
كان مشوار ريال مدريد -عملاق دوري أبطال أوروبا- مليئًا بالتحديات الصعبة هذا الموسم، فمنذ بداية رحلته مع الأدوار الإقصائية، تمكن من التفوق على 3 فرق مرشحة للقب، باريس سان جيرمان، وتشيلسي "حامل اللقب"، ومانشستر سيتي.
وجاء تفوق الملوك في المواجهات الثلاث عن طريق سيناريوهات مثيرة ومفاجئة حد الخيال، وكان العامل المشترك فيها جميعًا "الريمونتادا"، وكأنها كلمة سر الفريق، أو استراتيجيته للإجهاز على خصومه، أو تعويذته الخاصة على أعتاب حصنه الحصين سانتياجو برنابيو.
مع كل تقدم في دوري الأبطال، وفوز درامي، وريمونتادا جديدة، وليلة ساحرة إضافية في البرنابيو، كانت الأصوات المعارضة لفريق العاصمة الإسبانية، تعلو وتفيض باتهامات على غرار: الحظ، كرة القدم القبيحة، فوز من لا يستحق على حساب الأحق، وأخيرًا، اعطني حظ ريال مدريد وارمني في البحر. فهل يفوز الفريق فعلا بالحظ؟ وهل فاز المرينجي بلقب الليجا أيضا هذا الموسم بالحظ، وهل حصد كأس السوبر في منتصف الموسم بالحظ؟
بداية، العقل والمنطق يرفضان أن يفوز ريال مدريد على إنتر ميلان ذهابًا وإيابًا بالحظ، وأن يقصي المرشح الأول للقب باريس سان جيرمان، ثم تشيلسي حامل اللقب، ثم مانشستر سيتي وهو مرشح آخر لا يستهان به خسر في نهائي النسخة الماضية، ثم نُرجع كل هذه الانتصارات إلى الحظ، والحظ وحده، لا يقبل أي عقل رشيد هذه التفسيرات، كما أن هذا الحديث فيه إهدار عظيم لقيمة الفريق ولاعبيه ومدربه المخضرم كارلو أنشيلوتي.
أنشيلوتي الذي صرح من قبل بأن المدرب الذكي هو من يبني أسلوبه على خصائص وقدرات لاعبيه، وأوضح أنه سيكون غبيًا إذا لم ينتهج فلسفة الهجوم المرتد وهو يملك لاعبًا بقدرات فينيسيوس جونيور الذي يركض كالدراجة النارية، بحسب وصفه. هذه فلسفة الرجل بكل بساطة، فهو يلعب اعتمادًا على قدرات لاعبيه وخصائصهم، ولا شك في أنه نجح في استغلال قدرات وخبرات لاعبيه، فأخرج لجماهير الملكي أعظم نسخة من فينيسيوس، وبنزيما، والثنائي معًا.
لا يمكن أبدًا إهدار جهود أنشيلوتي في استثمار قدرات خط دفاعي بأسماء أقل كثيرًا من التوقعات، مثل ميليتاو وناتشو، والاضطرار إلى توظيف ظهير أيسر مميز بقدرات ألابا في مركز قلب الدفاع، ولا يمكن تجاهل دوره في إفساح المجال أمام مواهب الريال مثل رودريجو وكامافينجا وميليتاو، ومن قبلهم فينيسيوس، على حساب نجوم كبار مثل هازارد وبيل.
ولن نكون منصفين إذا تجاهلنا الإشادة بمراجعة الرجل لأخطائه، والاعتراف بها بكل شجاعة، ومعالجتها، وهذا وضح جليًا بعد مباراة الذهاب أمام باريس سان جيرمان، وعقب الخسارة الكبيرة للكلاسيكو أمام برشلونة برباعية نظيفة. كل هذه العوامل لا يمكن إغفالها عند تحليل أو محاولة فهم ما حدث في موسم الفريق الملكي.
أما في تفاصيل المباريات، هناك الكثير لتحليله وتفسيره، صحيح أن مانشستر سيتي كان الطرف الأفضل في المباراة حتى تسجيل رياض محرز للهدف، وحتى بعد الهدف أضاع جريليش فرصة قتل المباراة، ولكن على الجانب الآخر، فقد نجح أنشيلوتي في إفساد نهج السيتي المعتاد في السيطرة والاستحواذ على الكرة، والبناء الخلفي للعب حتى الوصول إلى مرمى كورتوا.
وهذا ما تؤكده إحصائيات الاستحواذ على الكرة، فالنسبة كانت 54% فقط للسيتي و46% لريال مدريد، وهذا مؤشر واضح لفشل جوارديولا في فرض أسلوبه على الريال، فالسيتي فريق ينتهج بشكل رئيسي أسلوب الاستحواذ على الكرة والبناء الخلفي عن طريق التمرير القصير، بينما يعتمد أنشيلوتي بشكل رئيسي على الهجوم الخاطف والمرتد، ولا يهتم بالاستحواذ على الكرة لفترات طويلة.
فالإيطالي نجح في تعطيل السلاح الرئيسي لمنافسه، بالاعتماد على رباعي الوسط كاسيميرو وكروس ومودريتش وفالفيردي، وفعل ذلك بالتوازي مع تفعيل سلاحه هو، وهي معادلة ليست سهلة على الإطلاق حينما تواجه فريقًا بحجم مان سيتي، وكاد أنشيلوتي أن يحقق الهدف من أسلوبه، وكان قريبًا من التسجيل في أكثر من مرة عن طريق فينيسيوس أو بنزيما، قبل هدف رياض محرز.
وبالنظر إلى الإحصائيات الهجومية للفريقين، فسيتي امتلك 15 محاولة على المرمى مقابل 13 محاولة للريال، وبينما كانت محاولات السيتي بين القائمين والعارضة 9، فإن الريال وصل 5 مرات فقط إلى إيديرسون، وهذا يدل على أمرين: الأول هو إهدار لاعبي السيتي لفرص كبيرة، وتألق ملحوظ لكورتوا حارس الريال، والأمر الثاني هو أن مهاجمي الريال كانوا أكثر فاعلية في إنهاء الفرص المتاحة وتحويلها إلى أهداف.
كما أن جوارديولا ارتكب أخطاءً لا تغتفر في لحظات الحسم من المباراة بإخراج أبرز 3 عناصر هجومية في تشكيلته دي بروين وجيسوس ومحرز، والاطمئنان لنتيجة الفوز بهدف نظيف، ولم يضع في اعتباره إمكانية عودة الريال، في المقابل فعل أنشيلوتي كل ما هو ممكن ومتاح للعودة في النتيجة، وآمن بفرصته حتى اللحظات الأخيرة، ودفع بكل أوراقه، رودريجو وأسينسيو وكامافينجا، فجاءت المكافأة عن طريق رودريجو البديل السوبر.
كرة القدم تُلعب على أصغر التفاصيل، لذلك فإنه من العدل -وليس من الضروري أن تكون كرة القدم عادلة دائمًا- ألا تكافئ جوارديولا على أخطائه المتكررة، وأن تبتسم للمجتهد أنشيلوتي، فإذا نظرنا إلى إمكانات وظروف الفريقين نظريًا، فإن المنطق يرجح وصول السيتي إلى النهائي، ولكن وفقًا لحجم العمل والاجتهاد وقراءة المباراة، وعوامل أخرى مثل الخبرة وشخصية البطل، فلا شك أن ريال مدريد وصل إلى المباراة النهائية عن جدارة واستحقاق.



