
Getty Imagesلم تكن الدموع التي سالت في شوارع زينيتسا مجرد احتفال بتأهل منتخب البوسنة والهرسك إلى كأس العالم 2026، بل كانت احتفالًا برحلة طويلة من الصمود والمعاناة والأحلام المؤجلة.
في تلك الليلة التاريخية، وبينما كانت الجماهير تهتف بصوت واحد: "أنا من البوسنة، خذوني إلى أمريكا"، كان رجل واحد يجسد تلك الحكاية بأكملها. هو إدين دجيكو.
الطفل الذي نشأ وسط أهوال الحرب في سراييفو، والشاب الذي حمل آمال أمة بأكملها على كتفيه لأكثر من عقدين، والمهاجم الذي رفض الاستسلام حتى بعد بلوغه الأربعين عامًا.
وفي الوقت الذي اعتقد فيه كثيرون أن فصول مسيرته الكروية أوشكت على النهاية، عاد "الماسة البوسنية" ليقود منتخب بلاده إلى كأس العالم للمرة الثانية فقط في تاريخه، ويمنح نفسه فرصة أخيرة للرقص على أكبر مسرح كروي في العالم.
Getty Imagesعودة الحلم البوسني
عندما تأسس منتخب البوسنة والهرسك عام 1993 عقب تفكك يوغوسلافيا، لم يكن يملك تاريخًا أو إرثًا كرويًا كبيرًا يستند إليه. كان منتخبًا ناشئًا يمثل دولة خرجت لتوها من واحدة من أكثر الفترات دموية في تاريخ أوروبا الحديثة.
لكن خلال سنوات قليلة فقط، نجح المنتخب في بناء هوية خاصة به، واقترب من تحقيق حلم التأهل إلى كأس العالم في تصفيات جنوب أفريقيا 2010، قبل أن تتوقف رحلته أمام البرتغال في الملحق الأوروبي.
ولم يطل الانتظار كثيرًا. ففي تصفيات كأس العالم 2014، كتب الجيل الذهبي بقيادة إدين دجيكو وميراليم بيانيتش وإمير سباهيتش صفحة تاريخية جديدة، بعدما حجز بطاقة التأهل المباشر إلى نهائيات البرازيل، ووصل المنتخب آنذاك إلى المركز الثامن عالميًا في تصنيف الاتحاد الدولي لكرة القدم.
وبعد سنوات من الغياب والإخفاقات المتتالية، بدا أن حلم العودة إلى كأس العالم أصبح أكثر تعقيدًا. إلا أن المدرب سيرجي بارباريز نجح في إعادة الروح إلى المنتخب، مستفيدًا من مزيج يجمع بين خبرة القائد دجيكو وحماس جيل جديد من المواهب الشابة.
- إعلانإعلان
Getty Imagesدجيكو يقود الطريق إلى أمريكا
منذ بداية التصفيات، بدا واضحًا أن إدين دجيكو لا يزال قادرًا على صناعة الفارق. ورغم تقدمه في العمر، قدم المهاجم المخضرم عروضًا استثنائية قادت منتخب بلاده نحو حلم التأهل.
بدأت البوسنة مشوارها بانتصار مهم خارج الديار أمام رومانيا، قبل أن تواصل النتائج الإيجابية أمام قبرص وسان مارينو. وخلال تلك الرحلة، سجل دجيكو ستة أهداف حاسمة، ليثبت أنه ما زال القلب النابض للمنتخب الوطني.
أنهى المنتخب البوسني التصفيات خلف النمسا بفارق نقطتين فقط، بعدما جمعت الأخيرة أربع نقاط من مواجهتيها ضد فريق بارباريز، فيما تفوقت البوسنة على رومانيا التي أنهت المشوار برصيد 13 نقطة.
ولم يكن النجاح مرتبطًا بخبرة دجيكو فقط، بل أيضًا بظهور مجموعة من اللاعبين الشباب الذين أضفوا حيوية كبيرة على الأداء، وفي مقدمتهم إزمير باجراكتاريفيتش وكريم ألايبيجوفيتش، اللذان لعبا دورًا محوريًا في صناعة الفرص وإرباك دفاعات المنافسين.
