إعلان
إعلان
main-background

الأمل.. لامين يامال يقود أحلام إسبانيا بعد حالة من التراجع

Marcos Moreno
14 أبريل 202608:15
Legacy Spain 3 GFXGetty Images


بعد أن لامست السماء في 2010، عاشت إسبانيا تراجعاً حاداً في مشاركاتها بكأس العالم، وتسعى اليوم إلى استعادة هيبتها في نسخة 2026.

طوال تاريخها، ظلّ منتخب إسبانيا منتخباً “ينقصه شيء ما” ليخطي الخطوة الحاسمة ويُحسب ضمن القوى العظمى. ففي البطولات الكبرى، كان يزرع الشك أكثر مما يحصد الإقناع، وغالباً ما عجز عن تثبيت نفسه كبطلٍ متوَّج.

ارتدى قميص “لا روخا” أساطير مثل ألفريدو دي ستيفانو، وباكو خينتو، وريكاردو زامورا، وراؤول غونزاليس، وفرناندو هييرو وغيرهم. ورغم أن أسماءهم منقوشة بأحرف من ذهب في تاريخ كرة القدم، فإنهم لم ينجحوا في حمل كأس العالم. لم يأتِ فجر المجد الحقيقي إلا مع بدايات القرن الحادي والعشرين.

بدأت هذه الحقبة الذهبية مع يورو 2008، حين هزمت إسبانيا ألمانيا في النهائي لتحمل اللقب القاري للمرة الأولى منذ 44 عاماً. الخطوة التالية لجيلٍ زاخر بالمواهب، يضم إيكر كاسياس، كارليس بويول، سيرخيو راموس، أندريس إنييستا، تشافي هيرنانديز، دافيد فيا، وفرناندو توريس، كانت نحو كأس العالم 2010 في جنوب أفريقيا.

لم يكن الطريق مفروشاً بالورود أمام “لا فوريا روخا”، التي خسرت أمام سويسرا في المباراة الافتتاحية قبل أن تخوض معارك ملحمية في ربع النهائي ونصف النهائي ضد الباراغواي وألمانيا على الترتيب، لتبلغ النهائي أمام هولندا.

شهد ملعب “سوكر سيتي” في جوهانسبرغ نهائي كأس عالم مثيراً في 11 يوليو 2010، حين ثبّت كاسياس مكانته كواحد من أعظم حراس التاريخ بتصدٍ حاسم لانفراد آرين روبن، قبل أن يرسل إنييستا في الوقت الإضافي كرة “جابولاني” المثيرة للجدل إلى الشباك، ليمنح إسبانيا أول لقب في تاريخها بالمونديال.

بدا كل شيء كحكاية خيالية للمنتخب الإسباني، الذي عاد بعد عامين فقط ليتوج بلقب أوروبي جديد. ومع ذلك، كانت يورو 2012 أيضاً علامة على نهاية أعظم حقبة في تاريخه، وبداية تراجعٍ عميق يأمل في الخروج منه في كأس العالم المقبلة.

العودة إلى العادات القديمة

Spain v Netherlands: Group B - 2014 FIFA World Cup BrazilGetty Images

إحدى حقائق الحياة أن كل ما يصعد… لا بد أن يهبط. ورغم أن سقوط إسبانيا كان متوقعاً عاجلاً أم آجلاً، كما حدث لكثير من المنتخبات قبلها، فإنّ سرعة الانهيار فاجأت الجميع.

بدأ تهاوي الجيل الذهبي الإسباني في واحد من أكثر الملاعب أسطورية في العالم: ماراكانا. هناك، واجهت “لا فوريا روخا” منتخب البرازيل في نهائي كأس القارات 2013، حيث دمّر نيمار الشاب أحلام فريق فيسنتي ديل بوسكي بانتصار عريض 3-0، معلناً – دون أن يدري – بداية انهيارٍ درامي.

بعد عام واحد، وفي كأس العالم 2014 بالبرازيل، من كان يتخيّل أن حامل اللقب سيغادر من دور المجموعات؟ إسبانيا سُحقت أمام هولندا في مباراتها الأولى، ثم أنهت تشيلي مهمتها في المباراة الثانية، ليعود الأبطال إلى ديارهم أبكر مما توقّع أحد.

كان وقع الصدمة قاسياً للغاية على “لا فوريا روخا”، إذ ودّع عدد من الأساطير الساحة الدولية، فاتحين الطريق أمام جيل جديد يحمل على كتفيه مهمة شاقة: إعادة المنتخب إلى النخبة ومحاولة تكرار ما تحقق من إنجازات.

