إعلان
إعلان
main-background

هاري كين ضحية صدمة مزدوجة

كريم مليم
17 يوليو 202609:51
Harry Kane failure GFXGetty Images

في كرة القدم، قد تختصر دقائق معدودة مسيرة لاعب بأكملها. فبينما كانت إنجلترا على بعد خطوات قليلة من بلوغ نهائي كأس العالم 2026، انقلب المشهد رأسًا على عقب خلال لحظات، لتتحول أحلام الإنجليز إلى خيبة جديدة، ويجد هاري كين نفسه في قلب العاصفة مرة أخرى.

الهزيمة القاسية أمام الأرجنتين لم تحرم المنتخب الإنجليزي من فرصة المنافسة على اللقب فحسب، بل ألقت بظلال ثقيلة على مستقبل قائده، الذي بات يواجه أسئلة لم يكن يتوقع سماعها في هذا التوقيت. فبعد موسم استثنائي مع بايرن ميونخ حطم خلاله الأرقام القياسية، أصبح الحديث يدور حول ما إذا كان قد أضاع آخر فرصة حقيقية للفوز بكأس العالم، وربما أيضًا جائزة الكرة الذهبية.

ومع اقترابه من الثالثة والثلاثين من عمره، تبدو هذه الخسارة أكثر من مجرد هزيمة في مباراة؛ إنها محطة قد تعيد رسم إرث أحد أعظم المهاجمين في تاريخ إنجلترا، وذلك حسبما أفاد موقع "جول".

وكان من اللافت أن يتأخر الصحفيون في توجيه سؤال مباشر إلى هاري كين حول مستقبله عقب الخسارة أمام الأرجنتين بنتيجة (2-1)، رغم أن هذا السؤال كان الأكثر حضورًا في أذهان الجميع.

وقف قائد المنتخب الإنجليزي في المنطقة المختلطة بعد نهاية المباراة، وقد بدت عليه علامات الإحباط الشديد إثر ضياع حلم الوصول إلى النهائي، ولم يُسأل عن مستقبله إلا بعد عدة أسئلة، رغم أن الظروف جعلت هذا الملف أكثر إلحاحًا من أي وقت مضى.

ويقترب كين من الاحتفال بعيد ميلاده الثالث والثلاثين، وهو عمر تبدأ عنده أغلب المهاجمين في فقدان جزء من قدراتهم البدنية، بينما تشير التوقعات إلى أنه سيبلغ الخامسة والثلاثين بحلول بطولة أمم أوروبا 2028، وهو ما يثير تساؤلات حقيقية حول قدرته على مواصلة الأداء بنفس المستوى.

لكن السيناريو كان من الممكن أن يكون مختلفًا تمامًا. فحتى الدقيقة الخامسة والثمانين، كانت إنجلترا متقدمة بهدف دون رد، وكانت الجماهير تستعد للاحتفال ببلوغ النهائي. ولو نجح كين في ترك بصمته الهجومية خلال اللقاء، لتحولت الساعات التالية إلى احتفال كبير، ولتصدرت الصحف الإنجليزية عناوين تتحدث عن قائد يقود بلاده نحو المجد العالمي.

إلا أن كل شيء تبدل خلال دقائق قليلة. وبات كين اليوم لاعبًا يمتلك سجلًا استثنائيًا مع الأندية، لكنه ما زال عاجزًا عن ترجمة ذلك إلى نجاحات مع منتخب بلاده، ليبقى التتويج الدولي هو الحلقة المفقودة في مسيرته.

وعبر حساباته على مواقع التواصل الاجتماعي، كتب قائد إنجلترا رسالة حملت الكثير من الحسرة، قال فيها: "كنا قريبين للغاية من الوصول إلى نهائي جديد، لكن ذلك لم يكن كافيًا. بذلنا كل ما لدينا طوال الأسابيع الماضية، ومن الصعب تقبل عدم تحقيق الهدف. نحن نقترب من المجد منذ سنوات، لكننا نفشل دائمًا في وضع القطعة الأخيرة من الصورة".

