوم الأول لها دلالة، حيث تُعد "تضحية رمزية" من الجماهير بقبولها له، واستجابة اللاعب لها هي قبول للتحدي. صلاح اختصر شهورًا من بناء العلاقة مع المدرج بلحظة واحدة، وأرسل رسالة مفادها أنه لم يأتِ كمحترف عابر، بل كلاعب يريد أن يكون جزءًا من هوية طرابزون سبور.

    لذلك، "الأوتشلو" ليست مجرد ثلاث تصفيقات. هي دستور غير مكتوب في الملاعب التركية، واختبار ولاء صامت. من مدرجات بشكتاش قبل 50 عامًا، إلى مطار إسطنبول مع محمد صلاح اليوم، ظلت صيغة بسيطة للتعبير عن معنى معقد: كرة القدم في تركيا لا تُلعب بالأقدام فقط، بل تُعاش بالقلوب الموحدة. ومشاركة نجم بحجم صلاح فيها، تؤكد أن بعض الطقوس أقوى من أي عقد احتراف.

إعلان