شخص أثار حيرة الجميع بدون إستثناءات ، أدخل البهجة إلى
شخص أثار حيرة الجميع بدون إستثناءات ، أدخل البهجة إلى قلوب بلاد العشرة ملايين في يوم من الأيام ، لكنه سرعان ما أدمع عيون التونسييّن. روجيه لومار أو من وصفه البعض بالحالة الغريبة أسال من حبر الصحفيين الكثير بل أسال من لعاب النقّاد الكثير ، فبين مؤيّد له و لبقائه و بين رافض له و لتدريبه تعددّت الآراء و أختلفت حيث أن لحظة الحكم بين الرأيين وجدها الجميع صعبة بل كادت تكون مستحيلة نظراً للمفارقات الغريبة و الإختلاف الشاسع بين لومار 2004 و لومار اليوم !
هذا التعارض الكبير في وجهات النظر و الآراء تبيّن جليّاً سواءا عبر المنتديات الرياضيّة التونسيّة أو عبر صفحات المجلاّت و الصحف الرياضيّة أو عبر شاشات التلفزيون و الإذاعات و من باب الذكر لا الحصر التقارب الكبير في نتائج إستفتاء "هل انت مع اقالة (استقالة) روجي لومار؟" و الذي قام به منتدى كووورة تونسيّة إثر مونديال ألمانيا حيث كانت نتيجة التصويت كالتالي :
نعم: ( لرحيل لومار) 49.4%
لا: (لومار يجب ان يبقى) 44.2 %
لست متاكدا : 6.3%
هذه النتيجة ، و رغم أنني مقتنع بغياب ثقافة الإستفتاء في العالم العربي لعدّة أسباب لعلّ أهمها هو غياب المقاييس العلميّة و الآدلّة المنطقية ، قد تصوّر لنا حالة الحيرة و التردد التي إرتسمت على وجوه القاصي و الداني من محللين و نقاد و صحافيين و رياضيين إذ أنّ الجميع تقريباً قد أقرّوا بأن لهذا الشخص فضائل كثيرة على الكرة التونسية و المنتخب التونسيّ من جهة في حين كانت له سلبيات عديدة عكّرت صفو الجميع لذا قد يصعب علينا كمتابعين الخروج بحكم نهائيّ في أمر هذا الرجل .
روجيه لومار .. مسيرة حافلة !
لعلّ العديد من قارئي هذه الأسطر بل ربما نسبة كبيرة من التونسييّن الذين إختلفتم آرائهم و توجهاتهم من معارض و مؤيّد لروجيه لومار تغيب عنهم بعض المعلومات التي أراها هامة لتقييم شخصيّة هذا الرجل و الإلمام بشتى المعلومات حولها .
فروجيه لومار الذي سيدخل سنته السادسة و الستين بدأ حياته الرياضيّة في الستينات كمدافع ، و قد لعب طوال مسيرته الرياضيّة بعديد الأندية الفرنسيّة كلنس و نانت و سيدان ، كما لعب لمرتين المباراة النهائيّة لكأس فرنسا هذا إضافة إلى تتويجه بلقب أفضل لاعب بالبطولة الفرنسية في ثلاثة مواسم .
أما عن عالم التدريب فقد دخله لومار من أوسع أبوابه حيث أنه طوال الثلاثين سنة التي قضاها روجيه في عالم التدريب كانت حافلة بالتتويجات و الألقاب المحليّة و القاريّة و العالميّة فقد تولّى روجيه لومار مفاتيح القيادة الفنيّة في عديد الفرق الفرنسيّة و التونسيّة حيث كانت البداية خلال سنة 1975 و تواصلت إلى 1978 مع فريق ريد ستار ( Red Star ) الفرنسيّ ، لينتقل بعدها إلى فريق لنس ( RC Lens ) أين قضى موسماً وحيداً لتكون المحطّة القادمة هي جمعيّة باريس ( Paris FC ) حيث تولى قيادة الفريق طوال موسمين من 1979 إلى 1981 ، ليتوجه بعدها إلى فريق ستراسبورغ ( RC Strasbourg ) إلى حدود سنة 1983 .
المحطة الموالية لروجيه لومار كانت العاصمة التونسيّة و بالتحديد فريق باب سويقة الترجي الرياضي التونسي لتكون أوّل تجربة له على الأراضي التونسيّة موسم 1983 / 1984 .
رحلة لومار في عالم التدريب تواصلت بعد ذلك حيث عاد إلى فرنسا و درّب المنتخب العسكري الفرنسيّ و فاز معه بكأس العالم العسكريّة التي أقيمت سنة 1995 بإيران و من ثم تولىّ تدريب فريق لنس من جديد حيث أنقذه خلال شهور قليلة من السقوط إلى الدرجة الثانية الفرنسيّة .
