إعلان
إعلان
main-background

عز الدين أوناحي.. فخر الصناعة المغربية

أحمد عبد الحميد
05 يوليو 202605:53
أوناحيChatGPT

لم يكن المشهد الذي شهده ملعب مواجهة المغرب وكندا في ثمن نهائي كأس العالم 2026 مجرد احتفال بتأهل جديد لأسود الأطلس، بل كان أيضا تتويجا لرحلة لاعب اختصر في قصته مشروعا كرويا بأكمله.

فعندما رفع عز الدين أوناحي جائزة أفضل لاعب في المباراة، بعد أن قاد منتخب بلاده إلى ربع النهائي بثنائية تاريخية وأداء باهر، لم يكن يحتفل فقط بليلة شخصية استثنائية، وإنما كان يوجه رسالة جديدة إلى كل من اعتقد أن ما قدمه في مونديال قطر 2022 لم يكن سوى ومضة عابرة.

قبل 4 سنوات، سأل لويس إنريكي العالم بدهشة: "من أين جاء هذا اللاعب؟". واليوم لم يعد السؤال مطروحا، فالإجابة أصبحت يعرفها الجميع. أوناحي خرج من المدرسة الكروية المغربية الحديثة، من أكاديمية محمد السادس، لكنه وصل إلى القمة بعدما عبر طريقا مليئا بالرفض والإصابات والخيبات والاعتراف بالأخطاء، قبل أن يعود أكثر نضجا ليصبح أحد أبرز رموز الجيل الذهبي المغربي.

إعلان
  • مشروع تاريخي

    يصعب فهم قصة أوناحي بعيدا عن المشروع الذي غير وجه الكرة المغربية خلال العقد الأخير.

    فبعد سنوات من الاعتماد على المواهب الفطرية، قرر المغرب الاستثمار في صناعة اللاعب نفسه، فجاءت أكاديمية محمد السادس لتكون حجر الأساس لهذا التحول، حيث لا يقتصر العمل على تطوير المهارات الفنية، بل يمتد إلى بناء الشخصية والانضباط والثقافة التكتيكية والإعداد البدني والنفسي.

    وسط هذا المشروع، برز الفتى القادم من الدار البيضاء بموهبة مختلفة، لم يكن الأسرع، ولا الأقوى من الناحية البدنية، لكنه امتلك ما يبحث عنه أي مدرب في لاعب الوسط الحديث؛ رؤية واسعة، ولمسة أولى ناعمة، وقدرة نادرة على الإفلات من ضغط المنافس، إضافة إلى شخصية هادئة لا تتأثر بصخب المباريات.

    تعلم أوناحي داخل الأكاديمية أن الذكاء قد يهزم القوة، وأن اتخاذ القرار الصحيح في الثانية المناسبة أهم من الجري دون هدف، وهي الفلسفة التي سترافقه لاحقًا في كل محطات مسيرته.

    اقرأ المزيد عن أكاديمية محمد السادس من هـــنا

  • إعلان
    إعلان
  • عندما أغلق الحلم الأوروبي أبوابه

    مثل آلاف اللاعبين المغاربة، كان الاحتراف في أوروبا هو الخطوة الطبيعية التالية.

    انتقل أوناحي إلى ستراسبورج الفرنسي وهو يعتقد أن الطريق أصبح ممهدًا نحو الدوري الفرنسي، لكن الواقع كان مختلفًا تمامًا.

    شارك مع الفريق الرديف، بينما رأى كثيرون أن بنيته الجسدية لا تناسب متطلبات الكرة الأوروبية، ثم جاءت جائحة كورونا لتزيد الأمور تعقيدًا، قبل أن يتلقى الضربة الأكبر بعدم حصوله على عقد احترافي.

    كانت لحظة كفيلة بإنهاء أحلام كثير من اللاعبين، إلا أن أوناحي رفض الاستسلام.

    بدلًا من العودة إلى المغرب أو البحث عن طريق أسهل، قبل تحديًا جديدًا بالانتقال إلى نادي أفرانش في دوري الدرجة الثالثة الفرنسي، بعيدًا عن الكاميرات، حيث الملاعب الصغيرة والحضور الجماهيري المحدود، وهناك بدأت شخصيته الحقيقية في الظهور.

