إعلان
إعلان
main-background

المال يُفسد ما صنعه الذكاء.. قصة الانهيار الأكبر في البريميرليج

حسين حمدي
24 أبريل 202617:24
Leicester City v Hull City - Sky Bet ChampionshipGetty Images

عقد من الزمان كان كافيًا ليكتب ليستر سيتي الرواية الأكثر تناقضًا في تاريخ كرة القدم الحديثة؛ فقبل 10 سنوات، زلزل هذا النادي أركان الكرة الإنجليزية حينما كسر هيمنة الكبار واعتلى عرش الدوري الإنجليزي الممتاز في موسم 2015-2016، محققًا إنجازًا وُصف بالخرافي والمستحيل.

لكن الآن وعبر مشهد تراجيدي صادم، يجد النادي نفسه غارقًا في وحل الدرجة الثالثة "ليج وان" بعد تعادل مخيب أمام هال سيتي، ليتم فصول انهيار متسارع بدأ من البريميرليج مرارًا بالتشامبيونشيب، وصولًا إلى قاع دوريات المحترفين.

إعلان
  • Leicester City v Everton - Premier LeagueGetty Images

    مشروع بُني على الذكاء لا على المال

    مع بداية موسم 2015-2016، لم يكن ليستر ضمن قائمة المرشحين حتى للمراكز الأوروبية، بل كان يُنظر إليه كنادٍ سيقاتل من أجل البقاء. ما حدث لاحقًا أن إدارة النادي الفنية في ذلك الوقت بنت مشروعًا على اكتشاف القيمة المخفية في السوق لا على ملاحقة الأسماء اللامعة.

    تشكيلة كلاوديو رانييري كانت مزيجًا عبقريًا من المواهب المغمورة، حيث بزغ نجم نجولو كانتي كلاعب وسط قادم من الدوري الفرنسي بمبلغ متواضع ليصبح لاحقًا أحد أفضل محوري الارتكاز في العالم، والتحق به رياض محرز الجناح الموهوب الذي انتُزع من لوهافر في الدرجة الثانية الفرنسية ليتحول في ليستر إلى نجم عالمي وحاسم، فيما جسد جيمي فاردي قصة الكفاح بصعوده من الدرجات الأدنى والهواة ليقود هجوم بطل إنجلترا ويسجل في شباك الكبار تباعًا.

    هذه الثلاثية، مدعومة بلاعبين مثل ويس مورجان وداني درينكووتر وكريستيان فوكس، جسّدت فلسفة تقوم على الانسجام التكتيكي، والعمل البدني الهائل، واللعب العمودي السريع الذي أربك دفاعات تشيلسي ومانشستر سيتي ومانشستر يونايتد وآرسنال.

  • إعلان
    إعلان
  • نجاح رياضي – اقتصادي

    لم تكن معجزة ليستر قصة رومانسية فقط، بل كانت أيضًا قصة إدارة ناجحة، حيث تحول النجاح الميداني إلى عوائد اقتصادية ضخمة.

    فقد أدخل بيع كانتي لتشيلسي ومحرز لمانشستر سيتي عشرات الملايين إلى خزائن النادي، وكانت هذه الأموال كفيلة بتمويل تحديثات في البنية التحتية والإنفاق على صفقات جديدة، مع الحفاظ على نموذج "الشراء الرخيص – التطوير – البيع بقيمة أعلى".

    وبالتوازي، شارك النادي في دوري أبطال أوروبا وبلغ ربع النهائي، كما توج لاحقًا بـكأس الاتحاد الإنجليزي، ليُرسِّخ صورته كنادٍ متوسط الحجم يتصرف بعقل أندية القمة دون أن يملك مواردها.

  • FBL-ENG-PR-LEICESTER-SRIVADDHANAPRABHAGetty Images

    بداية الأزمة.. وفاة مؤثرة

    في أكتوبر 2018، جاء حادث تحطم الطائرة المروحية الذي أودى بحياة المالك التايلندي فيتشاي سريفادانابرابها كنقطة تحوّل إنسانية وإدارية في مسار النادي.

    فيتشاي لم يكن مجرد ممول؛ كان رمزًا لعلاقة قوية بين مجموعة كينج باور والجماهير، ومع رحيله تولى ابنه أياوات المسؤولية وسط سياق اقتصادي عالمي أكثر تعقيدًا.

    بعد ذلك، ضربت جائحة كوفيد-19 قطاع الطيران والسياحة – وهما قلب نشاط كينج باور – ما انعكس على قدرة المجموعة على ضخ الأموال بسخاء في النادي، وأدى إلى اعتماد أكبر على القروض وإعادة هيكلة التمويل.