بعد هذه السلسلة من النجاحات تم إنتداب روجيه لومار للعمل كمدرّب مساعد للمنتخب الفرنسي حيث فاز آنذاك بكأس العالم 98 التي أقيمت على الأراضي الفرنسيّة ، و من ثمّ تولى تسلّم قيادة المنتخب الفرنسي و فاز معه بعديد الألقاب أهمها كأس أوروبا 2000 و كأس القارات 2001 .
التغيير الجذري في مسيرة لومار أو بالأصح نقطة التحوّل الكبرى هي خيبة الأمل التي رسمها لومار على وجوه الفرنسيين بعد إنسحاب منتخب الديوك منذ الدور الأول لمونديال كوريا و اليابان 2002 و بالتالي تمت إبعاده عن القيادة الفنيّة للمنتخب الفرنسي ، أما عن إلتحاق لومار بتدريب نسور قرطاج فقد كان ذلك منذ سبتمبر 2002 أي بعد الآداء المخيّب للآمال لأبناء عمّار السويّح بكوريا و اليابان .
روجيه لومار والنتائج .. تذبذب واضح !
الباحثون عن متعة الأرقام أيضاً سيقفون حتماً في حيرة من النتائج المتذبذبة و المتضاربة التي حققها روجيه لومار مع المنتخب الوطنيّ التونسيّ ، فبمجرّد عقد مقارنة بسيطة بين نتائج نسور قرطاج سنة 2004 حين توّجوا للمرة الأولى باللقب الإفريقيّ و بين نتائج سنة 2006 التي يعتبرها الكثيرون سنة النكسة الرياضيّة في تونس سنجد إختلافاً كبيراً و واضحاً يدلّ على الأوضاع المتذبذبة داخل المنتخب .
فسنة 2004 حقق المنتخب التونسي رفقة السيّد لومار 8 إنتصارات كاملة و 4 هزائم و تعادل في مناسبتين إثنين ، أما سنة 2005 التي حصل فيها المنتخب الوطنيّ على بطاقة العبور إلى كأس العالم بألمانيا فقد شهدت حصيلة إيجابيّة أثلجت الصدور ب 8 إنتصارات و هزيمتين و تعادلين ، أما سنة 2006 فإختلفت النتائج كليّاً حيث أرتفع عدد هزائم المنتخب إلى 7 بينما تقلّص عدد الإنتصارات إلى 7 في حين سجّل تعادلين إثنين !
هذه الأرقام تجعلنا مدركين بحقيقة التذبذب و عدم الإستقرار النتائج ممّا يجعلنا مقتنعين بوجود عراقيل كبيرة تواجه مسيرة المنتخب مماّ يجعل النتائج في تراجع بات مخيفاً بالنسبة للمشجعين و الأنصار !
روجيه لومار في الميزان .. و إستحالة الحكم النهائيّ !
كما ذكرت في مقدمة هذا المقال أن الحكم النهائيّ بأحقية مواصلة المشوار أو عكس ذلك يبقى صعباً بل مستحيلاً إذ أن تشابك الوضعيات و الأحول التي مرّ بها المنتخب التونسيّ تحت أيادي لومار و النتائج تبقى أكبر دليل على حالة التذبذب و الإختلاف .
فالجميع حتماً مقرّ بالإضافة الكبيرة التي قدّمها لومار للمنتخب خاصة و للكرة التونسيّة عامة فالجماهير التونسيّة كافة مقتنعة تمام الإقتناع بأن للومار الفضل في إخراجنا من التخلّف الكرويّ و إدخال بعض المفاهيم الصحيحة للإحتراف و بالتالي ساهم في تغيير العقليّة الرياضيّة في تونس ، هذا إضافة إلى أن المنتخب الوطنيّ التونسيّ دخل العالميّة من أوسع أبوابها تحت قيادة روجيه لومار بعد ظفره بالكأس الإفريقيّة الغالية و التي دخلت خزائن النسور للمرة الأولى و بعد المردود و الآداء الرائع الذي ظهر به أبناء لومار في كأس العالم للقارات بألمانيا 2005 .
كما لن ينسى التونسيون أبداً أنه بفضل لومار و مواقفه الحازمة و المتشددة في بعض الأحيان قد تم القضاء على التدخلات الخارجيّة في الإختيارات الفنيّة و فرض النظام و الإنظباط داخل صفوف المنتخب مما ساهم في رقيّ مستوى و آداء اللاعبين داخل المستطيل الأخضر و خارجه كما أن لومار لم يعترف يوماً بالأسماء و إنما كان الظابط الوحيد في إختياراته هو الأداء و المردود فوق أرضيّة الميدان مما ساهم في إحتراف عديد اللاعبين التونسيين بالبطولات الأوروبيّة ..