    مدربوه في أفرانش تحدثوا لاحقًا عن لاعب وصل محبطًا، لكنه كان أول الحاضرين إلى التدريبات وآخر المغادرين، مؤمنًا بأن موهبته ستفرض نفسها يومًا ما، مهما طال الانتظار.

  • عامان فقط... من الدرجة الثالثة إلى الهرم العالمي

    لم يحتج أوناحي إلى سنوات طويلة لإثبات نفسه، فبعد موسم واحد مع أفرانش، أقنع أنجيه بضمه، وهناك بدأ العالم يكتشف لاعبًا مختلفًا في مركز الوسط، لا يكتفي بقطع الكرات أو صناعة اللعب، بل يجمع بين المهمتين بسلاسة نادرة.

    لكن الانفجار الحقيقي جاء في قطر.

    دخل أوناحي مونديال 2022 دون ضجيج إعلامي كبير، وخرج منه أحد أبرز اكتشافات البطولة، بعدما لعب دورًا رئيسيًا في الإنجاز التاريخي للمغرب ببلوغ نصف النهائي، كأول منتخب عربي وأفريقي يصل إلى هذا الدور.

    وجاءت مباراة إسبانيا لتغير حياته بالكامل.

    سيطر أوناحي على وسط الملعب، ونجح في كسر ضغط الإسبان مرات متتالية، وركض بلا توقف طوال المباراة، حتى دفع لويس إنريكي إلى إطلاق عبارته الشهيرة بعد اللقاء: "يا إلهي.. من أين جاء هذا اللاعب؟".

    ثم أضاف: "نعرف زياش وأمرابط والنصيري، لكن هذا الفتى كان مذهلًا."

    لم تكن مجرد كلمات في مؤتمر صحفي، بل شهادة من أحد أفضل المدربين في العالم، نقلت أوناحي من خانة اللاعب المجهول إلى قائمة أكثر الأسماء المطلوبة في سوق الانتقالات.

  • إعلان
    إعلان
  • هل استمتعت بهذه القصة؟

    أضف Kooora كمصدر مفضل على جوجل للاطلاع على المزيد من تقاريرنا

    تابع Kooora على جوجل
  • القمة أصعب من الوصول إليها

    إذا كانت بطولة قطر قد صنعت اسم أوناحي عالميًا، فإن السنوات التالية أثبتت أن المحافظة على القمة أصعب كثيرًا من الوصول إليها.

    انتقل إلى أولمبيك مارسيليا وسط توقعات هائلة، بعدما حسم النادي الفرنسي الصفقة مقابل ثمانية ملايين يورو رغم منافسة نابولي وليدز يونايتد، لكن الواقع لم يكن كما توقع الجميع.

    تغير المدربون، واختلفت الأفكار الفنية، وتعرض اللاعب لإصابات متكررة، كما مر بظروف شخصية أثرت على مستواه، حتى بدأ بريقه يخفت شيئًا فشيئًا.

    واللافت أن أوناحي لم يبحث عن الأعذار، بل اعترف بنفسه قائلاً: "لم أعمل بالجدية الكافية. الموسم كان معقدًا بسبب الإصابة وبعض الظروف الشخصية، لكنني أتحمل المسؤولية كاملة. لا أريد تكرار الأخطاء نفسها، وعدت بعقلية مختلفة".

    ذلك الاعتراف كشف جانبًا مهمًا في شخصيته؛ لاعب يفضل مواجهة الحقيقة بدلًا من الهروب منها.

  • جيرونا.. حين وجد نفسه من جديد

    عندما انتقل إلى جيرونا، اعتبر كثيرون أن مسيرته تسير في الاتجاه الخطأ، خاصة مع معاناة الفريق في صراع البقاء.

    لكن المدرب ميتشيل رأى شيئًا مختلفًا.

    منحه الحرية الكاملة داخل الملعب، فعاد أوناحي إلى تقديم أفضل نسخة من نفسه، وأصبح أحد أبرز لاعبي الوسط في الدوري الإسباني رغم هبوط الفريق، محتلًا مراكز متقدمة في الإحصائيات الخاصة بالمراوغات، والتمريرات الكاسرة للخطوط، وصناعة الفرص، والتقدم بالكرة تحت الضغط.

    ولخص ميتشيل الأمر بقوله: "إنه لاعب استثنائي بالكرة وذكي جدًا من الناحية التكتيكية".