بحلول ذلك الوقت، باتت إسبانيا تُحسب كقوة عظمى في كرة القدم الدولية، لكن السؤال الذي سيطر على المشهد كان: هل يمكنهم استعادة المستوى الذي بلغوه بين 2008 و2012؟ هل سنرى من يحلّق مثل كاسياس مجدداً؟ من يملأ فراغ بويول كقائدٍ للدفاع؟ من يقدّم ثنائياً في وسط الملعب بمستوى إنييستا وتشافي؟ ومن يعيد إنتاج غزارة فيا التهديفية؟ أسئلة كثيرة… وإجابات شحيحة في السنوات التالية.

فشل يتلوه فشل

Spain v Russia: Round of 16 - 2018 FIFA World Cup RussiaGetty Images

على مستوى الأندية، ظلّت إسبانيا قوة كبرى، تقودها “ملوك أوروبا” ريال مدريد بألقابهم الـ16 في دوري الأبطال، إلى جانب برشلونة الذي اعتاد المنافسة في دوري الأبطال، وحتى إشبيلية الذي تحوّل إلى قوة ضاربة في الدوري الأوروبي. لكنّ الأضواء الدولية تسلّطت الآن على المنتخب، كواحد من قلّة من البلدان التي حملت كأس العالم. فهل سيتحمّل هذا الفريق الضغط ويجد طريقه إلى الغفران بعد انهيار البرازيل 2014؟

رفع الجيل الذهبي السقف عالياً للغاية، واللاعبون الجدد الذين جاؤوا لمحاولة مواصلة هذا الإرث عجزوا عن بلوغ التوقعات. إذ شكّل الخروج من دور الـ16 في نسختي روسيا 2018 وقطر 2022 المتتاليتين دليلاً واضحاً على أن ما قدّمه رجال ديل بوسكي لن يكون من السهل تكراره.

يتوق المشجعون الإسبان إلى تلك الأيام التي كان فيها الأساطير يرتدون قميص المنتخب ويحلقون فوق العشب أمام أي خصم، حين بدا وكأنهم يملكون كرة القدم العالمية وأن أحداً لا يستطيع هزيمتهم. كانوا يعيشون حلماً… لكنهم استيقظوا فجأة بعد مونديال البرازيل 2014. فكيف يمكن العودة إلى تلك اللحظات الحلوة؟

استندت أسس الجيل الذهبي إلى فريق برشلونة الأسطوري تحت قيادة بيب غوارديولا وأسلوب “التيكي تاكا”. وقد تزامن تراجع إسبانيا مع رحيل غوارديولا عن برشلونة في نهاية موسم 2011-2012، وهي اللحظة التي بدأ فيها النادي الكتالوني بدوره رحلة هبوط بعد أن كان يسيطر على أوروبا.

ما الذي يمكن أن يعيد إسبانيا إلى الواجهة؟ وبأي طريقة يمكنها أن تحلم مجدداً بحمل كأس العالم؟ كاسياس، إنييستا، تشافي، فيا، توريس، وبويول رحلوا جميعاً. كان المنتخب بحاجة ماسة إلى بارقة أمل تُضيء درب “لا فوريا روخا”، وقد ظهرت تلك البارقة بعد 13 عاماً من إنجاز جنوب أفريقيا، على أرض كتالونيا.

خرج ذلك الأمل من “لا ماسيا”، منبع المواهب التي أهدت إسبانيا سابقاً كثيراً من لحظات الفرح. هذه المرة، ظهر لاعب جديد قادر على إشعال حماس الجماهير بحلم العودة إلى منصّة التتويج العالمية: لامين يامال.

أمل متجدد

Spain v France: Semi-Final - UEFA EURO 2024Getty Images

لن ينسى الإسبان تاريخ 29 أبريل 2023، ففي ذلك اليوم منح تشافي – أحد رموز العصر الذهبي الإسباني ومدرب برشلونة آنذاك – يامال أول ظهور له مع الفريق الأول. ذكّر أسلوب لعبه كثيراً بليونيل ميسي، إذ واجه المدافعين بشجاعة، وتحكّم بالكرة وكأنها ملتصقة بقدمه اليسرى. موهبة من هذا العيار لا تتكرر كثيراً، وقد شعر كل من برشلونة وإسبانيا بأنهما محظوظان بامتلاكها في زمنٍ يخيّم عليه الظلام.

بعد أكثر من عام بقليل على ظهوره الأول، أصبح يامال قطعة أساسية في عودة إسبانيا إلى منصات التتويج في يورو 2024، حيث تغلبت على إنجلترا في النهائي. جوهرة جديدة وُلدت من “لا ماسيا” تقود جيلاً جديداً.

صحيح أن كاسياس، إنييستا، تشافي، راموس، بويول وفيا لم يعودوا موجودين، لكنّ جيلاً آخر بدأ يفرض نفسه، بأسماء مثل نيكو ويليامز، أوناي سيمون، ميكل أويارزابال، بيدري، غافي، ومارك كوكوريّا، وكلّهم يقودهم فتى مراهق أبهر الكوكب بقدمٍ يسرى ساحرة.

