
غضبنا بما فيه الكفاية، وحزننا كان كبيرا، على خروج أصحاب الضيافة للعرس الأفريقي مبكرا من مشوار المنافسة، ولكن البكاء على اللبن المسكوب لن يعيده للجرة المكسورة.
الآن..على الجميع الوقوف مطولا أمام كل الأحداث التي سبقت الخروج الكبير، والنظر بعين العبرة، بعيدا عن تبادل الاتهامات، وتوجيه اللوم لهذا المسؤول أو ذاك اللاعب، فالجميع يتحمل مسؤولية ما حدث، وإن كان هناك من توقع هذا الخروج منذ المباراة الافتتاحية التي حملت كثيرا علامات الخيبة، رغم التأهل لدور الـ 16 بالعلامة الكاملة.
المدرب المكسيكي أجيري لا يتحمل وحده هذه (الفضيحة)، فهناك الكثير من الشواهد حذرت من الوصول إلى هذه النتيجة، ولا ينبغي تجاهلها، وعلى الجميع استخدامها كخطة طريق للخروج من النفق المظلم، الذي وصلت له الكرة المصرية بشكل عام وليس المنتخب الوطني فقط.
الجميع مسؤول عما حدث، اتحاد معظم أعضائه إعلاميون يتحدثون في التلفزيون والإذاعة صباح مساء، يعملون بمدأ الشد العكسي، ينتقدون من ينتقد الاتحاد والمنتخب، ويبررون أفعال الاتحاد، يستمعون للنقد، ولا يلقون له بالا، بل وأحيانا يركبون الموجة وينتقدون الاتحاد بحثا عن الشعبية، وكأنهم ليسوا أعضاء فيه، دون أدنى اقتناع بما يقولون لأنه يتناقض تماما مع مصالحهم، التي لم تتوقف عند الجانب الإعلامي، وامتدت إلى نصيب في الجانب الإعلاني.
المنظومة الرسمية أيضا تتحمل جانبا من المسؤولية، فغياب الجماهير عن مدرجات البطولات المحلية، قتلها فنيا، وغيّب حافز اللاعبين الذين لعبوا، أمام مدرجات خاوية، كما أن صناديق الأندية بدأت تئن، لغياب واحد من أهم المداخيل المتمثل بالجمهور ومعه ارتفاع منسوب الرعاية والدعم المادي، وطالما نجحت مصر بتنظيم بطولة بهذا الحجم بالحضور الجماهيري، كان عليها أن تضمن مشاركة الجمهور في مسابقاتها المحلية، وأن تطبق القوانين على من يخالف شروط حضور المباريات ويستبب في الشغب كما يحدث في جميع دول العالم.
الأندية عليها مسؤولية، فالسجالات التي دخلت بها الإدارات، وخلافاتها الشخصية، ومعاركها خارج الخطوط، كان لها أكبر الأثر على النواحي النفسية للاعبين، كما أن إهمال بناء اللاعبين واستقطاب الموهوبين في سبيل شراء اللاعب الجاهز، قتل طموح العناصر الشابة، وتسبب في غياب المواهب المميزة خلال السنوات الأخيرة، مما جعل هناك ثغرة واضحة في بعض مراكز اللعب التي شغلها المحترفون الأجانب وفي مقدمتها غياب المهاجم، ومن خلفه صانع الألعاب، وبعض الإشكاليات في مركز الظهيرين.
الجهات الرسمية أيضا كان عليها التحرك بصرامة بعدما ما حدث من مهازل قبل وأثناء وبعد مشاركة مصر في المونديال، فاختلاط المصالح الشخصية لإداريي المنتخب وعدد من اللاعبين مع المصلحة الوطنية، كان السبب المباشر للخروج الصفري من المونديال، وبما يشبه فضيحة الأمس، كما أن السكوت عن دخول الكاميرات التلفزيونية لغرف اللاعبين، وفتحها أمام كل من يستطيع الدفع لالتقاط صورة أو التحدث مع النجم الفلاني، تسبب في غياب التركيز على اللاعبين، وفضيحة مقر الإقامة المجاني أيضا كان عليها ما عليها، واختلاطها بأمور سياسية لا مجال للحديث عنها.
حتى الجمهور الذي أخذ مكانه على المدرجات أطلق عليه (جمهور الأيسكريم) لأن التذاكر حجزت من قبل البنوك وبعض الجهات الداعمة، وتم توزيعها على جمهور (كلاس) جلس لالتقاط الصور والتشيير على السوشال ميديا، ولم يقم بدوره بالتشجيع وشد آزر اللاعبين كما ينبغي في مواجهة جنوب أفريقيا.
الأخطاء تراكمت من الجميع، والآن المسؤول واحد، وهو مدرب المنتخب، الذي وجد نفسه محاطا بمنظومة غير سوية، فسار مع التيار، ولم يتمكن من مواجهته رغم امتلاكه للخبرة الكافية لتمييز السمين من الغث، لكن لن يتمكن أي مدرب كان بالعمل في مثل هذه المنظومة العجيبة.
استقال الاتحاد، وأقيل أجيري، وبات على الجميع النظر للأمام، وعدم تكرار الخطأ نفسه، ووضع شروط على كل من يريد أن يحمل وزر العمل العام كعضو في اتحاد الكرة، أولها أن لا يكون له مصلحة في هذا المنصب، وأن يتفرغ تماما (رياضيا) لوضع الخطط ووسائل التنفيذ لتطوير الكرة محليا، وعودة الجمهور وجمع الأندية في بوتقة المصلحة العامة، ومن ثم الانطلاق نحو خطة عمل جاد لاستقطاب جهاز فني قادر على استعادة المعنويات، وبناء الخطط الطموحة لعودة الفراعنة للمونديال من جديد، ولكن بوجه آخر يحمل المسؤولية، والقدرة على الظهور بشكل يتناسب مع التاريخ والواقع.
.jpg?quality=60&auto=webp&format=pjpg&width=317)


