

Reutersالتاريخ لا يكتبه المنتصر دائمًا، بل يبقى هناك موطئ قدم للطرف الآخر من أجل تقديم رواية مغايرة، تظل معها الحقيقة معلقة بين طرفين.
وعلى وقع إياب كلاسيكو نصف نهائي كأس الملك، في سنتياجو برنابيو، الأربعاء المقبل، تبدو المحطة واحدة بين الأمس واليوم، إلا أن المشهد يبقى مغايرًا تماما قبل 76 عاماً.
في سيناريو لم ترسم ملامحه كرة القدم وحدها، وإنما تشابكت الأوراق، إثر احتدام خلافات سياسية بين مكونات البلد الأوروبي، الذي خرج لتوه من براثن حرب أهلية، امتد ظلها القاتم إلى الملعب، لتبقى اللافتة الأبرز لتلك الحقبة في تاريخ إسبانيا هي "أسطورة فرانكو".
في المتناول
كانت الأجواء مهيأة تماما أمام برشلونة، للعبور إلى المحطة الختامية للبطولة بحثاً عن اللقب العاشر، عندما شد البارسا الرحال إلى العاصمة مدعوما بانتصار مريح أمام الغريم، بثلاثية نظيفة، في ذهاب نصف نهائي الكأس عام 1943، على ملعب "ليس كورتيس".
إلا أن 45 دقيقة فقط على ملعب "تشامارتين" كانت كافية، لتقدم سيناريو كارثي للبلوجرانا، بعدما وجد الضيف نفسه متأخرًا بنتيجة مذلة 8-0، قبل أن يتطور العداد ليصنع النتيجة الأكبر في تاريخ الكلاسيكو 11-1، لتبدأ أسطورة جدلية لازالت تُستحدث كل عام، على وقع صدام الريال والبارسا.
الهزيمة ترفضها كتالونيا، بل وتسردها ضمن تاريخ مقاومة الإقليم في وجه الديكتاتور، فيما يفند الريال مكونات المشهد ليوثق أحقية الظفر بأكبر نتيجة في الكلاسيكو.
فلاش باك
كواليس المباراة الجدلية، لا تتوقف عند حدود هذا التاريخ، وإنما تمتد إلى سنوات قليلة قبل 1943، بعدما قرر الجنرال فرانسيسكو فرانكو في صيف 1936، القيام بانقلاب عسكري ضد الجمهورية الإسبانية الثانية.
وأطلقت تحركات فرانكو، شرارة حرب أهلية، استمرت 3 سنوات لتخلف نصف مليون من الضحايا، استتب بعدها الحكم لصالح الجنرال حتى وفاته سنة 1975، إلا أنه خرج منها عدوًا لدوداً لأطراف المقاومة في كتالونيا والباسك.
مباراة سياسية
ميلاد أسطورة فرانكو، كان لها ما يبررها في الشارع الكتالوني، بعد تأكيدات برشلونة أن ما حدث في العاصمة ليس له علاقة بكرة القدم، حيث تلقى الفريق تهديدات بالتنكيل من قبل عناصر النظام لخسارة المباراة لمعاقبة الإقليم المعارض.
واستند عشاق البارسا على شواهد سابقة لتدعيم روايته، تتعلق بإعدام رئيس البلوجرانا جوسيب سونيول، ومنع الجماهير من حمل أعلام المقاطعة.
وساق برشلونة رواية، بأن مدير الأمن الوطني، زار غرفة خلع ملابس الفريق قبل المباراة، مهدداً: "لا تنسوا أن النظام يتكرم عليكم، ويسمح لهم باللعب، رغم افتقارهم للوطنية"، خاصة بعدما أغضبت هتافات جماهير البارسا ضد فرانكو ولاعبي الريال، الجنرال الذي قرر معاقبة الفريق على ما اعتبره افتقاد الولاء.
روايات كتالونية
المؤرخ الرياضي ريتشارد فيتزباتريك، كشف عن تحريض إعلام مدريد ضد الضيوف بعد هتافات الذهاب، وصلت لتهديد اللاعبين بالقتل.
وصرحت أرملة حارس مرمى برشلونة في المباراة الشهيرة، لويس ميرو، قائلة: "استمر مهاجمو الريال في الضغط كما لو كانت مباراة طبيعية، لذا أعطاهم ميرو الكرة، وطلب منهم التسجيل إذا أرادوا ذلك، بالنظر إلى أنهم بدوا حريصين على إذلال خصومهم".
بدوره، وثق الصحفي جِييَم مارتينيز الواقعة: "اللقطاء يتحدثون عن كرة القدم، عليهم أن يتحدثوا عن السياسة"، في إشارة إلى تدخلات فرانكو في اللعبة لتحقيق مكاسب سياسية، دفعت الذراع الأيمن للجنرال فرناندو ماريا كاستيا للتأكيد: "ريال مدريد أفضل سفارة حظينا بها".
عادة متكررة
الطرف الآخر من المعادلة يرى الفوز منطقيًا، ويعكس واقع لعبة لم تخضع لمعايير في تلك الحقبة، معتبرًا أنه إذا كان الفوز على برشلونة (11-1)، يرجع لتهديدات فرانكو، فعلى البارسا أن يبرر الخسارة أمام أتلتيك بيلباو عام 1931 بنتيجة (12-1).
ادعاءات برشلونة، فندها الكاتب سيمون كوبر: "من السخف الاعتقاد بأن الريال كان فريقًا فاشيًا، أو أن فرانكو تلاعب بالنتائج"، معتبراً أن النتيجة لا تخضع لنظرية المؤامرة، فضلاً عن اعتراف الاتحادين الإسباني والدولي "فيفا".
اللقب باسكي
دعم الريال موقفه في الأحقية بالفوز التاريخي، أن اللقب في النهاية ذهب لصالح بيلباو، على الرغم من موقف الباسك المعارض لفرانكو، ساخراً من توقف أسطورة تهديد الجنرال على عتبات برشلونة.
ودلل الريال بالأرقام على تداول الألقاب في تلك الحقبة، بعدما حقق المرينجي 20 بطولة، بينما توج البارسا بـ17 لقباً، ما يدلل على عدم احتكار العاصمة للكؤوس.
يتجدد الصراع المدريدي الكتالوني، كل عام مرة أو مرتين، وينفض الحدث، إلا أن الحديث عن فرانكو سيبقى شاهداً على أحد أبرز محطات كلاسيكو الأرض.
قد يعجبك أيضاً