هل من العدل وضع ضغط بلدٍ بأكمله على أكتاف شاب لم يبلغ العشرين بعد؟ قد يظن كثيرون أن الإجابة لا، لكن يامال أظهر بأدائه المذهل في الملعب أنه قادر على تحمّل ذلك… وأكثر. ورغم أن الوقت لا يزال مبكراً للمقارنات، فإن رؤية لاعب بهذه السن يحمل أمةً بأكملها على كتفيه تذكّر كثيراً بما فعله بيليه في السابعة عشرة حين قاد البرازيل للتتويج بمونديال 1958.

يمتلك يامال بلا شك الموهبة اللازمة لإشعال كأس العالم، وقد برهن أيضاً أنه لاعب المناسبات الكبرى. لكن التتويج بطلاً للعالم يتطلّب أكثر من الموهبة. فهل يمتلك يامال صفات القيادة التي تحتاجها إسبانيا؟ وإن لم يفعل، فهل هناك من زملائه من يمكنه تولّي هذا الدور؟ صحيح أن هذا الجيل الجديد يزخر بالجودة ويُعدّ من بين أفضل المنتخبات في العالم، لكنه لا يصل إلى مستوى جيل 2010.

تسوية حسابٍ مع الماضي

FBL-WC-2026-EUR-QUALIFIERS-BUL-ESPGetty Images

نعم، تاريخ إسبانيا – خصوصاً في القرن العشرين – كان مفعماً بخيبات الأمل والوقوف على عتبة المجد دون عبورها، لكن مع تبدّل السيناريو في بدايات القرن الحادي والعشرين، تبدلت التوقعات أيضاً: العالم بات ينتظر من المنتخب الإسباني أن يكون طرفاً رئيسياً ومرشحاً للقب في كل بطولة يشارك فيها.

الأنظار الإسبانية مصوّبة الآن نحو أميركا الشمالية، حيث ستُقام كأس العالم 2026 في الولايات المتحدة والمكسيك وكندا. المهمة ثابتة لا تتغير: الفوز باللقب. هل ستكون المهمة سهلة؟ بالطبع لا. هل هم قادرون على تحقيق الإنجاز مرة أخرى؟ بلا شك.

في الطريق، سيواجهون خصوماً في غاية الصعوبة. ليونيل ميسي ورفاقه في الأرجنتين يدخلون البطولة كحاملي اللقب؛ كريستيانو رونالدو يستعد لـ“رقصته الأخيرة” مع البرتغال؛ كيليان مبابي يقود فرنسا المتعطشة للثأر؛ البرازيل تحت قيادة الأسطورة كارلو أنشيلوتي؛ إنجلترا مع توماس توخيل على رأس جهازها الفني تهدد أخيراً بقطع خطوة حاسمة نحو لقب كبير؛ وألمانيا، حتى وهي ليست في أفضل أحوالها، تبقى خصماً لا يُستهان به. أما إيطاليا، التي قد تعود إلى كأس العالم بعد غياب عن آخر نسختين، فستكون بلا شك من أصعب العقبات المحتملة في طريق إسبانيا إذا ما تأهل “الآزوري”.

وبالطبع، لا يمكن استبعاد “الخيول السوداء” التي اعتدناها في النسخ السابقة: هل يمكن للمغرب تكرار ملحمته في قطر؟ هل تستطيع اليابان أخيراً النظر في عيون القوى الكبرى دون خوف؟ هل ينجح المنتخبان المضيفان، الولايات المتحدة والمكسيك، في إشعال أجواء البطولة؟ وهل يمكن لأوروغواي أن تعود للمنافسة على اللقب بعد أكثر من 70 عاماً من آخر تتويج؟ لا شك أن المشهد يبدو معقداً أمام المنتخب الإسباني، لكن الحلم والدافع لمواجهة هذه المعركة وتجاوز كل العوائق لا يزالان في أوجهما.

تتعلق آمال الإسبان بسحر القدم اليسرى ليامال، الذي يحلم برفع كأس العالم قبل بلوغ سن العشرين، كما فعل بيليه ومبابي من قبله. قد تكون هذه البطولة نقطة تحوّل حاسمة لانطلاق مسيرة أسطورية.

كأس العالم 2026 تقترب يوماً بعد يوم، وفي الصيف المقبل سنعرف ما إذا كان المنتخب الإسباني سينجح أخيراً في تكفير ذنوبه الكروية، أم أن إرث التراجع الذي بدأ بعد 2010 سيبقى حملاً ثقيلاً على كاهله.

إعلان
إعلان
إعلان
إعلان