


خلال فترة الطفولة، كنا نمارس كرة القدم في (الحارة) أو (الفريج) حسب المصطلح الخليجي، في ذلك الوقت لم نكن نملك ثمن الكرة، التي كان يقتصر حاملوها على من فضّل الله عليهم بسعة من الرزق.
وفي كل حارة كان هناك بعض من الميسورين القادرين على شراء كرة لطفلهم، فكان هذا الطفل يتحول إلى (ملك الكرة) حيث نرجوه كي يأتي للملعب لنلعب الكرة، وكان يوافق على شروطه، حيث يقف في منتصف الملعب، يختار فريقه، الذي يضم بالطبع أفضل اللاعبين، ثم يختار الملعب، ويختار أيضا أن يبدأ اللعب.
خلال المباراة يلعب هذا (الملك) مهاجما وينفذ كل الركلات، ويطلب الكرة دائما لتسجيل الأهداف، كما يتحول إلى حكم ويقرر لمسات اليد وركلات الجزاء وطبعا كلها لمصلحة فريقه، يسدد الركلة، ولا يغضب منه أحد إن أضاعها، وفي حال احتساب ركلة جزاء على فريقه يقف حارسا للمرمى، وعندما يعرقله أحد، يحمل كرته ويهدد بالرحيل، فيقوم الجميع بالتوسل إليه كي يبقى في الملعب، وتتم محاسبة المخطئ من قبل الجميع.
صاحب الكرة هذا، يمتلك قرار إنهاء اللعبة، فيحمل كرته ويرحل، وينهي المباراة، دون أي شعور بالذنب تجاه بقية (التابعين).
لا أدري لماذا أتذكر (ملك الكرة) في كل حدث يكون بطله النجم البرازيلي نيمار، حيث يتوافق ما يقوم به هذا النجم مع ذلك الملك.
خلال لعبه في برشلونة، كان لاعبا فرديا بامتياز، تقوده نزواته للكثير من التصرفات داخل وخارج الملعب، فكان يتصرف بأنانية مفرطة، ومراوغات واستعراضات لا تخدم المجموعة، ويتسبب بضياع الكثير من الفرص، وكانت تشغله الأمور التسويقة كثيرا من خلال تقبيل حذائه حينا، ووضعه على رأسه حينا آخر، وفي خارج الملعب حدّث ولا حرج، من سهرات وسفرات سريعة قبل المباريات المهمة دون اكتراث لالتزاماته المهنية كلاعب كرة محترف.
رحيله إلى باريس عزز نظرية (ملك الكرة) حيث اشترط السكن في قصر مستقل، لأخذ راحته بالحفلات والسهرات، كما أنه تصرف دون أدنى مسؤولية داخل الملعب مع زملائه، وظهرت مشكلة تنفيذ ركلات الجزاء مع زميله كافاني، ثم حفلاته التي تحولت إلى عيد سنوي، يجمع فيه الزملاء والأصدقاء حتى ساعات الفجر الأولى دون مراعاة لالتزاماته كلاعب وخاصة قبل الأحداث المهمة.
إصاباته المتكررة دليل إهماله عنصري التدريب المستمر وممارسات العادات الصحية السليمة من تغذية ونوم وراحة، كما أنه فريد من نوعه في العلاج، حيث يحمل نفسه وحاشيته إلى البرازيل كي يتعافى على يد طبيبه الخاص، بعيدا عن أعين ناديه الذي يتكفل براتبه الضخم، ومصاريف بذخه، فيغيب طويلا ويظهر في فترات العلاج مع صديقاته وأصدقائه برحلات استجمام لا يقوم بها من يعاني الإصابة، قبل الظهور في لحظات الحسم لفريقه كما حدث عند التتويج بلقب الدوري.
غاب نيمار كثيرا عن قلعة باريس، ولم يحضر في مباريات حاسمة لتحقيق الحلم الأوروبي وأهمها مواجهة مانشستر يونايتد في ربع نهائي دوري الأبطال، وعند حضوره كمتفرج في لقاء الإياب، ذهب إلى غرفة الحكام وشتمهم بألفاظ تسببت في إيقافه أوروبيا، ثم ارتكب حماقته في نهائي كأس فرنسا بضرب أحد المشجعين لينهي موسمه موقوفا محليا أيضا، وتوج كل ذلك بقضية اغتصاب عارضة الأزياء، فهو من قام بدعوتها وأنفق على رحلتها إلى باريس، بعيدا عن براءته من عدمها.
أصيب نيمار بشكل درامي في مونديال البرازيل وغاب عن مواجهة ألمانيا التي انتهت بهزيمة مذلة، ولعب شبحا في مونديال روسيا وكان مثارا للسخرية بسبب سقطاته وغطساته، وأصيب أكثر من مرة مع باريس سان جيرمان، وأخيرا غاب عن كوبا أمريكا التي تستضيفها بلاده حاليا بعد إصابته في مواجهة ودية مع قطر.
الآن، تذكر نيمار أنه لم يحقق شغفه في تجربة باريس، وأعلن عن الرغبة بالرحيل، وهو ما دفع رئيس النادي الباريسي للخروج عن صمته ودبلوماسيته بأن باب النادي مفتوح لمغادرة أي لاعب مستثنيا فقط نجمه الشاب امبابي، الذي حمل الفريق على عاتقه خلال مدة غياب نيمار.
لا أدري بأي منطق يفكر برشلونة في حال صَحّت أخبار تحركه لاسترجاع نيمار، أو بأي عقل يفكر ريال مدريد في حال صَحّت أخبار رغبته في التعاقد معه، فلاعب يغيب عن أهم الأحداث الكروية في السنوات الخمس الأخيرة مع منتخب بلاده وناديه، لا يستحق أن يكون ضمن أجندة أي ناد كبير، يطمح في بناء فريق قوي، مع نجوم قادرين على البذل والعرق في سبيل تحقيق أحلام الفريق ككل، وليس فقط نزوات (ملك الكرة).
قد يعجبك أيضاً