    اقرأ أيضا: بعد 10 سنوات من معجزة البريميرليج.. ليستر سيتي إلى الدرجة الثالثة

  • إعلان
    إعلان
  • هل استمتعت بهذه القصة؟

    أضف Kooora كمصدر مفضل على جوجل للاطلاع على المزيد من تقاريرنا

    تابع Kooora على جوجل
  • أخطاء السوق وتآكل الهوية

    في هذه المرحلة، حدث الانحراف الأخطر؛ فبدل الاستمرار في فلسفة "الصفقات الذكية"، بدأ ليستر يتصرف كنادٍ كبير في سوق الانتقالات دون أن يمتلك نفس قوة الدخل المستقرة، فدخل في دوامة تعاقدات بمرتبات عالية لم يكن مردودها الفني على قدر التكلفة، وراهن على لاعبين لم يتطوروا كما كان متوقعًا، مما أدى إلى فقدان تدريجي للعمود الفقري الذي صنع المعجزة مع رحيل النجوم وعدم تعويضهم بنماذج مشابهة.

    تزامن ذلك مع تراجع النتائج في البريميرليج، حتى جاءت لحظة الهبوط في 2023 التي أنهت حقبة وجود ليستر ضمن نخبة الدوري الإنجليزي الممتاز، ووضعت النادي على أول منحدر في الرحلة المعاكسة.

  • Leicester City v Millwall - Sky Bet ChampionshipGetty Images

    ثقب أسود خلف قناع "النادي النموذج"

    التقارير المالية لليستر في المواسم الأخيرة رسمت صورة مقلقة للغاية لوضع ليستر، حيث قدرت الخسائر بحوالي 71 مليون جنيه إسترليني في موسم 2024-2025، وهو آخر موسم في البريميرليج قبل توالي السقوط.

    ووصل إجمالي الخسائر منذ 2019 إلى نحو 375 مليون جنيه إسترليني، ما اضطر النادي إلى الاعتماد على قروض مؤسسية بفوائد مرتفعة لضمان الاستمرار في التشغيل، والاستعانة بتمويلات من بنوك مثل ماكواري بفوائد تتراوح بين 8% و9%، ما جعل خدمة الدين عبئًا إضافيًا على الميزانية.

    هذه الأرقام تعكس نموذجًا بات معتمدًا بشكل خطير على أموال البريميرليج من حقوق البث وعوائد اليوميات، وعلى أرباح بيع اللاعبين، ومع غياب العنصرين معًا، ظهر العجز الهيكلي بوضوح.

  • إعلان
    إعلان
  • قواعد الربح والاستدامة.. الضربة القاتلة

    لم يكن غريبًا أن يقع ليستر في مخالفة قواعد الربح والاستدامة الخاصة بالدوري الإنجليزي بعد كل ما سبق، ليتعرض لعقوبة خصم 6 نقاط في موسم التشامبيونشيب.

    هذه العقوبة عمّقت مأزق الفريق في جدول الترتيب وأظهرت للرأي العام مدى هشاشة الوضع المالي للنادي، لكن الأهم أنها كشفت أن المشكلة ليست فنية فقط؛ فحتى لو استعاد الفريق شيئًا من مستواه على أرض الملعب، فإن الأساس المالي كان متصدعًا بما يكفي لتقويض أي مشروع رياضي متوسط المدى.

    في 21 أبريل 2026، دخل ليستر مواجهة هال سيتي على ملعب كينج باور وهو يحتاج إلى الفوز لإبقاء آمال البقاء في التشامبيونشيب ولو حسابيًا، لكن المباراة انتهت بالتعادل 2-2، ليبقى رصيد ليستر عند 42 نقطة في المركز قبل الأخير، مع فارق 7 نقاط عن أول مراكز البقاء قبل جولتين من النهاية، في ظل خصم النقاط الـ6.

    ولم يكن الأمر يتعلق فقط بالنتيجة بل بالرمزية، حيث بات الملعب الذي شهد تتويج البريميرليج قبل عشر سنوات مسرحًا لإعلان الهبوط للدرجة الثالثة لأول مرة منذ موسم 2008-2009، وصفت الصحافة الإنجليزية المشهد بأنه أحد أقسى الأيام في تاريخ النادي، مقابل اعتبار ليلة التتويج عام 2016 أعظم أيامه.

    المفارقة المؤلمة في قصة ليستر أن النادي الذي ألهم العالم بنموذج "الذكاء قبل المال"، انتهى به الحال نموذجًا مضادًا لنفس الفلسفة. فبينما استند النجاح في 2016 إلى تجنّب المغامرات المالية والتركيز على اكتشاف المواهب قبل تضخم أسعارها، انجرف النادي لاحقًا إلى سوق إنفاق أعلى برواتب وصفقات لا تتسق مع حجم موارده. هذه "الخيانة" للفلسفة الأصلية جعلت السقوط لا يبدو مجرد نتيجة لسلسلة حظ عاثر، بل حصيلة طبيعية لانحراف استراتيجي عن المسار الذي صنع المعجزة.

إعلان