إعلان
إعلان
main-background

مونديال الحسابات.. مباريات تثير الشكوك حول النظام الجديد

كريم مليم
26 يونيو 202608:52
Czechia v Mexico: Group A - FIFA World Cup 2026Getty Images

كانت بطولة كأس العالم عبر تاريخها مرادفًا للضغط الهائل، حيث يمكن لهفوة واحدة أن تنهي حلمًا امتد أربع سنوات، وكان كل هدف قادرًا على قلب موازين مجموعة كاملة في دقائق معدودة. ولهذا السبب ارتبطت الجولة الأخيرة من دور المجموعات دائمًا بالإثارة والدراما والحسابات المعقدة التي لا تُحسم إلا مع صافرة النهاية.

لكن النسخة الحالية من كأس العالم 2026، التي تُقام للمرة الأولى بمشاركة 48 منتخبًا، كشفت جانبًا آخر لم يكن حاضرًا بهذا الوضوح في النسخ السابقة؛ إذ لم تعد كل مباراة تمثل معركة حياة أو موت، ولم يعد التعادل نتيجة يخشاها الجميع، بل تحول في بعض الأحيان إلى الهدف الأمثل للفريقين معًا.

ومع اقتراب نهاية دور المجموعات، بدأت تتكرر سيناريوهات تثير الكثير من علامات الاستفهام حول النظام الجديد، بعدما أصبحت بعض المنتخبات تدخل مباريات تعرف مسبقًا أن نقطة واحدة تكفي الطرفين، وأن الهجوم قد يكون مخاطرة غير ضرورية، بينما قد يتحول الدفاع وتمرير الكرة إلى الخيار الأكثر منطقية.

هذه المشاهد أعادت إلى الواجهة السؤال الذي رافق إعلان الاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا) توسيع البطولة قبل سنوات: هل أدى رفع عدد المنتخبات إلى زيادة الإثارة، أم أنه خلق نظامًا يمنح الفرق مساحة أكبر للمناورة على حساب روح المنافسة؟

إعلان
  • FBL-WC-2026-MATCH54-RSA-KORGetty Images

    رهبة الإقصاء لم تعد كما كانت

    رغم أن بعض المنتخبات تعرضت لمفاجآت مؤلمة، فإن احتمالات خروجها من البطولة لم تعد مرتفعة كما كانت في النظام القديم، وذلك حسبما أفادت "BBC".

    فمنتخب كوريا الجنوبية، على سبيل المثال، خسر أمام جنوب أفريقيا بهدف دون رد، لكن تلك الهزيمة لم تضعه على حافة الإقصاء، إذ لا يزال يمتلك فرصة كبيرة لبلوغ دور الـ32 ضمن أفضل المنتخبات صاحبة المركز الثالث.

    ولو حدث السيناريو ذاته في كأس العالم 2022، حين كان يتأهل أول وثاني كل مجموعة فقط، لكان المنتخب الكوري قد ودع البطولة بنسبة كبيرة، لأن هامش الخطأ آنذاك كان ضيقًا للغاية.

    أما اليوم، فأصبح امتلاك ثلاث نقاط مع فارق أهداف مقبول كافيًا في كثير من الأحيان للاستمرار في المنافسة، وهو ما خفف كثيرًا من الضغوط التي كانت تصاحب مباريات المجموعات.

  • إعلان
    إعلان
  • Tunisia v Japan: Group F - FIFA World Cup 2026Getty Images

    لماذا اختار "فيفا" هذا النظام؟

    عندما قرر "فيفا" زيادة عدد المنتخبات المشاركة من 32 إلى 48، وجد نفسه أمام معضلة تنظيمية كبيرة.

    فالنسخة القديمة كانت مثالية من الناحية الرياضية؛ ثماني مجموعات تضم أربعة منتخبات، يتأهل منها الأول والثاني إلى دور الـ16، قبل استكمال الأدوار الإقصائية بصورة متوازنة.

    لكن إضافة 16 منتخبًا جديدًا جعلت الوصول إلى مرحلة خروج المغلوب أكثر تعقيدًا. في البداية، اقترح "فيفا" تقسيم المنتخبات إلى 16 مجموعة، تضم كل منها ثلاثة منتخبات فقط، ويتأهل فريقان عن كل مجموعة.

    ورغم أن الفكرة بدت عملية على الورق، فإنها حملت خطرًا كبيرًا، يتمثل في أن المباراة الأخيرة بكل مجموعة ستكون بين فريقين يعرفان مسبقًا النتيجة التي يحتاجان إليها للتأهل، وهو ما يفتح الباب أمام مباريات تفتقر إلى التنافس الحقيقي.

