

.jpg?quality=60&auto=webp&format=pjpg&width=1400)
كان عبدو اللاي كيتا يتنفس كرة القدم، وحول هذه الرياضة كانت تتمحور حياته، حيث لعب مع "الملعب المالي"، أحد فرق العاصمة باماكو الأكثر نجاحاً في الدوري المالي، ومن ثمة انتقل إلى فريق الاتحاد الليبي.
لم يرحل كيتا، 34 سنة، إلى ليبيا لأسباب كروية فقط، بل لأن العنف في مالي أدى إلى مقتل أبويه، لكن حتى في ليبيا ساءت الأوضاع الأمنية، واعتُقل اللاعب وبعد ذلك لم يجد بداً من الهجرة في اتجاه إيطاليا عبر قوارب الهجرة السرية.
كانت أسابيعه الأولى في جزيرة لامبيدوزا صعبة بسبب "حالة الفوضى وكثرة المهاجرين المنحدرين من جنسيات متعددة والناطقين بلغات متعددة".
حتى بعد فراره إلى إيطاليا، بقيت كرة القدم شغفه الأول، حيث حاول أن يلعب لفريقين محلّيين هما "كالتا جيروني" و"مينيو"، لكن عدم توّفره على بطاقة الإقامة منع الفريقين من استقطابه.
وفي النهاية اقتنع كيتا أن استكمال مسيرته الرياضية في إيطاليا سيكون صعباً للغاية أو حتى مستحيلاً إذا لم يسوّ وضعه القانوني.
حياة تتغير
تشاء الأقدار أن تشهد حياته منعطفها الأبرز وهو يتابع مقابلة كرة قدم لمنتخبه الوطني على التلفاز، في إطار نهائيات كأس إفريقيا، وكان ذلك عام 2013، في صالة تلفاز بمركز الاستقبال "كارا دي مينيو"، الذي يبعد حوالي 10 كيلومتر عن مدينة كاتانيا في جزيرة صقلية.
أثناء مشاهدة المباراة في المركز، وقع خلاف تطوّر لتبادل العنف، حيث يقول كيتا إن شاباً من ساحل العاج رمى عليه تلفازاً أصابه في الظهر وأسقطه أرضاً.
أخبره الأطباء في البداية أن أحواله عادية وأن علاجه انتهى، لكن كيتا، وفق أقواله، كان يشعر أن هناك أمراً ما على غير ما يُرام.
جرى إرسال كيتا من جديد إلى المركز حيث كان يقيم، لكنه كان يبكي من شدة الألم، إلى أن جرى إشعار المستشفى الذي أرسل له من جديد سيارة إسعاف.
نُقل كيتا بعد ذلك إلى مدينة سيراكوسا، حيث أجريت عملية جراحية على عموده الفقري، ولم يعد يستطيع المشي بعدها لشهرين، بل لم يعد قادراً على فعل أيّ شيء.
نقل كيتا مجدداً إلى وحدة لعلاج العمود الفقري في مستشفى بمدينة كاتانيا، وبقي هناك 18 شهراً، ثم عاد مجددا لهوايته، أي كرة القدم، في المستشفى، ولو عبر مشاهدتها فقط، كما استمر هناك يتعلم اللغة الإيطالية.
يحكي أنه بدأ خلال هذه المدة يحرّك أطرافه قليلا، ما أدى إلى تحسن في حالته الصحية.
منطقة بيدارا
في الأسابيع الأولى لوصوله إلى إيطاليا، دخل كيتا في روتين يومي كبقية المهاجرين غير النظاميين: مشاهدة التلفاز، الأكل، والنوم.
وحاول كيتا الاستمرار، على الأقل، في تدريباته مع الكرة، لذلك كان يركض صباحاً ويلعب الكرة مساءً.. تذكر تلك الحياة غيّر تقاسيم وجهه، كأنه يحكي عن شخص آخر وليس عن نفسه.
لكن حاليا تغيّر الوضع، يقضي كيتا معظم وقته في غرفته الصغيرة بـ"منزل العائلة" في منطقة بيدارا بمدينة كاتانيا. هذا المنزل هو واحد من ثلاثة يشرف عليها رجل إيطالي وزوجته.
يعيش المشرّدون في هذه المنازل، منهم مهاجرون وسجناء سابقون ومدمنون سابقون وناجون من العنف المنزلي، حيث أن جلّهم يعانون إعاقات نفسية أو جسدية، ولا يملكون مكاناً آخر يذهبون إليه.
الاستمرار في الأمل
في غرفته المجهزة، حيث يسود جو من الهدوء، يوجه كيتا شكره الخاص للمشرف كيسيبي ميسينا: "شكرا لله، شكرا لكيسيبي، على الأقل أنا هنا حي أرزق". يظهر كيتا متعباً، لكنه لم يستسلم، إذ يعمل على استكمال علاجه الطبي كلما استطاع ذلك.
يتذكر كيتا كيف أن الرجل الذي تسبّب له في إصابته الخطيرة، جاء عنده باكياً يطلب المغفرة.
يقول كيتا إنه فكّر في أن يسامحه حتى تطلق الشرطة سراحه بعد اعتقاله، لكن قبل أن يتخذ قراره، اختفى الرجل ولا أحد يعرف حالياً مكانه.
هل يعود إلى بلاده؟
بمساعدة كيسيبي، عاد كيتا مرتين إلى بلده، وهناك تزوج ويحتفظ بصورة لزوجته وهي ترتدي ملابس الزفاف بهاتفه، كما أنه يتمنى أن تلتحق زوجته به يوماً ما حتى تعيش معه في إيطاليا، ولكن تحقيق هذه الأمنية "يتطلب الوقت".
في المرتين اللتين زار فيهما مالي، أخذ كيتا معه ما يكفي من المعدات الطبية حتى تمر الرحلتين بسلام، "مثل هذه المعدات والأدوية لن تجدها في البلد".
النقص في الرعاية الصحية بمالي يعدّ أحد الأسباب التي تجعل كيتا يقتنع بصعوبة العودة حالياً إلى بلاده، رغم كل حزنه على واقعه، حيث يبقى ممدداً لليوم بأكمله على الفراش.
قد يعجبك أيضاً



