

Reutersتعليقات كثيرة ملأت شبكات التواصل الإجتماعي جميعها تجلد النجم الإسباني دييغو كوستا بعدما قدم المهاجم البرازيلي الأصل واحدة من أكثر مبارياته إثارة للجدل السبت أمام أرسنال (2-0) في الجولة السادسة من الدوري الإنجليزي لكرة القدم.
لم يسجل كوستا أهدافا، لكنه قال كلمة الفصل، تسبب باستفزازاته في طرد مدافع أرسنال غابرييل باوليستا، ليسيطر تشلسي على ما تبقى من مجريات المباراة.
الحقيقة تقول أن كوستا لم يستفز غابرييل وحده، بل أثار حفيظة ملايين المتابعين للمباراة، وتقول أيضا أن مهاراته التهديفية وتصرفاته العدوانية جعلت منه لاعبا قريبا إلى الشباك وبعيدا عن القلب.
قبل المباراة أكد كوستا في مقابلة في مقابلة صحفية أنه مذهول من الوقفة الجماهيرية التي يحظى بها رغم أنه لا يقدم ذلك المستوى المأمول منه هذا الموسم، ويتساءل مهاجم أتلتيكو مدريد السابق عن السبب الذي يجعل الجمهور يهتف باسمه في أسوأ الظروف، فهو ليس معتادا على مثل هذه العواطف الجياشة، خصوصا وأنه نشأ في موطنه الأصلي البرازيل، وخضع لقساوة المشجعين الإسبان.. ما لا يعرفه كوستا هو أن الجمهور ليس غبيا لأنه يدرك تماما ما يمكن لمهاجمه أن يتسبب من أضرار معنوية للمنافسين.
عندما انتقل كوستا إلى انجلترا توقع النقاد أن يقع في مشاكل عديدة من اللاعبين، وقال نجم أرسنال السابق بول ميرسون ذات مرة أنه يخشى على كوستا من استفزازات الخصوم الذي يعرفون أنه لا يتحمل المضايقات، لكن ما حدث هو العكس، كوستا هو من يستفز.. وكوستا هو من يفقد أعصابه.. وكوستا هو من لا يعرف معنى الهدوء.
سجل كوستا أهدافا عديدة مع تشلسي الموسم الماضي وكان أحد العوامل الرئيسية في فوز فريق بلقب الدوري الممتاز، وفي الوقت الذي منحه جمهور تشلسي حبا غير مشروط، كرهه أنصار الفرق الأخرى حد النخاع لأنه يعكس الوجه القبيح للعبة طالما وصفها محبيها بالجميلة.
لكن ما الذي يجعل كوستا يتصرف بهذه الطريقة؟ هناك 3 إجابات محتملة لهذا السؤال، وربما تكمن الإجابة في الأسباب الثلاثة التالية مجتمعة.
الغضب
ملامح وجه كوستا إن دلت على شيء فإنها تدل على غضب كامن في نفسه منذ فترة طويلة، يصعب رؤيته مبتسما خلال 90 دقيقة، يدخل أرض الملعب وكأنها ساحة حرب، ويوهمك في بعض الأحيان بأنه ينوي قتل أحدهم!.
ما الذي يجعل كوستا غاضبا؟ ربما لا يوجد سبب مباشر لذلك، هو غضب فطري وطريقة تعامل اكتسبها مع مرور الأيام وليس ناجمة عن ظروف قاهرة، ربما نجح غضبه في يوم من الأيام، وأدرك بأن هذا الغضب قد يكون وسيلته للنجاح في عالم الكرة.
خلال السنوات الماضية، عرف عن لاعبين معينين ميلهم للجدية والصرامة، هؤلاء اللاعبين عبرا مرارا عن شعورهم بالغضب على أرض الميدان، نذكر منهم على سبيل المقال لاعبا تذوق طعم النجاح في اسبانيا أيضا.
بالنسبة لخريستو ستويشكوف، لم يكن الملعب فرصة للمساومة، كان يصرخ بمعالمه الحادة بمجرد أن يتعرض لمخالفة، خصومه خافوا منه، وحتى الزملاء في برشلونة تجنبوا الإحتكاك به في اللحظات الحاسمة.
لكن اللاعب البلغاري الذي قاد منتخب بلاده للمركز الرابع في نهائيات كأس العالم 1994، أظهر خارج الملعب وجها مختلفا، كان شديد التركيز على الأهداف التي وضعها، كثير التعامل مع الظروف الإستثنائية، وقليل الشكوى في ما يتعلق بالناحية الخططية، وهذه الميزات أهدته كرة ذهبية مستحقة وحذاء موندياليا ذهبيا وكأسا فضية طويلة الأذنين.