  • TO GO WITH WORLD CUP 2010 PACKAGE IN ARAGetty Images

    شبح فضيحة 1982 عاد إلى الواجهة

    لم يكن هذا التخوف نظريًا، بل استند إلى واحدة من أشهر الفضائح في تاريخ كأس العالم. في مونديال 1982، واجهت ألمانيا الغربية منتخب النمسا في المباراة الأخيرة بالمجموعة، بعدما كانت نتيجة مباراة الجزائر قد حُسمت بالفعل.

    وكان الألمان يعلمون أن الفوز بهدف واحد فقط يكفي لتأهلهم مع النمسا وإقصاء الجزائر. وبالفعل سجلت ألمانيا هدفًا مبكرًا، ثم تحولت بقية المباراة إلى تبادل للتمريرات دون رغبة حقيقية في الهجوم، لتنتهي المواجهة بنتيجة 1-0 وسط غضب عالمي واسع، فيما عُرفت لاحقًا باسم "فضيحة خيخون".

    بعد تلك الحادثة، قرر "فيفا" إقامة مباريات الجولة الأخيرة في جميع المجموعات في توقيت واحد، لمنع أي منتخب من معرفة النتيجة التي يحتاج إليها قبل خوض مباراته.

  • إعلان
    إعلان
  • هل استمتعت بهذه القصة؟

    أضف Kooora كمصدر مفضل على جوجل للاطلاع على المزيد من تقاريرنا

    تابع Kooora على جوجل
  • Paraguay v Australia: Group D - FIFA World Cup 2026Getty Images

    لكن النظام الجديد خلق مشكلة مختلفة

    بعد العدول عن فكرة المجموعات الثلاثية، اعتمد "فيفا" نظام 12 مجموعة تضم أربعة منتخبات لكل مجموعة. ورغم الحفاظ على إقامة المباراتين الأخيرتين في توقيت واحد، فإن ظهور ثمانية مقاعد مخصصة لأفضل أصحاب المركز الثالث خلق أزمة من نوع آخر.

    فالمنتخبات لم تعد مضطرة إلى الفوز من أجل التأهل. بل أصبح التعادل، وأحيانًا حتى الخسارة بفارق محدود، كافيًا للاستمرار في البطولة. وهكذا انتقلت الحسابات من البحث عن الانتصار إلى البحث عن النتيجة الأكثر أمانًا.

    وكانت مباراة أستراليا وباراجواي المثال الأوضح على ذلك. دخل المنتخبان اللقاء وهما يمتلكان ثلاث نقاط لكل منهما، ويحتلان المركزين الثاني والثالث.

    وكان الجميع يدرك أن الوصول إلى أربع نقاط سيمنح كلًا منهما فرصة شبه مؤكدة للتأهل، سواء بصورة مباشرة أو ضمن أفضل أصحاب المركز الثالث. وبالفعل انتهت المباراة بالتعادل السلبي.

    واحتفلت أستراليا بضمان المركز الثاني، بينما خرجت باراجواي مطمئنة تقريبًا إلى أن بطاقة التأهل أصبحت في متناولها، ما لم تحدث سلسلة غير متوقعة من النتائج في بقية المجموعات.

  • Jordan v Algeria: Group J - FIFA World Cup 2026Getty Images

    النمسا والجزائر.. هل يتكرر السيناريو؟

    الأنظار تتجه أيضًا إلى مواجهة النمسا والجزائر في المجموعة العاشرة. الفريقان يمتلكان ثلاث نقاط لكل منهما، والتعادل يبدو نتيجة مثالية للطرفين. أما الخسارة، فقد تعني الخروج من البطولة.

    لذلك يبرز السؤال الذي يفرض نفسه قبل انطلاق اللقاء: هل سنشاهد مباراة يسعى فيها المنتخبان إلى الفوز فعلًا، أم أن الحذر سيطغى على كل شيء؟

    المفارقة أن الجزائر، التي كانت ضحية أشهر فضيحة مرتبطة بالحسابات في مونديال 1982، قد تصبح هذه المرة من أكبر المستفيدين من نظام يسمح بالتأهل عبر المركز الثالث.

    ولم تكن أستراليا وباراجواي الحالة الوحيدة. ففي المجموعة السادسة، دخلت اليابان مباراتها الأخيرة أمام السويد وهي تمتلك أربع نقاط، مقابل ثلاث نقاط لمنافستها. وانتهى اللقاء بالتعادل 1-1، وهي نتيجة ضمنت تأهل المنتخبين عمليًا.

    وفي المجموعة الثانية عشرة، تبدو الظروف مشابهة أيضًا، حيث تمتلك غانا أربع نقاط، بينما تملك كرواتيا ثلاث نقاط. مثل هذه السيناريوهات تجعل الدقائق الأخيرة من بعض المباريات تتحول إلى استعراض للتمريرات، مع غياب كامل للرغبة في المجازفة الهجومية.