أمام الأرجنتين.. مباراة كشفت كل شيء

على مدار الساعة الأولى من اللقاء، قدم المنتخب الإنجليزي واحدة من أفضل مبارياته في البطولة. لم يكن فريق المدرب توماس توخيل أفضل من الأرجنتين بصورة مطلقة، لكنه نجح في مجاراة بطل العالم من حيث التنظيم والانضباط والندية، وعندما افتتح أنتوني جوردون التسجيل في الدقيقة الخامسة والخمسين، بدا الهدف مستحقًا بعد أداء متوازن من الإنجليز.

كان الجميع يتوقع رد فعل أرجنتيني قوي، لكن في المقابل كانت إنجلترا تبدو قادرة على امتصاص الضغط والرد بالهجمات المرتدة. إلا أن ما حدث كان عكس ذلك تمامًا.

تراجع المنتخب الإنجليزي إلى مناطقه الدفاعية بصورة مبالغ فيها، وترك زمام المبادرة بالكامل للأرجنتين، التي استغلت هذا التراجع وفرضت سيطرتها المطلقة على مجريات المباراة.

حتى المدرب ليونيل سكالوني وصف ما جرى بقوله إن لاعبيه "شمّوا رائحة الدم"، في إشارة إلى إدراكهم أن منافسهم بدأ يفقد السيطرة على المباراة، وهو ما منحهم الثقة للهجوم بلا تردد حتى قلبوا النتيجة.

وخرج هاري كين من المباراة بأرقام بدت بعيدة تمامًا عن مستوى لاعب ينافس على الكرة الذهبية. فقد لمس الكرة 26 مرة فقط طوال اللقاء، وأكمل تسع تمريرات ناجحة، وسدد كرة واحدة تصدى لها الحارس، كما أنه لم يسجل أي لمسة داخل منطقة جزاء المنتخب الأرجنتيني.

لكن هذه الأرقام، رغم سلبيتها، لا تعكس الصورة كاملة. فالمباراة اتسمت بالاحتكاكات البدنية والالتحامات العنيفة، وهو النوع من المباريات الذي يجيد كين التعامل معه.

وخاض قائد إنجلترا عددًا كبيرًا من الصراعات الثنائية، متفوقًا حتى على بعض لاعبي وسط الأرجنتين، وألقى بنفسه في العديد من الالتحامات في محاولة لمساعدة فريقه على الصمود.

وخلال الشوط الأول، كان هذا الأسلوب فعالًا، خاصة مع قلة الفرص الهجومية للطرفين. لكن بعد تقدم إنجلترا في النتيجة، تغيرت متطلبات المباراة بالكامل.

فبدلًا من الاكتفاء بالالتحامات، أصبح الفريق بحاجة إلى مهاجم قادر على الاحتفاظ بالكرة، وقيادة المرتدات، واستغلال المساحات خلف دفاع الأرجنتين، وهو ما لم يحدث.

كين يعترف بالمشكلة.. لكنه كان جزءًا منها

بعد نهاية المباراة، تحدث هاري كين بصراحة عن أسباب الانهيار، مؤكدًا أن منتخب بلاده فقد السيطرة على الكرة في الشوط الثاني.

وقال قائد إنجلترا: "لسبب أو لآخر، واجهنا صعوبة في الاحتفاظ بالكرة، كما لم ننجح في الضغط بالشكل المطلوب، وهو ما منح الأرجنتين الزخم وأتاح لها فرض سيطرتها على المباراة".

لكن المفارقة أن كين نفسه كان جزءًا من هذه الأزمة. فالمنتخب الإنجليزي كان بحاجة إلى مهاجم يمتلك السرعة الكافية للهروب من الرقابة واستغلال بطء قلبي دفاع الأرجنتين، أو لاعب يستطيع الضغط المتواصل على المدافعين لإجبارهم على ارتكاب الأخطاء.

ورغم أن كين يعد واحدًا من أكثر المهاجمين تكاملًا في العالم، فإن السرعة لم تكن يومًا من أبرز نقاط قوته. ومع تراجع الفريق إلى الخلف، اضطر إلى العودة للمساندة الدفاعية أكثر من مرة، ليصبح بعيدًا عن مناطق الخطورة، بينما واصلت الأرجنتين ضغطها المتواصل حتى تمكنت من قلب النتيجة.

