إعلان
إعلان
main-background

قبضة ماريسكا وحرية كاريك.. سرّان متناقضان يحكمان ديربي مانشستر

كريم مليم
13 سبتمبر 202603:44
Manchester United v Manchester City - Premier League 2026/27Getty Images

قد تتشابه الأهداف، وتتقارب المسافات، وتتوحد الرغبة في استعادة مكانة القمة، لكن الطريق إلى النجاح لا يكون واحداً دائماً. وهذا تحديداً ما يفرض نفسه قبل مواجهة السيتي ويونايتد في ديربي مانشستر المرتقب، حيث لا يتعلق الصراع فقط بما سيحدث داخل الملعب، وإنما أيضاً بالفلسفة التي سيحملها كل فريق إلى أرضية المواجهة.

تفصل بين مقري الناديين مسافة لا تتجاوز خمسة أميال، كما يجمعهما طموح مشترك يتمثل في العودة إلى المنافسة على صدارة الدوري الإنجليزي الممتاز، لكن التشابه يتوقف عند هذا الحد تقريباً. فعلى المستوى التكتيكي، يسير الفريقان في اتجاهين مختلفين؛ إذ يعتمد مانشستر سيتي على هيكل صارم يقوم على التمركز الدقيق والانضباط في التحركات، بينما يمنح مانشستر يونايتد بقيادة مايكل كاريك لاعبيه مساحة أكبر لاتخاذ القرارات والتحرك بحرية وفق تطورات المباراة.

وغالباً ما تميل أفضل فرق العالم إلى تبني أفكار متقاربة، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بالاستحواذ والسيطرة وتبادل المراكز. وقد ظهر ذلك بوضوح في نهائي دوري أبطال أوروبا الموسم الماضي بين باريس سان جيرمان وأرسنال، حيث اعتمد الفريقان على مبادئ تكتيكية متشابهة تقوم على السيطرة على الكرة، وتبادل المواقع، مع الحفاظ على الهيكل الأساسي للفريق.

لكن ديربي مانشستر يقدم نموذجاً مختلفاً؛ فماريسكا يريد أن يبقى كل لاعب في المكان الذي يخدم المنظومة، بينما يفضل كاريك منح لاعبيه حرية أكبر للتحرك واتخاذ القرار.

إعلان
  • Pep Guardiola and Enzo MarescaVoetbalzone

    السيطرة مقابل الحرية.. فلسفتان في ملعب واحد

    يتأثر ماريسكا بشكل واضح بالمدرسة التي ينتمي إليها مرشده السابق بيب جوارديولا، ولذلك ليس غريباً أن تكون السيطرة على الكرة وتقليل العشوائية من أهم الركائز التي يقوم عليها أسلوبه.

    لطالما شبّه المدرب الإيطالي كرة القدم بالشطرنج، حيث تحرك كل قطعة وفق موقعها وعلاقتها ببقية القطع. ومن هنا يأتي الاعتماد على مفهوم "اللعب القائم على التمركز"، الذي يمنح كل لاعب وظيفة وموقعاً واضحين خلال مختلف مراحل اللعب.

    الفكرة الأساسية لدى ماريسكا تتمثل في تقليل مساحة عدم اليقين. كلما امتلك اللاعبون معرفة أكبر بمواقع زملائهم وتحركاتهم المتوقعة، أصبح اتخاذ القرار أسرع، وأصبحت المنظومة أكثر استقراراً.

    في المقابل، لا يخلو أسلوب كاريك من مبادئ التمركز، لكنه لا يمنحها المكانة نفسها التي تحتلها في فلسفة ماريسكا. فالمدرب الإنجليزي يفضل منح بعض لاعبيه حرية قراءة المباراة، بدلاً من إلزامهم دائماً بمواقع وتحركات محددة سلفاً.

    ويتضح ذلك في تعامله مع لاعب الوسط الشاب كوبي ماينو، إذ حرص كاريك على عدم تحميله كماً هائلاً من التعليمات، واكتفى بتقديم بعض التوجيهات البسيطة المتعلقة بالتمركز، مع منحه الثقة لاتخاذ قراراته بنفسه.

    وهنا يظهر الاختلاف الجوهري: ماريسكا يريد من اللاعب أن يعرف أين يجب أن يكون قبل أن تصل الكرة إليه، بينما يريد كاريك منه أن يفهم الموقف ثم يقرر أين يجب أن يتحرك.


  • إعلان
    إعلان
  • Michael Carrick Man Utd GFXGetty Images

    كيف يبني كاريك منظومة يونايتد؟

    رغم الطابع المرن الذي يميز مانشستر يونايتد، فإن الفريق لا يلعب بطريقة عشوائية، بل يعتمد على مجموعة من القواعد التي تمنح هذه الحرية إطاراً واضحاً.

    يحافظ قلبا الدفاع على موقعيهما بشكل ثابت خلال عملية بناء اللعب، بينما يتحمل لاعب الوسط الأكثر تأخراً مسؤولية المساعدة في إخراج الكرة من الخلف. وقد يفعل ذلك من خلال التحرك إلى جوار لاعب الوسط الآخر، أو التراجع إلى الخط الخلفي لتشكيل ثلاثي دفاعي مؤقت إلى جانب قلبي الدفاع.

