وفي بداية الشوط الثاني من المباراة المهمة في الدوري الألماني، بين بايرن ميونخ وبوروسيا دورتموند (2-1)، ضمن منافسات البوندسليجا اليوم السبت، رفعت جماهير النادي البافاري في المدرج الجنوبي لافتتين كبيرتين، أثارتا الجدل داخل وخارج الملعب.
فقد كُتب على الأولى: "من يمنح المجرم مساحة، يتحمل المسؤولية - بواتينج، اغرب عن وجهنا!"، بينما جاء في الثانية: "لا مكان للأشخاص ذوي الشخصية السيئة في نادينا – لا مكان لبواتينج".
كانت هذه اللافتات بمثابة رسالة واضحة من جمهور بايرن، ضد فكرة عودة جيروم بواتينج إلى النادي ولو بشكل مؤقت.
بواتينج، الذي أعلن اعتزاله كرة القدم رسميًا قبل أسابيع قليلة، بعد آخر تجربة له مع نادي LASK لينز النمساوي، كان قد أعرب عن رغبته في دخول مجال التدريب.
وعندما سُئل المدرب البلجيكي فينسنت كومباني، المدير الفني الحالي لبايرن ميونخ، وزميل بواتينج السابق في مانشستر سيتي، عن إمكانية السماح له بالتدرب مع الفريق لاكتساب الخبرة، رحّب كومباني بالفكرة قائلًا إنه "منفتح تمامًا على هذا الأمر".
غضب كبير
لكن بمجرد تداول الخبر، ثارت موجة غضب كبيرة بين جماهير بايرن، خاصة في ظل الخلفية القضائية لبواتينج، إذ كان قد واجه تهمة الاعتداء الجسدي على شريكته السابقة، وهي قضية أثارت الكثير من الجدل في ألمانيا.
وعلى الرغم من أن النيابة العامة أوقفت الإجراءات لاحقًا، فإن اللاعب لم يُبرّأ رسميًا، ما جعل صورته العامة مثيرة للانقسام بين مؤيديه ومعارضيه.
المدير الرياضي لبايرن ميونيخ ماكس إيبرل حاول تهدئة الجدل بعد نهاية المباراة، مؤكدًا أن القضية أُعطيت أكبر من حجمها، قائلاً: "الأمر لا يتعلق بتعيين أو بمنصب دائم في النادي. لم يكن هناك حديث عن عودة رسمية لبواتينج إلى بايرن، بل فقط عن حضوره بعض الحصص التدريبية لمتابعة العمل الفني. نحن في بايرن لا نرى في ذلك مشكلة، ولكننا نتفهم مشاعر الجماهير ونتعامل معها باحترام".
ومع ذلك، بقيت الجماهير متمسكة بموقفها الرافض، معتبرةً أن النادي يجب أن يظل "رمزًا للنزاهة والقيم"، ولا يفتح الباب أمام من تلاحقه شبهات قانونية أو سلوكية، حتى وإن كان من أبناء النادي السابقين.
تاريخ بواتينج
جيروم بواتينج، المولود في برلين عام 1988، بدأ مسيرته الاحترافية مع نادي هيرتا برلين قبل أن ينتقل إلى هامبورج عام 2007، حيث تألق في الدفاع بفضل قوته البدنية وقدرته العالية على قراءة اللعب.
وبعد ثلاثة مواسم في الدوري الألماني، انتقل إلى مانشستر سيتي في صيف 2010، لكنه لم يستطع التأقلم تمامًا مع إيقاع الدوري الإنجليزي الممتاز، ليعود إلى ألمانيا بعد عام واحد فقط، عبر بوابة بايرن ميونخ، حيث بدأ فصلًا جديدًا من المجد الرياضي.
في بايرن، تحوّل بواتينج إلى أحد أعمدة الدفاع في أوروبا. شكّل ثنائيًا رائعًا مع كل من دانتي ثم ماتس هوميلز، وأصبح عنصرًا لا غنى عنه في تشكيلة الفريق، خاصة تحت قيادة المدرب الإسباني بيب جوارديولا بين عامي 2013 و2016، الذي طوّر أداءه في بناء اللعب من الخلف بدقة تمرير استثنائية.
شارك بواتينج في أكثر من 360 مباراة رسمية مع بايرن ميونخ، خلال عشر سنوات، وسجل 10 أهداف وصنع أكثر من 20 تمريرة حاسمة. وحقق مع الفريق البافاري 25 بطولة، من بينها:
9 ألقاب للدوري الألماني (البوندسليجا)
5 كؤوس ألمانيا
مرتان دوري أبطال أوروبا (2013 و2020)
مرتان كأس العالم للأندية
مرتان كأس السوبر الأوروبي
وعدة ألقاب محلية أخرى.
أهم لحظة
لكن أبرز لحظة في مسيرة بواتينج جاءت مع المنتخب الألماني. فقد كان جزءًا من الجيل الذهبي الذي فاز بـ كأس العالم 2014 في البرازيل، حيث لعب دورًا محوريًا في خط الدفاع إلى جانب ماتس هوميلز، وكان أحد أبطال النهائي التاريخي أمام الأرجنتين، الذي انتهى بهدف ماريو جوتزه.
إجمالًا، خاض بواتينج 76 مباراة دولية مع منتخب ألمانيا، وشارك في ثلاث نسخ من كأس العالم (2010، 2014، 2018) واثنتين من كأس الأمم الأوروبية (2012، 2016). كما اختير ضمن تشكيلة أفضل فريق في أوروبا لعام 2016 من قبل الاتحاد الأوروبي لكرة القدم (UEFA).
رغم هذه المسيرة المذهلة، إلا أن السنوات الأخيرة من مشواره كانت أقل استقرارًا. فقد غادر بايرن في صيف 2021 بعد خلافات فنية، لينتقل إلى أولمبيك ليون الفرنسي، حيث لم يقدّم الأداء المنتظر، قبل أن ينضم لفترة قصيرة إلى LASK في النمسا، ويعلن بعدها اعتزاله رسميًا.
خارج الملعب، لم تخلُ حياة بواتينج من الجدل، إذ واجه عدة قضايا قانونية تتعلق بسلوكه الشخصي، وهو ما أثر على سمعته في الأوساط الرياضية والجماهيرية.
ومع ذلك، لا يمكن إنكار أنه ترك بصمة قوية في تاريخ كرة القدم الألمانية، سواء بأدائه الدفاعي المميز، أو بقدرته على المساهمة في بناء اللعب الحديث من الخط الخلفي.