ويرى كثيرون أن المدرب توماس توخيل كان مطالبًا بالتدخل مبكرًا، فمع تغير إيقاع المباراة، لم تعد المواجهة تناسب خصائص هاري كين، وكان من الأفضل الدفع بمهاجم أكثر سرعة وحيوية لاستغلال المساحات التي بدأت تظهر خلف الدفاع الأرجنتيني.

لكن المدرب الألماني أبقى قائده داخل الملعب حتى اللحظات الأخيرة، ليجد نفسه شاهدًا على انهيار فريقه دون أن يمتلك الأدوات الكافية لتغيير مسار اللقاء.

وكان ذلك أحد أكثر القرارات إثارة للجدل بعد صافرة النهاية، خاصة أن كثيرين رأوا أن المباراة خرجت تدريجيًا من بين يدي إنجلترا دون أي رد فعل حاسم من الجهاز الفني.

هل انتهى حلم الكرة الذهبية؟

رغم النهاية المحبطة مع المنتخب الإنجليزي، فإن موسم هاري كين على مستوى الأندية كان استثنائيًا بكل المقاييس، بل إنه يُصنف ضمن أفضل المواسم الفردية لأي مهاجم في أوروبا خلال السنوات الأخيرة.

فقد نجح قائد إنجلترا في قيادة بايرن ميونخ للتتويج بلقب الدوري الألماني بفارق مريح بلغ 16 نقطة عن أقرب ملاحقيه، بينما واصل تحطيم الأرقام القياسية بوتيرة مذهلة.

وسجل كين 58 هدفًا في جميع المسابقات، وهو أعلى رصيد تهديفي يحققه لاعب في موسم واحد بتاريخ الدوري الألماني، كما أنهى المنافسات المحلية برصيد 36 هدفًا، وهو رقم لم ينجح أي لاعب في الدوريات الأوروبية الخمسة الكبرى في معادلته خلال الموسم.

ولم تتوقف إنجازاته عند هذا الحد، إذ أصبح أسرع لاعب في تاريخ بايرن ميونخ يصل إلى 100 مساهمة تهديفية، ليؤكد مرة أخرى أنه أحد أكثر المهاجمين استمرارية في كرة القدم العالمية.

هذه الأرقام دفعت العديد من المحللين ووسائل الإعلام إلى اعتباره أحد أبرز المرشحين للفوز بجائزة الكرة الذهبية، خصوصًا بعدما اقتربت معدلاته التهديفية من الأرقام التي اعتاد تحقيقها أساطير اللعبة، مثل ليونيل ميسي وكريستيانو رونالدو وروبرت ليفاندوفسكي.

ولو تم تقييم الجائزة اعتمادًا على الأرقام فقط، لامتلك كين ملفًا قويًا يجعله أول لاعب إنجليزي يتوج بالكرة الذهبية منذ تتويج مايكل أوين عام 2001. لكن الجوائز الفردية لا تعتمد على الإحصائيات وحدها.

بطولات كبرى ضاعت.. فضاعت معها الأفضلية

رغم تألقه مع بايرن ميونخ، فإن مشوار الفريق في دوري أبطال أوروبا ألقى بظلاله على فرص كين في سباق الكرة الذهبية. فالفريق البافاري قدم مستوى مميزًا أمام باريس سان جيرمان في نصف النهائي، لكنه فشل في تحقيق العودة خلال مباراة الإياب، ليودع البطولة بعد خسارة مثيرة في مجموع المباراتين.

وبعد هذا الإخفاق، أصبحت بطولة كأس العالم تمثل الفرصة الذهبية لتعزيز حظوظ كين في الفوز بالجائزة الفردية الأهم. وكان اللاعب نفسه يدرك ذلك جيدًا.

فقبل انطلاق البطولة، أكد ثقته في قدرته على المنافسة، مشيرًا إلى أن الجمع بين الأرقام الفردية والتتويج بكأس العالم قد يكون كافيًا لإهداء الكرة الذهبية إلى لاعب إنجليزي لأول مرة منذ أكثر من ربع قرن.