Getty Imagesليلة كارديف التي غيرت كل شيء
في نصف نهائي الملحق الأوروبي أمام ويلز، بدا أن الحلم البوسني يقترب من الانهيار. كان أصحاب الأرض متقدمين بهدف دون رد حتى الدقيقة 85، بينما كانت الجماهير الويلزية تستعد للاحتفال بالتأهل.
لكن في مثل هذه اللحظات يظهر الكبار. ارتقى إدين دجيكو فوق الجميع، وحول ركلة ركنية إلى هدف قاتل أعاد الحياة إلى منتخب بلاده. لم يكن الهدف مجرد كرة داخل الشباك، بل كان رسالة واضحة بأن البوسنة لم تستسلم بعد.
امتدت المباراة إلى الأشواط الإضافية ثم إلى ركلات الترجيح، وهناك ابتسم الحظ للبوسنيين الذين انتزعوا بطاقة التأهل إلى النهائي. وكان الجميع يدرك أن الطريق نحو كأس العالم بات على بعد خطوة واحدة فقط.
- إعلانإعلان
Getty Imagesمعركة إيطاليا.. حين تحدى الأربعيني الزمن
جاء النهائي أمام إيطاليا ليختبر شخصية المنتخب البوسني بأقسى صورة ممكنة. فعلى الجانب الآخر وقف منتخب عريق يمتلك تاريخًا حافلًا بالألقاب والخبرات، لكن رجال بارباريز رفضوا الانحناء.
انتهت المباراة بالتعادل 1-1 بعد 120 دقيقة من الصراع البدني والذهني. وخلال اللقاء، كان دجيكو حاضرًا في كل تفاصيل المعركة.
ساهم في هدف التعادل بعدما أجبر جيانلويجي دوناروما على التصدي لعرضية خطيرة تابعها هاريس تاباكوفيتش داخل المرمى.
وفي الدقائق الأخيرة من الأشواط الإضافية، ظهر المشهد الذي سيبقى عالقًا في ذاكرة الجماهير طويلًا.
إدين دجيكو، صاحب الأربعين عامًا، يواصل الركض والضغط على المدافعين وكأنه لاعب في العشرين من عمره.
وبينما كانت كتفه اليمنى مضمدة إثر تدخل قوي من دافيدي فراتيسي، رفض مغادرة الملعب أو التراجع خطوة واحدة.
كان يعلم أن هذه المباراة قد تكون فرصته الأخيرة للعودة إلى كأس العالم.
وعندما أهدر بيو إسبوزيتو وبرايان كريستانتي ركلتيهما الترجيحيتين، جاءت اللحظة الحاسمة.
تقدم إزمير باجراكتاريفيتش وسدد الكرة بنجاح في شباك دوناروما، لتنفجر زينيتسا فرحًا، وتعلن عودة البوسنة والهرسك إلى كأس العالم.
Getty Imagesهداف لا يعرف التوقف
لطالما كان دجيكو أكثر من مجرد مهاجم. فهو الهداف التاريخي لمنتخب البوسنة والهرسك برصيد 73 هدفًا، وأحد أعظم اللاعبين الذين أنجبتهم منطقة البلقان.
وخلال التصفيات الحالية، واصل كتابة الأرقام القياسية. سجل هدف الفوز الوحيد أمام سان مارينو خارج الديار، ثم أضاف هدفين في لقاء الإياب.
كما هز شباك النمسا رغم خسارة فريقه، قبل أن يلعب دورًا كبيرًا في الانتصار الحاسم على رومانيا بنتيجة 3-1.
ورغم أنه لم يسجل في النهائي أمام إيطاليا، فإن تأثيره كان واضحًا في كل دقيقة لعبها. لقد كان القائد الذي يقود زملاءه بالكلمات، والمهاجم الذي يرهق المدافعين بحركته المستمرة، والرمز الذي يمنح الجميع الثقة عندما تصبح الأمور معقدة.
- إعلانإعلان
Getty Imagesذكريات البرازيل التي لا تُنسى
قبل اثني عشر عامًا، عاش دجيكو أول تجربة مونديالية في البرازيل. دخلت البوسنة البطولة آنذاك وسط آمال كبيرة، لكنها خسرت أمام الأرجنتين بنتيجة 2-1، ثم سقطت أمام نيجيريا بهدف دون رد.
