
"إذا مت الآن سأكون سعيدا لأنني حققت هدفي بتحفيز الجميع ليؤمن بقدرته على تحقيق أهدافه وأحلامه" كلمات النجم المصري محمد صلاح في حواره التلفزيوني الأخير، كان مفرطا بالصراحة، ووضع الكثير من النقاط على حروف الحقيقة، تاركا الحرية لمشاعره الدفينة، بالخروج والإشراق في سماء كل طامح بالتألق في عالم المستديرة.
لفظ "الموت" دائما ثقيل على المرء، وخاصة إذا ما كان نجما في أوج توهجه، والجميع ينظر إليه بكل اهتمام، والحياة ما زالت أمامه، تمنحه كل ما يريد، وتحقق أمنياته، لكن صلاح أصر على استخدامه، ليعكس راحة ضميره التامة عن مشواره المتوهج في عالم كرة القدم، وانعكاسه على تجربته الشاقة في سبيل الوصول إلى النجومية.
صلاح دوما يؤكد البداية المتواضعة في مشواره، وإصرارهال كبير على تحقيق هدفه بأن يكون نجما عالميا..وهناك من آمن به - وهم قلة - ودعموه وساندوه ووقفوا إلى جانبه وفي مقدمتهم أسرته، ومن ثم زوجته التي ارتبط بها في وقت مبكر من حياته، والتي أشاد كثيرا بصبرها وتحملها لكل الظروف التي يعيشها سواء في بداياته كمكافح من أجل أن يثبت نفسه، أو بعد أن أصبح نجما عالميا تسلط عليه الأضواء، ويعيش تحت ضغوط هائلة للحفاظ على مستواه والبقاء في القمة.
لن نعيد ونكرر كل ما يكتب عن صلاح، والتأثير الذي أحدثه منذ الوصول إلى قلعة الريدز قبل 5 سنوات، فالأرقام موجودة لمن يريد البحث عنها، لكن ما يستحق الإشارة له، أن صلاح غيّر النظرة إلى المحترف المسلم - الإفريقي - العربي - المصري، وفي كل بند من هذه الرباعية، تتجسد تجربة سابقة وظهور مختلف، ونتائج متفاوتة، لكن صلاح أوصل هذا الرباعي إلى القمة ليس في إنجلترا ولا أوروبا فقط، بل في العالم بأسره.
صلاح عكس عقلية مختلفة تماما عن الكثير من تجارب من سبقوه من هذا الرباعي، فمارس شعائره الدينية بشكل طبيعي، ولم يخجل منها بل حولها لشعار بات الكل يعمل على تقليده، بالتواضع مع الجميع، ومبادلة مشاعر المحبة للجمهور في أي مكان، والابتعاد عن كل ما يشوه علاقته بخالقه، فاحترمته الجماهير وأنشدت له أغنية "الملك المصري" التي اعتادت جماهير الأنفيلد ترديدها مع بداية كل مباراة، وبعد كل هدف.
محمد صلاح حالة فريدة في الاحتراف، فمرحلة البدايات طالت كثيرا وهو يتنقل من بسيون إلى طنطا..وصولا إلى المقاولون..واحتاج إلى 8 سنوات منذ بدايته للوصول إلى بازل السويسري، حيث آمن بأنه يستحق الفرصة، وبعد عامين فقط، كان يلفت انتباه مدرب تشيلسي جوزيه مورينو، الذي استقطبه، ولكنه بدلا من منحه الفرصة التي كان ينتظرها كثيرا، جمّده على مقاعد البدلاء، ليجد الخلاص في الإعارات للبحث عن موطئ قدم في الملعب، فيرحل إلى إيطاليا، ويبدع في فيورينتينا، ليستعيره روما، ومن ثم يتعاقد معه بشكل نهائي، ويظهر كل مواهبه كمهاجم لا يشق له غبار، ومن ثم حقق هدفه الكبير في أن يكون نجما في أكبر دوريات العالم، ويرتدي قميص ليفربول، في عام 2017 بعد قصة كفاح طويلة، وصلت إلى 13 عاما منذ وضع قدمه في الملاعب كلاعب هاو.
نعم..بداية صلاح الحقيقية جاءت متأخرة في ليفربول وعمره 25 عاما، لكنه في 5 سنوات، اختصر عمرا بأكمله، وحقق أرقاما وإنجازات لا يمكن تخيلها لهذا الشاب المصري، وكل ذلك جعله أيقونة في الإرادة والإصرار، تستحق الكثير من الكلمات التي لا تكاد توفيه حقه، وهو يسجل الهدف تلو الآخر، ويتوج باللقب بعد اللقب، دون كلل أو ملل.
نتمنى لصلاح العمر المديد، وأن يتسمر في الملاعب لأطول فترة ممكنة ليمتعنا بفنونه وأهدافه، وأن يبقى أيقونة للشباب في العالم بأسره، ونموذجا يستحق الاقتداء على الدوام.
قد يعجبك أيضاً