وقال حينها: "بالتأكيد سأكون أحد أبرز المرشحين. لقد حققت ألقابًا هذا الموسم وسجلت عددًا كبيرًا من الأهداف، وإذا فازت إنجلترا بكأس العالم، فمن الطبيعي أن ترتفع فرصي بشكل كبير".

بداية مثالية.. ثم النهاية الصادمة

سارت الأمور في البداية كما كان يتمناها قائد إنجلترا. فقد بصم على بطولة رائعة خلال الأدوار الأولى، وسجل هدفين في مرمى كرواتيا، وأضاف هدفًا أمام بنما، ثم أحرز ثنائية جديدة ضد الكونغو الديمقراطية، كما قدم تمريرة حاسمة في مواجهة المكسيك.

ولم يكن كين مجرد هداف للفريق، بل كان القائد الحقيقي داخل الملعب، إلى جانب جود بيلينغهام، حيث شكلا معًا العمود الفقري للمنتخب الإنجليزي طوال مشوار البطولة.

كما دخل بقوة في سباق الحذاء الذهبي، وكان يفصله هدفان فقط عن الثنائي ليونيل ميسي وكيليان مبابي قبل مواجهة الأرجنتين. كل المؤشرات كانت تؤكد أن كين يمتلك فرصة ذهبية لتغيير المعادلة. لكن مباراة نصف النهائي قلبت كل شيء.

فشل المهاجم الإنجليزي في التسجيل، وغاب تأثيره الهجومي في أهم مباريات البطولة، لتتراجع حظوظه بصورة كبيرة سواء في سباق الهدافين أو في المنافسة على الكرة الذهبية.

وبات من الصعب تصور عودته إلى المنافسة، حتى لو سجل في مباراة تحديد المركز الثالث، خاصة مع استمرار ميسي في خوض النهائي أمام إسبانيا، وما قد يحمله ذلك من فرص إضافية للنجم الأرجنتيني لتعزيز رصيده.

وبذلك، عاد كين إلى ألمانيا دون كأس العالم، ودون الحذاء الذهبي، ودون أفضلية حقيقية في سباق الكرة الذهبية، بعدما تبددت معظم آماله خلال تسعين دقيقة فقط.

هل كانت هذه آخر فرصة للمجد العالمي؟

الأمر الذي يزيد من قسوة هذه الخسارة هو أنها قد تكون بالفعل الفرصة الأخيرة لهاري كين على المسرح العالمي. فعندما غادر توتنهام متجهًا إلى بايرن ميونخ، اعتبر كثيرون أن انتقاله جاء متأخرًا عامًا أو عامين، بعدما أهدر جزءًا كبيرًا من مسيرته داخل فريق لم يكن قادرًا على المنافسة باستمرار على البطولات الكبرى.

ورغم ذلك، أثبت انتقاله إلى العملاق البافاري صحة قراره. فقد استعاد أفضل مستوياته، وأكد أنه لا يزال من بين نخبة مهاجمي العالم، بل إن البعض رأى أنه لم يبلغ ذروة مستواه الحقيقية إلا بعد انتقاله إلى ألمانيا.

كما اشتهر كين باهتمامه الكبير بالحفاظ على لياقته البدنية، ودائمًا ما تحدث عن إعجابه برياضيين من ألعاب مختلفة استطاعوا إطالة مسيرتهم الاحترافية بفضل العناية الفائقة بأجسادهم.

ولهذا السبب، يعتقد كثيرون أنه قادر على الاستمرار في تقديم مستويات مميزة مع الأندية لعدة سنوات أخرى. لكن كرة القدم الدولية تختلف تمامًا. فالبطولات الكبرى تأتي بعد مواسم طويلة ومرهقة، ولا تمنح اللاعبين الوقت الكافي لاستعادة جاهزيتهم أو إدارة دقائق اللعب بالشكل المعتاد مع الأندية.