من ناحية أخرى ، يبدو أن فلسفة لومير الزائدة عن اللزوم كان لها تأثيرات سلبيّة عديدة على نتائج المنتخب الوطنيّ و على علاقته بالجماهير الرياضيّة و الصحافة حيث أن لومار الشهير بعناده و إنفراده بالرأي غالباً و يتجلى ذلك من خلال إختياره دوماً لمساعدين ذوي خبرة قليلة مقتصرة على تجربتهم القصيرة نسبياً فبعد النجاحات المبهرة التي حققها هذا الرجل مع المنتخب الوطنيّ تفاجئ الجميع من ملاحظين و متابعين و محللّين بالنتائج المخيّبة للأمال و " المهزلة " التي شاهدناها جميعاً في أمم أفريقيا بمصر بداية السنة الماضية فبعد الهزيمة بالثلاثية الشهيرة أمام غينيا و من ثمّ الإنسحاب القاسي أمام نيجيريا .
السلسلة السلبيّة و الحقبة السوداء كما نعتها البعض لم تقتصر على أمم أفريقيا و إنما تواصلت خلال المباريات الوديّة القليلة التي أجراها نسور قرطاج أو في مونديال ألمانيا و الآداء الهزيل بمرتبة الشرف الذي أدمع عيون العشرة ملايين ساكن !
هذه النتائج أجبرت الأقلام و الأفواه على التحرّك بشكل لا إراديّ ضدّ روجيه لومار مؤكدة على أنه يتحمل مسؤوليّة الفشل بمفرده بسبب فلسفته الغير مفهومة و تشكيلته الغريبة فالجميع يتذكر تلك الإختيارات المبهمة التي لعب بها في مونديال الألمان و إعتماده على مهاجم وحيد في مباراة أكرانيا في حين أننا كنّا مطالبين بنقاط المباراة الثلاث حينها ممّا يدلّ على ضعف " الكوتشينغ " لدى هذا الرجل في الآونة الأخيرة و التي تواصلت للأسف الشديد إلى يومنا هذا .
بين إيجابياته و سلبياته يقف القلم حائراً ، عاجزاً عن حكم موضوعيّ يشفي غليل كلّ من تربىّ على حبّ تونس و حريصاً على رفع رايتها عالياً فروجيه هذا قلب الموازين و الإعتبارات لكنه من جهة أخرى أفسد ما أنجزه في سنواته الأولى مع المنتخب الوطنيّ بالنتائج الأخيرة المخجلة بالنسبة لفريق عانق العالمية !
ما بين إقالته أو إستقالته .. و بقائه .. سؤال إختلفت حوله الآراء !
بعد " فضيحة " المونديال الأخير تعددت الاراء و أختلفت ، بين مؤيد لبقائه و بين مساند لإقالته أو إستقالته أو الطلاق بالتراضي كما يدّعون ليصبح روجيه لومار حديث الشارع الرياضي التونسيّ بعد مونديال المانيا و إلى يومنا هذا ..
الردّ كان سريعاً جداً من الجامعة التونسيّة لكرة القدم حيث أعلن السيد حمودة بن عمار رئيس الجامعة و بعثة المنتخب الوطني إلى ألمانيا آنذاك عن تمديد عقد المدرب الفرنسيّ لمدة عامين آخرين إلى حدود سنة 2008 ! كانت صدمة قويّة للجميع ، الصحافة كتبت العشرات بل المئات من الصفحات و المقالات ، المحللون ظهروا في عشرات البرامج التلفزيّة و القاصي و الداني يتحدث عن هذا الخبر الذي فاجئ الجميع بدون أيّ إستثناء فالصدمة كانت قويّة على حدّ تعبير البعض !
كلّ هذه الضوضاء و الجدل المنقطع النظير التي لم تشهده الساحة الرياضية التونسية من قبل لم ينتهي بنتيجة أو رأي إتفق عليه الجميع فالمؤيدون لبقاءه أكدوا أن للإستمراريّة دور في نجاح المنتخب و ليس من الضروريّ أن تأتي النتائج بسرعة و أن منتخبات عديدة اخرى كأسبانيا و هولندا لم تلتجئ لإقالة مدربيها بان باستن و آراغونيس بل أعطتهم مهلة كافية للتفكير و المواصلة كما تشبّث البعض بحجّة عدم وجود مدرّب كفء يعوّض روجيه لومار الذي كانت له أفضال عديدة على الكرة التونسيّة ، و من جهة أخرى إلتجئ الرافضون لمواصلة هذا الرجل حججاً عديدة و شواهد كثيرة مستندين إلى عناد الفرنسيّ و وجوب غياب العاطفة في مثل هذه الأحكام حيث يجب الرؤية إلى هذه المواضيع من زاوية النتائج التي سيحفضها التاريخ إضافة إلى تركيزهم الشديد على ضعف " كوتشينغ " المدرب في المباريات الأخيرة !
رغم القيل و القال .. لومار مازال يقود المنتخب !
رغم كثرة النداءات و الطلبات فإن روجيه لومار لا يزال إلى حدّ كتابة هذه السطور المدرب الأول للمنتخب الوطنيّ التونسيّ بمميزاته و سلبياته ، بكفائته و قوة شخصيته ، بعناده المتواصل مع الصحافيين خاصّة ، بفلسفته الغريبة و بإختياراته الغامضة .. هكذا هو روجيه لومار ، رجل أثار حيرة 10 ملايين تونسيّ !