    وفي الحالة الثانية، يبقى لاعب الوسط الآخر في قلب الملعب، وهو ما يمنح يونايتد خياراً إضافياً للتمرير في العمق.

    أما الظهيران، فيبدآن من موقعيهما الطبيعيين على الجانبين خلال بناء اللعب، لكنهما يتقدمان لاحقاً وفق موقع الجناح. وفي بعض الحالات، يبقى أحدهما على خط التماس لتوسيع الملعب، بينما يتحرك الآخر إلى مساحة أكثر عمقاً.

    وفي الثلث الهجومي، يتراجع لاعب الرقم 10 والمهاجم في بعض الأحيان إلى الخلف، ليشكلا معاً ثنائياً هجومياً مرناً، يمكنه التبديل بين المواقع وخلق مشكلات مستمرة لدفاع المنافس.

    ولا تأتي هذه التحركات من فراغ، بل تخدم مجموعة من الأهداف التكتيكية.عندما يتراجع لاعب الوسط الدفاعي ليشكل خطاً دفاعياً من ثلاثة لاعبين، يستطيع يونايتد خلق تفوق عددي أمام الفرق التي تضغط بمهاجمين اثنين. ويمنح هذا الأمر الفريق خيارات إضافية للخروج من الضغط بدلاً من الاعتماد على الكرات الطويلة.

    وعندما يواجه يونايتد فريقاً يدافع بشكل ضيق، تصبح الأظهرة سلاحاً مهماً لتوسيع الملعب. فوجود لاعبين على الأطراف يجبر المنافس على اتخاذ قرار صعب: هل يواصل التمركز في العمق أم يتحرك للخارج لمراقبة الظهير؟

    وإذا اختار الخصم التحرك نحو الأطراف، تظهر المساحات في قلب الملعب أمام لاعبي يونايتد.

    المفارقة أن رجال كاريك لا يتجنبون اللعب في العمق حتى عندما تكون المنطقة مزدحمة. على العكس، يمكن أن يكون هذا الازدحام جزءاً من الخطة، لأن تجميع المنافس حول الكرة يخلق مساحات أكبر على الأطراف، كما يسمح ليونايتد بالاستعداد بشكل أفضل لاستعادة الكرة فور فقدانها.

    وبالتالي، فإن المرونة الهجومية ترتبط أيضاً بفكرة الضغط العكسي؛ فكلما كان عدد لاعبي يونايتد قريباً من الكرة عند فقدانها، زادت فرص استعادتها بسرعة.


  • Enzo Maresca Chelsea GFXGetty Images

    كاريك يمنح لاعبيه حرية.. وماريسكا يضع الحدود

    تظهر فلسفة كاريك بصورة أكبر عندما يتعلق الأمر باللاعبين القادرين على صناعة الفارق من أكثر من موقع. إذا رأى برونو فرنانديز أو كونيا أن أفضل قرار هو الاقتراب من الكرة والتحرك نحو الطرف بدلاً من البقاء في العمق، فإنهما يمتلكان الحرية للقيام بذلك.

    وهنا يواجه مدافعو الخصم معضلة حقيقية. إذا تركوا اللاعب يتحرك بحرية، يستطيع يونايتد خلق تفوق عددي بالقرب من الكرة والخروج من الضغط. وإذا قرر المدافعون متابعته، فإن تحركهم يفتح مساحة في مناطق أخرى يمكن للاعب آخر استغلالها.

    وهكذا يصبح يونايتد فريقاً يصعب توقعه؛ لأن القرار النهائي لا يكون دائماً محدداً مسبقاً، بل يعتمد على قراءة اللاعبين للموقف، وذلك حسبما أفادت "بي بي سي سبورت".

    ماريسكا، في المقابل، ينظر إلى الحرية من زاوية مختلفة تماماً. وقال المدرب في تصريحات سابقة إن الحرية لا تعني بالنسبة إليه قدرة اللاعب على التحرك في كل مكان، لأن ذلك يتحول إلى فوضى، وإنما تعني أن يكون اللاعب قادراً على فعل ما يراه مناسباً في الموقع الذي يتلقى فيه الكرة. وهذا يلخص فلسفة السيتي.


  • إعلان
    إعلان
  • هل استمتعت بهذه القصة؟

    أضف Kooora كمصدر مفضل على جوجل للاطلاع على المزيد من تقاريرنا

    تابع Kooora على جوجل
  • Michael Carrick Man Utd 2:1Getty Images

    النظام أولاً VS حرية بقواعد لا فوضى

    عند الاستحواذ على الكرة، يشغل لاعبو مانشستر سيتي مناطق محددة وفق الرسم التكتيكي الذي يعتمده الفريق، سواء كان البناء على شكل 3-2-5 أو 3-1-3-3.