كما أن المباريات الإقصائية لا تمنح أي فرصة للتعويض، وهو ما يجعل هامش الخطأ ضيقًا للغاية. وفي اللحظة التي كانت إنجلترا بحاجة فيها إلى قائدها، لم يتمكن كين من صناعة الفارق، لتتحول البطولة التي حلم بأن تكون بوابته نحو المجد الشخصي والجماعي إلى أكثر محطات مسيرته إيلامًا.

إرث استثنائي.. لكن بلا تتويج

إذا كانت هذه البطولة تمثل بالفعل آخر فرصة حقيقية لهاري كين للمنافسة على لقب كأس العالم، فإن إرثه مع المنتخب الإنجليزي سيظل من أكثر الإرثات إثارة للجدل في تاريخ كرة القدم الإنجليزية.

فعلى مستوى الأرقام، لا يختلف اثنان على أن كين يعد أعظم مهاجم ارتدى قميص "الأسود الثلاثة". فقد أصبح الهداف التاريخي للمنتخب، واقترب من بلوغ حاجز المائة هدف دولي، وهو إنجاز لم يسبق لأي لاعب إنجليزي تحقيقه.

كما يقترب من تحطيم رقم بيتر شيلتون كأكثر اللاعبين مشاركة بقميص المنتخب الإنجليزي، بعدما وصل إلى 121 مباراة دولية، ليصبح على بعد خطوات قليلة من دخول التاريخ من أوسع أبوابه.

وتزخر مسيرته الدولية بسلسلة طويلة من الإنجازات الفردية؛ فهو صاحب أكبر عدد من الأهداف المسجلة من ركلات الجزاء في تاريخ نهائيات كأس العالم، كما سبق أن تُوج بالحذاء الذهبي لمونديال 2018 بعد تصدره قائمة الهدافين.

لكن كرة القدم لا تتذكر الأرقام وحدها. فاللاعبون الكبار يُقاسون في النهاية بعدد البطولات التي قادوا منتخباتهم لتحقيقها، وليس فقط بعدد الأهداف التي سجلوها. وهنا تكمن المعضلة الكبرى في مسيرة هاري كين.

كلما اقترب من المجد.. ابتعد عنه

رغم استمراره لسنوات طويلة كأحد أفضل المهاجمين في العالم، فإن كين لم ينجح في كتابة الفصل الأهم في مسيرته الدولية. ففي كأس العالم 2022 بقطر، أهدر ركلة الجزاء الشهيرة أمام فرنسا، ليغادر المنتخب الإنجليزي البطولة وسط حسرة جماهيره.

وفي بطولة أمم أوروبا 2024، تعرض لانتقادات واسعة بسبب تراجع مستواه وعدم قدرته على قيادة المنتخب في المباريات الحاسمة. أما في مونديال 2026، فقد بدا المشهد أكثر قسوة.

دخل البطولة وهو في قمة عطائه الفني والبدني، ومدعومًا بأفضل موسم فردي في مسيرته، لكن عندما جاءت لحظة الحقيقة أمام الأرجنتين، اختفى تأثيره الهجومي، لتخرج إنجلترا من نصف النهائي بطريقة مؤلمة.

وهكذا، انضم هذا الإخفاق إلى سلسلة طويلة من المحاولات التي انتهت جميعها بالطريقة نفسها؛ الاقتراب من المجد دون الوصول إليه. والمقارنة تبدو أكثر قسوة عندما يوضع اسمه إلى جانب أعظم المهاجمين في تاريخ اللعبة.

فليونيل ميسي قاد الأرجنتين إلى لقب كأس العالم، وكريستيانو رونالدو تُوج مع البرتغال ببطولة أوروبا ودوري الأمم الأوروبية، بينما رفع بيليه ومارادونا كأس العالم، وقاد تييري هنري فرنسا إلى أعظم إنجازاتها. أما كين، فرغم أرقامه القياسية، لا يزال يفتقد ذلك اللقب الكبير الذي يغير نظرة التاريخ إليه.

أزمة إنجلترا لا تقل خطورة عن أزمة كين

ورغم الانتقادات التي طالت قائد المنتخب الإنجليزي، فإن المشكلة لا تتعلق به وحده. فالمنتخب الإنجليزي يواجه أزمة واضحة في مركز رأس الحربة، وهي أزمة قد تجبر الجهاز الفني على الاستمرار في الاعتماد على كين، حتى مع تقدمه في العمر.