وبدا أن المشاركة الأولى ستنتهي دون إنجاز يُذكر. لكن المباراة الثالثة أمام إيران غيرت كل شيء. حقق المنتخب البوسني أول فوز في تاريخه بكأس العالم، وانتهى اللقاء بنتيجة 3-1.
وكان صاحب الهدف الأول هو إدين دجيكو، أطلق تسديدة أرضية رائعة بقدمه اليسرى من خارج منطقة الجزاء، ارتطمت بالقائم قبل أن تعانق الشباك. ذلك الهدف لم يمنح منتخب بلاده التقدم فحسب، بل منحه أيضًا مكانة خالدة في ذاكرة الشعب البوسني.
ثم أضاف ميراليم بيانيتش وأفديا فرسايفيتش هدفين آخرين، بينما سجل رضا قوتشان نجاد هدف إيران الوحيد.
وحتى اليوم، ما زال دجيكو يتقاسم صدارة هدافي البوسنة والهرسك في كأس العالم مع فيداد إيبيشيفيتش وميراليم بيانيتش وأفديا فرسايفيتش. لكن مونديال 2026 يمنحه فرصة ذهبية للانفراد بهذا الرقم التاريخي.
Getty Imagesمن الحرب إلى المجد
وربما تكون قصة دجيكو أعظم من كرة القدم نفسها. فهو لم يهرب من الحرب، بل عاشها بكل تفاصيلها المؤلمة.
في شوارع سراييفو، كان الطفل الصغير يركض خلف الكرة وسط أصوات الانفجارات وسقوط القذائف. وكان الموت يمر بالقرب منه كل يوم.
وفي واحدة من أكثر الذكريات تأثيرًا في حياته، كشف دجيكو أن والدته أنقذت حياته عندما منعته من الخروج للعب مع أصدقائه.
وبعد دقائق فقط، سقطت قذيفة على الشارع الذي اعتاد اللعب فيه، وقُتل عدد من أصدقائه. كانت تلك اللحظة كفيلة بتغيير حياة أي إنسان إلى الأبد.
لكن دجيكو حوّل الألم إلى قوة، والخوف إلى دافع، والمعاناة إلى قصة نجاح ألهمت ملايين الأشخاص حول العالم.
- إعلانإعلان
Getty Imagesالرقصة الأخيرة
عندما تنطلق منافسات كأس العالم 2026 في أمريكا، ستجد البوسنة والهرسك نفسها أمام تحدٍ جديد في مجموعة تضم كندا وقطر وسويسرا.
لكن بالنسبة إلى إدين دجيكو، قد تكون المسألة أكبر من مجرد بطولة أخرى. إنها فرصة أخيرة لكتابة فصل جديد في مسيرة استثنائية امتدت لعقود.
فرصة لإضافة أهداف جديدة إلى سجله التاريخي. وفرصة لقيادة بلاده إلى إنجاز لم يتحقق من قبل. وربما تكون بالفعل الرقصة الأخيرة.
لكن إذا علمتنا مسيرة إدين دجيكو شيئًا واحدًا، فهو أن هذا الرجل لا يعترف بالنهايات السهلة. فمن شوارع سراييفو المدمرة إلى ملاعب كأس العالم، ظل يقاتل دائمًا.
واليوم، وهو يقف على أعتاب الأربعين، يستعد لخوض معركة أخيرة، بحثًا عن نهاية تليق بأسطورة لن تنساها البوسنة أبدًا.
هل استمتعت بهذه القصة؟
أضف Kooora كمصدر مفضل على جوجل للاطلاع على المزيد من تقاريرنا
قد يعجبك أيضاً
![Jose Mourinho - Hansi Flick [Kooora Only]](https://assets.kooora.com/images/v3/blt44c537b06fe099f3/crop/MM5DCMRYGA5DOMRQHJXG653FHI4DAORQ/uaylw.jpg?quality=60&auto=webp&format=pjpg&width=317)



%20(3).png?quality=60&auto=webp&format=pjpg)
%20(5).png?quality=60&auto=webp&format=pjpg)
%20(4).png?quality=60&auto=webp&format=pjpg)
%20(4).png?quality=60&auto=webp&format=pjpg)
%20(1).png?quality=60&auto=webp&format=pjpg)