أما كوستا الذي يعتبر الفوز بلقبي دوري محليين في عامين متتاليين إنجازه الأبرز، فله قصة مختلفة، عندما يغضب فعلى كل من حوله الرضوخ لهذه الحقيقة.
الجهل
ليس خفيا أن اللاعبين البرازيليين خصوصا والقادمين من أميركا الجنوبية عموما، تنقصهم مهارات الإتصال الأساسية في ما يتعلق بسلوكهم الإجتماعي بعد تحولهم من حياة الأحياء الفقيرة في الطفولة، إلى حياة المال والشهرة.
أسمى والد كوستا ابنه "دييغو" تيمنا بنجمه الأرجنتيني المفضل دييغو مارادونا الذي بدوره دفع أثمان عدم سيطرته على أسلوب عيشه، فسقط في وكر المخدرات ولم يتخلص منها نهائيا حتى دخل العقد الخامس من عمره.
المقربون من كوستا يشيدون بابتعاده عن ما يمكن أن يؤثر بطريقة أو بأخرى على مسيرته كلاعب، فهو ليس الشخص الذي يقضي جل وقته في النوادي الليلية، ولا يأبه كثيرا لمغريات الثراء، عكس لاعب آخر وصل به الحال إلى أدنى مستوى بعد أعوام قليلة على ترشيحه لمنافسة ليونيل ميسي وكريستيانو رونالدو.
ماريو بالوتيلي مثال مناسب للاعب لا يتحلى بأدنى درجات الثقافة، ولا نعني هنا الدرحات العلمية أو المستوى الأكاديمي، حتى في مقابلاته الصحفية يعاني المهاجم الإيطالي لإعطاء أجوبة مفهومة أو حضارية، وتصرفاته داخل الملعب وخارجه يدلان على افتقاره لمفهوم الحياة المهنية.
المكر
ربما يصطنع كوستا كل ما ذكر ليحقق مراده داخل الملعب، فهو المهاجم الذي يستفز خصومه ويجعلهم برتكبون الأخطاء تواليا وفي بعض الأحيان يتمنى هؤلاء خسارة المباراة مقابل كسر ساق الهداف الإسباني.
غابرييل واحدا من عشرات المدافعين الذين وقعوا في كمين كوستا، ولن يكون الأخير حتى يجد الأخير رادعا، وهو ما يذكرنا برياضي سرق الأضواء بمكره قبل إنجازاته وهو لاعب كرة السلة الأميركي المعتزل دينيس رودمان.
لم يجد رودمان أي مشكلة في استفزاز خصومه، حركاته الماكرة التي نفذها بصحبة أيزياه توماس كانت سببا رئيسيا في التفوق على مايكل جوردان وسكوتي بيبن أواخر الثمانينات، وواصل شغبه ليجبر لاعب ارتكاز ألونزو مورنينغ على ضربه داخل الملعب، واستفز قائد يوتا جاز كارل مالون الذي بدوره اعترف بأنه لا يطيق رؤية وجه خصمه.
هذه الإستفزازات حققت النجاح للفرق التي لعب لها رودمان، لكنها أبعدته عن الأضواء على الصعيد الفردي، ويذكر المراقبون كيف تم استبعاد اسمه من فريق الاحلام الأميركي المشارك في أولمبياد برشلونة العام 1992، لأنه باختصار لا يتحلى بأدنى درجات الروح الرياضية.
كوستا يقوم بالدور ذاته، والأهم أنه يهرب من عقاب كل كرة، وهو الذي لم يتعرض للطرد منذ العالم 2012، ما دعى أحد الناشطين على تويتر للتغريد مساء السبت: "يمكن لدييغو أن يتشاجر مع ظله خلال المباراة، والغريب أنه سيبقى في الملعب فيما يتلقى ظله بطاقة حمراء".
أي كانت الأسباب، فإن كوستا نجح في ترسيخ شخصيته المستفزة، ويحمل الآن لقبا ليس مرغوبا، فهو الـ"باد بوي" الجديد للكرة العالمية، وهو أمر ليس سيئا إطلاقا.
في كل فيلم.. وكل مسلسل.. وكل معركة.. هناك الخير والشر، في كرة القدم الشرير موجود أيضا وإلا لما تواجد البطل المحبوب، كوستا هو النجم الشرير الذي تحتاجه اللعبة، الجمهور وشبكات التواصل الإجتماعي وشبابيك التذاكر، سماته الشخصية جزء من قصة تنتهي بنهاية الموسم، وتصرفاته هي من جعلت الناس يتحدثون عنه لساعات.



