
قد تبدو صورة المدرِّب الجزائري جمال بلماضي، وهو يسقط أرضا يقتلع عشب ملعب دوالا، ثم يجلس على مقعده مطأطأ الرأس حزينا على فشله في رسم الفرحة في قلوب الجزائريين، هي لقطة بداية السنة الميلادية الجديدة، وقد يبدو تضامن الجزائريين مع هذا الرجل الذي صنع سعادتهم في السنوات الأخيرة، أمرا طبيعيا، يدلّ على أن الجزائري متسامحٌ مع الخطائين ومتضامنٌ مع أخيارهم من التوّابين الذين يريدون تقديم الأحسن.
نتساءل دائما عن السبب الذي يجعل الجزائريين يقاطعون الانتخابات، خاصة الشباب منهم ولا يثقون في الوجوه المتكررة المتشبِّثة بالمقاعد، لأنها ترفض تحمّل مسؤولية الأزمات التي عاشتها البلاد على مدار عقود ولا تنحني خجلا أو ندما أو حزنا بعد كل فشل تقترفه، وما أكثر مطبات الفشل التي وقعت فيها، وطبعا لا يمكن تصور سياسي جزائري يخرّ على الأرض حسرة على تضييع فرص النجاح كما حدث مع بلماضي، بعد تعادل أشباله أمام منتخب سيراليون المتواضع.
لم يكن البكاء أبدا من سمات ضعاف الشخصية والفاشلين، فكل العظماء وحتى الأنبياء مرّوا عبر هذا الممر العاطفي، فترجموا مشاعرهم وبنوا على عبراتهم التحدّي الذي رفعوه وحققوا إنجازاتهم الكبيرة.
وما كان يحزّ في نفس الجزائريين أن الذين صنعوا مآسيهم بسياساتهم الخاطئة وبفسادهم، لا يكتفون ببقائهم في مناصبهم، بل يظهرون برؤوس شامخة وكأنهم يوزِّعون الماء والهواء على الناس بالمجان، فصار كل سقوط لأحدهم لا يثير الناس، إن لم يشمتوا فيه، فدخل بعضهم السجن وأزيح آخرون، فخرجوا نهائيا من التاريخ الذي هم في الأصل لم يدخلوه.
الذين تعاملوا مع بلماضي بهذا التحضُّر عليهم أن لا يضعوه في ضغط ضرورة تحقيق الانتصارات في المباريات القادمة، وإنما عليهم أن يشكروه على ما حققه في السنوات الأخيرة عندما اجتهد وأصاب، وأن يثمّنوا اجتهاده في الفترة الحالية والقادمة، حتى لو لم يصِب، لأن بلادنا في الفترة الحالية في حاجة إلى المجتهدين أكثر من الناجحين، إيمانا منا بأن لكل مجتهد نصيبا، ولو بعد حين.
نعتبر ما قدمه هذا الرجل المحترف الذي عجنته تجربة كروية راقية بين فرنسا وإسبانيا وإنجلترا وقطر، وما فعله أشباله، نموذجا يمكن أن يطبَّق في جمع المجالات، ونُشيد بما يقوم به عامة الناس من سلطة وجماهير كرة لأجل المحافظة على هذا النموذج الناجح، ودعمه والتغاضي عن بعض كبواته، وسيكون رائعا لو تطوّرت العلاقة بين الناس وبقية المسؤولين أو الإطارات في مختلف المجالات إلى هذا المستوى، على أن نشاهد حرصا على النجاح وتحسّرا على الفشل، على وزن بيت الشعر الشهير.
ملأى السنابل تنحني بتواضع والفارغات رؤوسها شوامخ
قد يعجبك أيضاً