    قد تبدو هذه التحركات قابلة للتوقع بالنسبة إلى المنافس، لكن ذلك لا يعني سهولة إيقافها. فاللاعب يعرف موقع زميله، ويعرف المساحة التي يفترض أن يتحرك إليها، ويعرف أيضاً الخيارات التي ستظهر أمامه بعد الخطوة التالية.

    هذه التفاصيل تجعل المنظومة مترابطة، بحيث لا يحتاج اللاعب في كل مرة إلى ابتكار حل جديد من الصفر.

    وقد أشار ماريسكا، عقب مواجهة كوفنتري، إلى أن قلة الوقت الذي حصل عليه إليمان ندياي للتدرب مع الفريق جعلته في بعض اللحظات يتحرك بطريقة خاطئة أو يشغل موقعاً غير صحيح.

    وهذه الواقعة تكشف مدى أهمية التفاصيل في منظومة تعتمد على التمركز. لكن لهذا الأسلوب ميزة كبيرة أيضاً؛ إذ حتى عندما يعرف المنافس ما الذي سيحدث، يمكن أن تصبح سرعة التنفيذ كافية لإفشال محاولات إيقافه.

    في المقابل، يحتاج كاريك إلى إيجاد طريقة تمنح لاعبيه الحرية من دون أن يتحول الفريق إلى مجموعة من اللاعبين الذين يتحركون بلا رابط. ولهذا يبدو أن يونايتد يعتمد على مجموعة من المبادئ المشتركة التي يعرفها جميع اللاعبين.

    من أبرز هذه المبادئ التجمع حول الكرة لاستدراج الخصم، ثم البحث سريعاً عن اللاعب الموجود في المساحة الخالية. كما يعتمد الفريق على تشكيل مثلثات في مناطق مختلفة من الملعب للهروب من الضغط. فعندما يستعد أحد اللاعبين لاستلام الكرة، يبدأ زميله في التحرك ليكون خيار التمرير التالي.

    المهم هنا أن هذه المثلثات لا تظهر في أماكن محددة مسبقاً، وإنما تتشكل وفق قراءة اللاعبين للّحظة. وهذه هي النقطة التي تفصل يونايتد عن السيتي: الفريقان يمتلكان لغة تكتيكية مشتركة، لكن لاعبي كاريك يملكون مساحة أكبر لتحديد مكان وزمان استخدام هذه اللغة.

  • Manchester United v Manchester City - Premier LeagueGetty Images

    من يملك الأفضلية؟

    لا توجد وصفة واحدة مثالية لكرة القدم، ولذلك لا يمكن القول إن أسلوب ماريسكا صحيح وكاريك خاطئ، أو العكس.

    النهج الصارم يمنح الفريق استقراراً وسرعة في تنفيذ الأفكار، كما يسمح بتطبيق المنظومة حتى مع تغير بعض عناصر التشكيلة. لكن الإفراط في التقيد بالمواقع قد يقلل أحياناً من مساحة الإبداع الفردي.

    أما النهج المرن، فيمنح اللاعبين المبدعين مساحة أكبر للتأثير، لكنه يحتاج إلى درجة عالية من الانسجام والثقة والتفاهم، وهي أمور لا يمكن بناؤها بين ليلة وضحاها.

    ولعل برونو فرنانديز يمثل أفضل نموذج على استفادة يونايتد من هذه الحرية، بعدما تحسن مستواه بشكل واضح عقب وصول كاريك، قبل أن يتوج لاحقاً بجائزة لاعب الموسم في الدوري الإنجليزي الممتاز.

    وفي المقابل، ظهرت تساؤلات حول أفضل طريقة لاستغلال موهبة ريان شرقي في مانشستر سيتي، خصوصاً أن جوارديولا كان يفضل بقاء اللاعب في المناطق بين الخطوط وبالقرب من إيرلينج هالاند، بدلاً من تراجعه كثيراً إلى الخلف للحصول على الكرة.

    وتبنى ماريسكا الفكرة نفسها، موضحاً أن هناك خطة لكل مباراة، وأن شرقي يستطيع التراجع في نصف ملعب فريقه للمساعدة في التحكم بإيقاع اللعب، لكن عندما تصل الكرة إلى نصف ملعب المنافس، يجب أن يكون موجوداً في المكان الذي يسمح له بصناعة الخطورة.

    في النهاية، يقدم ديربي مانشستر مواجهة بين مدرستين مختلفتين في التفكير التكتيكي. مدرسة تؤمن بأن النظام يمنح اللاعبين الحرية الحقيقية، ومدرسة أخرى ترى أن اللاعب يحتاج إلى مساحة لاتخاذ القرار حتى يصبح الفريق أكثر صعوبة في التوقع.

    ويبقى السؤال الأهم: هل ينتصر النظام الذي يفرضه ماريسكا، أم الحرية التي يراهن عليها كاريك؟

    الإجابة لن تكون في غرفة الاجتماعات أو على لوحة المدرب، وإنما فوق أرضية الملعب، عندما تبدأ التفاصيل الصغيرة في صناعة الفارق.


  • إعلان
    إعلان
إعلان