    أما أوناحي، فاعترف بأن جيرونا كان المشروع الذي احتاجه ليستعيد ثقته بنفسه، مؤكدًا أنه جاء إلى النادي لأنه يناسب أسلوب لعبه ويمنحه الحرية التي افتقدها.

  • إعلان
    إعلان
  • ثقة وهبي

    رغم تراجع الأضواء الإعلامية عنه، لم يفقد محمد وهبي ثقته في لاعب الوسط الذي يعرف قيمته جيدًا.

    ومع ظهور أسماء جديدة مثل نائل العيناوي وبوعدي، ظن كثيرون أن مكان أوناحي في التشكيلة الأساسية أصبح مهددًا، لكن المدرب المغربي كان يرى الصورة بشكل مختلف.

    قالها بوضوح: "أوناحي هو ضابط الإيقاع. عندما يكون في أفضل حالاته، يتحول منتخب المغرب إلى فريق مختلف".

    ولم تكن تلك الكلمات مجرد مجاملة، بل انعكست داخل الملعب.

    حافظ أوناحي على مكانه في التشكيل الأساسي طوال البطولة تقريبًا، قبل أن تأتي المباراة التي أعادت اسمه إلى واجهة الكرة العالمية.

  • المايسترو عاد

    أمام كندا، لم يحتج أوناحي إلى كثير من الوقت ليؤكد أنه عاد.

    تحرك بحرية بين الخطوط، كسر الضغط الكندي، صنع المساحات، وفرض إيقاع المباراة منذ الدقائق الأولى، قبل أن يسجل هدفين مبهرين، ويقود المغرب إلى فوز بثلاثية نظيفة وتأهل مستحق إلى ربع النهائي.

    لمس الكرة 65 مرة، فاز بستة التحامات، راوغ بنجاح، قاد 14 انطلاقة بالكرة، وتحول إلى مفتاح اللعب الأول في المنتخب المغربي.

    وبثنائيته، أصبح رابع لاعب أفريقي يسجل هدفين في مباراة إقصائية بكأس العالم، وثالث لاعب مغربي يحقق هذا الإنجاز في تاريخ المونديال، وأول لاعب من جيرونا يسجل في البطولة العالمية.

    وحين وقف بعد المباراة ليتسلم جائزة أفضل لاعب، لم يتحدث عن نفسه، بل قال: "أنا سعيد لأننا أسعدنا جماهيرنا وفخور بالانتماء إلى هذا الجيل".

  • إعلان
    إعلان
  • رواية كروية

    ربما يسجل لاعبون أهدافا أكثر من عز الدين أوناحي، وربما يحصد آخرون ألقابا أكبر، لكن قليلين هم من تتحول مسيرتهم إلى مرآة لمشروع كروي كامل.

    فقصة أوناحي ليست قصة موهبة انفجرت صدفة، بل قصة دولة استثمرت في الأكاديميات، وآمنت بالتكوين، وصبرت على مواهبها حتى أصبحت تنافس أعظم مدارس كرة القدم في العالم.

    من شوارع الدار البيضاء، إلى أكاديمية محمد السادس، مرورًا بملاعب الدرجة الثالثة الفرنسية، ثم سؤال لويس إنريكي الشهير في قطر، وصولًا إلى ليلة كندا التي قاد فيها المغرب إلى ربع نهائي كأس العالم للمرة الثانية تواليًا، تبدو رحلة أوناحي أقرب إلى رواية كروية منها إلى سيرة لاعب.

    ولهذا، فإن عز الدين أوناحي لم يعد مجرد نجم في منتخب المغرب، بل أصبح أحد أنجح الأدلة على أن "الصناعة المغربية" لم تعد شعارًا إعلاميًا، بل واقعًا يصنع نجومًا يكتبون التاريخ بأقدامهم، ويؤكدون للعالم أن المجد يبدأ من مشروع يؤمن بالمستقبل، قبل أن يؤمن بالنتائج.

  • اقرأ أيضا:

    المغرب والبرتغال وإسبانيا.. من يقدر على الوحش الفرنسي؟
    بتصريح واضح.. يامال يرفع راية الاستسلام أمام كريستيانو رونالدو


  • إعلان
    إعلان
إعلان