  • إعلان
    إعلان
  • Austria v Jordan: Group J - FIFA World Cup 2026Getty Images

    التاريخ يقول إن التعادل ليس دائمًا النهاية

    مع ذلك، لا يعني تشابه الظروف أن كل مباراة ستنتهي بالتعادل. ففي بطولة أوروبا 2020، دخلت النمسا وأوكرانيا الجولة الأخيرة بثلاث نقاط لكل منهما، وكان التعادل كافيًا تقريبًا لضمان التأهل للطرفين.

    لكن النمسا اختارت اللعب من أجل الفوز، وانتصرت بهدف دون رد، بينما تأهلت أوكرانيا لاحقًا ضمن أفضل أصحاب المركز الثالث. وهذا يؤكد أن الحسابات لا تلغي دائمًا روح المنافسة، لكنها تمنح المنتخبات خيارًا إضافيًا لم يكن متاحًا في السابق.

    الآن المشكلة لا تتوقف عند فرص التأهل. ففي النظام الجديد، تتحدد مواجهات أصحاب المركز الثالث وفقًا للمجموعات التي جاءوا منها. وهذا يعني أن بعض المنتخبات قد تعرف مسبقًا أن إنهاء المجموعة في المركز الثالث سيمنحها منافسًا أسهل من إنهائها في المركز الثاني.

    وبالتالي قد تجد نفسها أمام معادلة غريبة؛ الفوز قد يقودها إلى مواجهة عملاق مبكر، بينما الخسارة قد تمنحها طريقًا أقل صعوبة. في المجموعة العاشرة، على سبيل المثال، قد يواجه صاحب المركز الثاني متصدر المجموعة الثامنة، بينما قد يلتقي صاحب المركز الثالث متصدر مجموعة أخرى تبدو أقل قوة.

    وهنا يصبح ترتيب المجموعة جزءًا من الحسابات التكتيكية، وليس مجرد انعكاس للنتائج داخل الملعب.

  • Erbil-Iraq-World-Cup-2026-Fans-Live-BroadcastGetty Images

    حتى الطقس قد يغيّر الحسابات

    هناك سيناريو آخر لا يقل غرابة. فإذا توقفت إحدى مباريات الجولة الأخيرة بسبب عاصفة رعدية أو ظروف جوية، بينما استمرت المباراة الأخرى في المجموعة نفسها، فإن الفريقين اللذين يعودان لاستكمال اللقاء سيكونان قد عرفا بالفعل النتيجة الأخرى.

    وهذا يمنحهما أفضلية معلوماتية قد تؤثر بصورة مباشرة في أسلوب اللعب والنتيجة النهائية. ورغم أن "فيفا" أكد أن المباريات الأخرى لن تتوقف في مثل هذه الحالات، فإن ذلك قد يخلق مواقف تمنح بعض المنتخبات فرصة إعادة حساباتها أثناء المباراة.

    السؤال الأهم الذي يفرض نفسه بعد انتهاء معظم مباريات دور المجموعات هو ما إذا كان النظام الجديد قد أضعف قيمة المنافسة. فكلما زادت فرص التأهل، تراجعت رهبة الخروج. وكلما اتسع هامش الأمان، قلّت الحاجة إلى المخاطرة.

    ولهذا السبب افتقدت بعض مباريات النسخة الحالية تلك الإثارة التي ميزت مونديال قطر 2022، حين كانت المنتخبات تدخل الجولة الأخيرة وهي تدرك أن أي هدف قد يغيّر مصيرها بالكامل.

  • إعلان
    إعلان
  • Scotland v Brazil: Group C - FIFA World Cup 2026Getty Images

    هل يكون الحل في زيادة العدد إلى 64 منتخبًا؟

    المفارقة أن الحل قد لا يكون في العودة إلى نظام الـ32 منتخبًا. فهذا الخيار يبدو مستبعدًا، بعدما أصبحت توسعة البطولة أحد أهم مشاريع رئيس "فيفا" جياني إنفانتينو منذ انتخابه عام 2016.

    ولهذا يرى بعض المراقبين أن الوصول إلى 64 منتخبًا قد يكون أكثر منطقية من الناحية التنظيمية، لأنه يسمح بإعادة توزيع المنتخبات على 16 مجموعة من أربعة فرق، مع تأهل فريقين فقط عن كل مجموعة، واستعادة بساطة النظام القديم وإثارته.

    ويبقى السؤال مطروحًا: هل ستدفع التجارب التي شهدها مونديال 2026 "فيفا" إلى إعادة التفكير في شكل البطولة مستقبلًا؟

    الإجابة لن تتحدد فقط بما يحدث في الأدوار الإقصائية، بل أيضًا بما إذا كانت مباريات مثل أستراليا وباراغواي، أو النمسا والجزائر، ستصبح استثناءً عابرًا، أم بداية لواقع جديد تتحكم فيه الحسابات أكثر مما تتحكم فيه كرة القدم نفسها.

إعلان