فخلال كأس العالم، اصطحب توماس توخيل كلًا من أولي واتكينز وإيفان توني، وكلاهما بلغ الثلاثين من عمره، في حين لا يظهر في الأفق مهاجم شاب جاهز لقيادة الخط الأمامي خلال السنوات المقبلة.

وهذا الواقع يجعل من الصعب جدًا التفكير في استبعاد كين أو البحث عن بديل له في المستقبل القريب. ورغم تراجع مستواه في بعض المباريات، فإنه يظل الخيار الأكثر اكتمالًا وخبرة داخل المنتخب الإنجليزي، وهو ما يمنحه أفضلية واضحة مقارنة ببقية المهاجمين.

لكن في المقابل، يثير هذا الأمر قلقًا كبيرًا داخل الكرة الإنجليزية، لأن الاعتماد على لاعب تجاوز الثلاثين دون إعداد بديل حقيقي قد يخلق فراغًا هائلًا خلال السنوات المقبلة.

هل يستطيع تحدي الزمن؟

رغم كل ما حدث، لا يبدو أن هاري كين يفكر في الاعتزال الدولي. فالمهاجم الإنجليزي أكد عقب الخروج من كأس العالم أن شغفه بتمثيل منتخب بلاده لم يتغير، وأنه لا ينوي وضع نهاية لمسيرته الدولية في الوقت الحالي.

وقال في تصريحاته: "تمثيل المنتخب الوطني هو أكبر مصدر للفخر والسعادة بالنسبة لي، وهو أكثر ما أحب القيام به. صحيح أن البطولة المقبلة لا تزال بعد أربع سنوات، وسأبلغ الثالثة والثلاثين هذا الصيف، لكن ليونيل ميسي أثبت أن العمر ليس عائقًا، فهو لا يزال يقدم مستويات مذهلة. لذلك لا أريد أن أضع حدودًا لنفسي".

تصريحات تعكس رغبة قائد إنجلترا في مواصلة القتال، لكنها في الوقت ذاته تصطدم بواقع مختلف. فليس كل اللاعبين قادرين على تكرار ما يفعله ميسي، كما أن طبيعة مركز المهاجم تتطلب قدرات بدنية وسرعة يصعب الحفاظ عليهما مع التقدم في العمر.

لذلك، تبدو السنوات المقبلة بمثابة سباق مع الزمن بالنسبة لكين، سواء للحفاظ على مكانه في المنتخب، أو لإثبات أن هذه الهزيمة لن تكون النهاية.

وعندما ينظر هاري كين إلى مسيرته بعد سنوات، قد يتذكر كثيرًا من الأهداف والأرقام القياسية والجوائز الفردية، لكنه على الأرجح سيتوقف طويلًا أمام ليلة السقوط أمام الأرجنتين.

فهي المباراة التي كانت تفصله عن نهائي كأس العالم، وربما عن أول لقب كبير بقميص منتخب بلاده، وربما أيضًا عن الكرة الذهبية التي حلم بها طوال مسيرته.

لقد أثبت كين مرارًا أنه واحد من أعظم المهاجمين في جيله، وأن موهبته لم تكن محل شك يومًا، لكن التاريخ كثيرًا ما يحكم على النجوم بما يحققونه في اللحظات الفاصلة، لا بما يقدمونه على مدار موسم كامل.

ولهذا، قد تبقى خسارة إنجلترا أمام الأرجنتين أكثر من مجرد هزيمة في نصف نهائي كأس العالم؛ فقد تكون اللحظة التي غيّرت مسيرة هاري كين إلى الأبد، وحرمته من المجد الذي ظل يطارده سنوات طويلة، قبل أن يفلت من بين يديه في أكثر اللحظات قسوة.

إعلان

هل استمتعت بهذه القصة؟

أضف Kooora كمصدر مفضل على جوجل للاطلاع على المزيد من تقاريرنا

تابع Kooora على جوجل
إعلان