
قدم مدرب المنتخب الإسباني لويس إنريكي، درسا مهما لعالم كرة القدم، وهو ينتصر على المنتخب الإيطالي بطل أوروبا، المدجج بالنجوم، والمسلح بالجمهور والتاريخ، بمجموعة من المراهقين، الذين أذهلوا أوروبا ومن بعدها العالم، بأدائهم القوي، وانسجامهم العالي، وقدراتهم الهائلة، التي أهلتهم للسيطرة المطلقة على المباراة قبل النهائية لدوري الأمم الأوروبية، وانتزاع بطاقة التأهل للنهائي من قلب السان سيرو، الشاهد على إنجازات الأزوري.
ذهب إنريكي للمواجهة الحاسمة بمجموعة من اللاعبين الشباب، غير آبه بالهجوم والانتقادات الصحفية الإسبانية، بعد أن تجاهله تماما وللمرة الثانية نجوم العملاق الإسباني ريال مدريد، واكتفى بأربعة لاعبين من برشلونة، أحدهم الشاب جافي، الذي لم يتجاوز الـ 17 عاما من عمره، ولم يخض سوى 3 مباريات فقط مع فريقه، وحطم بمشاركته رقم زميله الآخر بيدري، كأصغر من يمثل إسبانيا في التاريخ.
وأكمل إنريكي مفاجآته بالاعتماد على المهاجم الشاب م فيران توريس صاحب الهدفين بعمر 21 عاما، ولم يكتف بالتشكيل الأساسي الذي أبهر الطليان بأسلوبه الشامل، وانتشاره المثالي على أرض الملعب، بل وبالبدلاء الذين أكملوا عقد الشباب، فقام يرمي بينو (18) عام بدور مميز في الميمنة، وزميله خيل 20 سنة بدور مهم في العمليات الهجومية، وواصلوا ما بدأ به الفريق في الشوط الأول، لينجحوا في تحقيق إنجاز تاريخي، والوصول لنهائي هذه البطولة المستحدثة.
إنريكي أعاد اكتشاف أكثر من لاعب وبأعمار متوسطة، فأصر على أن يحرس عرين اللاروخا، حارس اتلتيك بلباو أوناي سيمون (24) سنة على حساب عملاق المان يونايتد دي خيا، وأعاد اكتشاف المهاجم أويار زابال (24) الذي كان من أفضل لاعبي المباراة، وطعم بهم مجموعة النجوم الآخرين بوسكيتس وسرابيا والونسو ولابورت.
أثبت إنريكي أن كرة القدم أساسها المدرب، وأن اللاعبين مجرد أدوات تتحرك بكل كفاءة في حال كانت إدارتها الفنية مميزة، وهناك سيطرة على القرار وقوة في اتخاذه، ولا يعني ذلك أن مانشيني وفريقه الأزرق كان سيئا، بل على العكس، قدم أفضل ما لديه في مباراة الموسم، التي كانت الأكثر إثارة وسرعة وجمالا، واستحق من خلالها الشكر على كل ما قدمه مع الطليان وأعاد بعث فريقهم المتهالك، وصنع منه بطلا لأوروبا وحقق معه سلسلة تاريخية بعدم الخسارة، توقفت فقط عند إنريكي ومراهقيه الشجعان.
قد يكون ما قام به المدرب الإسباني تعرية للكثير من المدربين الذين امتلكوا عددا هائلا من النجوم الكبار، وبمبالغ فاقت المليار، ولم يتمكنوا من تحقيق النجاح المأمول منهم، ولا حتى بطولة محلية، ومنح بذلك بريق ضوء للمدربين الطامحين للسير على نهجه، وتحقيق الإنجازات بالإدارة الفنية العبقرية، والقدرة على استخدام الأدوات المتاحة وتوظيفها بالشكل الأمثل، بعيدا عن نجوم القصور والسيارات الفارهة والرواتب الخيالية..والإنجازات الصفرية.



