


معارك نصف نهائي دوري أبطال أوروبا كانت في (الراس) وليس في (الكراس) كما يقولون، فعقليات المدربين هي التي أوصلت المباريات للنتائج، بعد أن سخَرت كل الظروف والإمكانيات لتحقيق الانتصار، بنقلها إلى رؤوس اللاعبين وتدريسهم واجباتهم بدقة متناهية، للوصول إلى الهدف في النهاية.
المثير للدهشة أن لقائي الذهاب والإياب سارا بنفس السيناريو، خاصة مع تحييد موضوع الأرض بسبب خلو المدرجات من الجماهير بسبب جائحة كورونا، فتلاعب السيتي بالفريق الباريسي ذهابا وإيابا، وانتصرت أفكار المدرب توخيل على زيدان بنفس الطريقة، ليشق الفريقان الإنجليزيان طريقهما بكل جدارة للمباراة النهائية بعقلية إسبانية وألمانية.
جوارديولا استحق الوصول إلى النهائي هذه المرة، وقد يكون المرشح الأوفر حظا للقب، نظرا لفكره التكتيكي العالي، وقدرته على إخراج أفضل ما يمكن من اللاعبين، وهو ما فعله مرتين أمام بوكيتينو وفريقه، الذي استدرجه المدرب الإسباني لمصيدته بعدة أساليب دفاعية وهجومية، وحقق مبتغاه في النهاية بتحقيق الفوز ذهابا وإيابا.
منح المدرب الكتالوني نجمه الجزائري رياض محرز الفرصة الكاملة، وفضله على الثنائي سترلينج وجيسوس، بعد أن تألق في الأسابيع الأخيرة من الدوري الممتاز، وكان سر الحسم في نهائي كأس إنجلترا، ولم يخيب محارب الصحراء ظن مدربه، فسجل ذهابا، وإيابا وكان واحدا من مفاتيح الفوز.
شاهدنا كيف كان لاعبو السيتي يستدرجون نيمار ورفاقه، بتراجع رشيق للخلف، ومن ثم الاندفاع بالقوة القصوى عند افتكاك الكرة، والتسجيل بأسهل الطرق، بعيدا عن المغامرة، وحفاظا على مخزون اللياقة، وتشديد الضغظ في بعض فترات المباراة داخل منطقة الخصم، لإرهاقه ومنعه من بناء الهجمة التي تعتمد كثيرا على سرعة الأطراف، ونجح في تحقيق ذلك إلى حد كبير.
وفي نصف النهائي الثاني، كان المدرب الألماني توخيل، يصل للقمة مع فريقه تشيلسي الذي استلمه منذ فترة ليست بالبعيدة، فريقا ضعيفا مترنحا في إنجلترا، ولكن سرعان ما ما حوله لوحش كاسر، أنموذجا في اللعب الجماعي، والتحرك التكتيكي الخارق من كافة المحاور، والانطلاق مهاجما ككتلة واحدة، والتراجع مدافعا بنفس النسق، ليذيق ريال مدريد مراره الهزيمة ويحبط آماله في إضافة اللقب الـ 12 للبطولة.
زيدان بدا أكثر ارتباكا وتراجعا من الناحية التكتيكية، ولم يستجب لمتطلبات المباراة، ولا لطريقة خصمه الذي تفوق في جميع مراحل المباراة، فاعتماده بشكل أساسي على تشكيل قوامه من النجوم الذين حققوا معه الثلاثية الأوروبية، لم يشفع له بالاحتفاظ بذات القوة والنسق، وبدا ضعيفا واهنا في كثير من مراحل المباراة، نظرا لتقدم لاعبيه في السن وخاصة مودريتش وكروس وراموس وبنزيما.
ولعل هذا الرباعي الذي كان له الفضل في تحقيق الثلاثية التاريخية يضاف لهم الصفقة البلجيكية الخاسة هازارد، كان عبئا على الفريق وتسبب إرهاقه في تراجع الزخم الهجومي بسبب ضعف الإسناد وبطء الانتشار، وإحداث الفجوات الدفاعية في قوام الفريق، وزاد على ذلك تغييرات زيدان التي سحبت مجموعة من اللاعبين الأكثر نشاطا وقدرة على الجري مثل فينسيوس وميندي وكاسيميرو، والاحتفاظ باللاعبين العواجيز، قتلت طموح الفريق في الشوط الثاني، الذي شهد تلقي الفريق هدفا قاتلا أنهى صموده تماما.
نتشوق من الآن إلى المعركة النهائية بين عقلية جوارديولا وتوخيل في 29 مايو/أيار الحالي، ونحن على ثقة بأنها ستكون من أجمل وأقوى نهائيات دوري الأبطال في العصر الحالي، بعدما شاهدناه في الأدوار النهائية لهذه البطولة العريقة.



