Getty Imagesمع اقتراب انطلاق بطولة كأس العرب 2025، تعود الأنظار لتتجه بقوة نحو بطلها السابق، المنتخب الجزائري، الذي لا يزال يحتفظ في ذاكرة الجماهير برقمٍ ذهبيٍّ لا يُمحى، وبصمة كروية ما زالت تُدرَّس حتى اليوم.
لقد صنع "محاربو الصحراء" تحت قيادة المدرب جمال بلماضي واحدًا من أنصع الفصول في تاريخ كرة القدم الإفريقية والعربية، حين أسسوا معيارًا جديدًا للسيطرة والصلابة والفعالية، تُرجم إلى مسيرة استثنائية بلغت ذروتها بالتتويج بكأس الأمم الإفريقية عام 2019 في مصر.
لم تكن تلك الفترة مجرد سلسلة من الانتصارات، بل كانت منظومة كاملة من الإنجازات غير المسبوقة، من سجل خالٍ من الهزائم، إلى أداء هجومي لافت، وصولاً إلى صلابة دفاعية أظهرت منتخبًا لا يرحم منافسيه.
واليوم، ومع عودة الجزائر إلى الواجهة تحضيرًا لكأس العرب المقبلة، يصبح من الضروري قراءة تفاصيل تلك الحقبة الذهبية التي رسّخت صورة المنتخب كقوة ضاربة، وفهم حجم التحديات والتوقعات التي تحيط به وهو يستعد لخوض منافسات جديدة بطموح العودة إلى القمة.
حقبة ذهبية… ومنظومة صنعت التاريخ
مثّلت فترة بلماضي إحدى أهم المراحل في تاريخ الكرة الإفريقية، حيث تجسدت في "رقم ذهبي" لا مثيل له من الأداء والنتائج.
لم يكن ذلك الإنجاز وليد الصدفة، بل ثمرة منهجية فنية وتكتيكية محكمة، ورؤية واضحة حول كيفية إعادة بناء فريق منتصر بعد سنوات من التذبذب.
لقد أعادت تلك الحقبة رسم ملامح المنتخب، وأثبتت أن الجزائر قادرة على فرض هيبتها خارج الحدود، وأن لقبها القاري في 2019 كان مستحقًا بلا نقاش، بفضل منظومة احترافية وهويّة لعب واضحة، وشخصية قوية داخل الملعب.
المثير أن الإنجاز نفسه أعيد تأكيده مراراً عبر الأرقام القياسية التي حققها المنتخب بعد البطولة، ما جعل تلك المرحلة تُصنَّف كواحدة من أفضل الحقبات التي عاشها أي منتخب إفريقي في التاريخ الحديث.
مسيرة لا تُقهر: بلا هزيمة نحو التاج الأفريقي
في طريقها إلى التتويج القاري، خاضت الجزائر 7 مباريات كاملة دون أي خسارة وهو رقم فريد في بطولات تتسم دائماً بالمفاجآت. وجاء المسار على النحو التالي:
الفوز على كينيا (2-0)، الفوز على السنغال (1-0)، الفوز على تنزانيا (3-0)، العلامة الكاملة في دور المجموعات.
ثم جاء الدور الإقصائي ليؤكد صلابة الفريق: دور الـ16: اكتساح غينيا (3-0)، ربع النهائي: تعادل مع كوت ديفوار (1-1) قبل الفوز بركلات الترجيح (4-3)، وفي نصف النهائي: فوز درامي على نيجيريا (2-1) بهدف تاريخي لرياض محرز، والنهائي تكرار الفوز على السنغال (1-0).
هذه السلسلة لم تكن مجرد نتائج إيجابية، بل شهادة واضحة على انضباط تكتيكي وقدرة على التعامل مع مختلف السيناريوهات، من السيطرة الكاملة إلى الحسم في اللحظات الحرجة.
الأرقام الذهبية… لغة لا تكذب
ما منح الجزائر لقب "الرقم الذهبي" لم يكن الأداء فقط، بل الأرقام التي رافقت مسيرتها:
هجوم لا يتوقف
سجل المنتخب13 هدفًا في 7 مباريات، بمعدل يفوق1.8 هدف/مباراة، ولم يفشل في التسجيل في أي مباراة.
تألق بغداد بونجاح ورياض محرز أعطى للفريق تفوقًا نفسيًا دائمًا، وجعله بعيدًا عن أي ضغط متأخر أو بحث يائس عن أهداف في اللحظات الحاسمة.
دفاع حديدي
من أصل 7 مباريات، حافظ الحارس رايس مبولحي على نظافة شباكه في 4 مباريات كاملة ضد:
كينيا – السنغال – تنزانيا – غينيا بنسبة تفوق 57%، وهو رقم يعكس توازنًا مثاليًا.
ولم تتلقَّ الجزائر سوى هدفين فقط في البطولة (أمام كوت ديفوار ونيجيريا)، بفضل تماسك خط الدفاع ودور الوسط، خاصة النجم إسماعيل بن ناصر، في إغلاق العمق وإحباط بناء هجمات الخصوم.
مسيرة 2019 لم تكن البداية ولا النهاية، بل كانت نقطة انطلاق لسلسلة تاريخية جديدة شقّتها الجزائر بثبات:
35 مباراة متتالية دون هزيمة
هذا الرقم جعل الجزائر تتجاوز عمالقة اللعبة مثل إسبانيا والبرازيل، وتصبح ثاني أطول سلسلة لا هزيمة في تاريخ المنتخبات بعد إيطاليا.
امتدت هذه السلسلة في التصفيات والمباريات الرسمية والودية، وأكّدت أن المنتخب لم يحقق لقبه مصادفة، بل كان جزءاً من مشروع متماسك نقل الجزائر إلى مصاف القوى الكبرى في إفريقيا.
ترسيخ الهيمنة… وتوقعات ثقيلة قبل كأس العرب
النتائج التي حققتها الجزائر عام 2019—من عدم الخسارة، إلى التسجيل المتواصل، إلى صلابة الدفاع، كلها تُجمع على حقيقة واحدة: اللقب كان تتويجاً مستحقاً لمنظومة احترافية نقلت المنتخب إلى مستوى عالمي.
واليوم، ومع اقتراب كأس العرب 2025، يجد المنتخب نفسه أمام تحدٍ جديد: هل يستطيع محاربو الصحراء استعادة بريق تلك المرحلة؟ وهل يملك الجيل الحالي القدرة على إعادة كتابة التاريخ؟
ما هو مؤكد أن تلك الحقبة الذهبية لا تزال مصدر إلهام، وأن الجزائر تدخل البطولة العربية المقبلة محملة بإرث ثقيل… لكنه إرث يليق بالأبطال.
قد يعجبك أيضاً



