تسمى غابات الامازون الممطرة «رئة الارض» لأنها توفر 20 في
تسمى غابات الامازون الممطرة «رئة الارض» لأنها توفر 20 في المئة من الأوكسجين للكائنات الحية على سطح الكوكب، لكنها اليوم ستغطي 90 في المئة تقريبا من الحاجة للتنفس، باختصار كرة القدم تحتفل مع العالم في البرازيل اليوم، غير ان الأمر لا يخلو من اجواء ملبدة خارج الملاعب.
البرازيل لم تعد البرازيل كما يبدو، لأن البلد الذي يخرج فيه المولود من بطن امه حاملا كرة قدم في روحه، يحتاج فيه الشعب «نسبة لا بأس بها من السكان» على تنظيم اكبر بطولة للمستديرة الساحرة، يقول الناقد المتخص بشؤون كرة القدم البرازيلية تيم فيكيري ان الامور تغيرت في البرازيل حتى ان لحن السامبا اصبح في المركز الثاني في الموسيقى المفضلة عند البرازيليين اثر تراجعه امام «سيرتانيجو» الذي بات الأكثر شعبية بحسب استطلاعات الرأي.
لكن ما الذي دفع البرازيليون الى التظاهر قبل نهائيات كأس العالم؟ ولماذا يهدد العمال في قطاعات مختلفة بالاضراب عن العمل تزامنا مع الافتتاح؟ الامر لا يتعلق بكرة القدم ذاتها بل يرتبط بالحياة، هكذا يقول المحتجون، غير ان المفارقة في الموضوع ان البرازيل في عهد الديموقراطية انشأت الملاعب لاستضافة المونديال الا انها وجدت غضبا عارما من الشعب، فيما احتفل الناس في عهد النظام الديكتاتوري عندما اصدر الحاكم العسكري ايميل ميديسي اوامره لبناء 13 ستادا جديدا عام 1969.
وحققت البرازيل معجزات سياسية واقتصادية في العقود الثلاثة الاخيرة، فالبلد الذي حكمه النظام العسكري في الفترة ما بين 1964 و1985 تحول تدريجيا الى نظام الحكم الديموقراطي شيئا فشيئا حتى اصبح يمتلك واحدا من ارقى الدساتير في العالم، كما حقق البلد نجاحا منقطع النظير في المجال الاقتصادي ففي عهد الرئيس فرناندو هنريكي كاردوسو حقق استقرارا في منتصف التسعينيات للمرة الاولى وتسارع النمو ابان رئاسة لويز ايناسيو لولا دا سيلفا في بداية الالفية حتى دخلت البرازيل نادي الدول الصناعية بعد ان كان تعتمد فقط على الزراعة «ثالث اكبر دولة في العالم بتصدير الغذاء»، وورغم تلقي العالم صدمة عام 2008 بعد انهيار بنك ليمان اذ عانت جميع دول العالم حينذاك من كساد اقتصادي كبير غير ان البرازيل خرجت من الازمة دون ان تتأثر بتلك الازمة العالمية الأمر الذي يفسر منحها استضافة مونديال 2014 واولمبياد 2016.
وتوقع الجميع ان البرازيل ستنطلق بقوة نحو المستقبل حتى ان صحيفة وضعت قبل 5 سنوات صورة صاروخ بجانب التمثال الأشهرفي ريو على جبل كوركوفادو، وكتبت اسفل الصورة «البرازيل تقلع» الا ان الرياح سارت بما لا تشتهي الرئيسة ديلما روسيف، وبسبب النمو الضعيف للاقتصاد في البرازيل عام 2012 حيث نما 0.9%، خرج مئات الآلاف الى الشوارع في يونيو عامذاك احتجاجا على ارتفاع تكاليف المعيشة وسوء الخدمات العامة وجشع وفساد بعض السياسيين.
ومع الجانب المشرق من الطفرة الاقتصادية الذي تمثل برفع 25 مليون شخص من خط الفقر الى الطبقة الوسطى الا ان متخصصين بالاقتصاد يرون ان قانون الضرائب في البرازيل يعتبر الأكثر ارهاقا في العالم وتراكمت بسببه المشاكل على حكومة روسيف التي كانت تسابق الزمن للوفاء بتعهداتها في استضافة مونديال كلفها اكثر من 20 مليار دولار. ويرى المحتجون ان هذا المال يجب صرفه على التعليم والصحة في البلاد التي تعاني تخلفا واضحا في الخدمات، كما يثير قلقهم ان بناء تلك الملاعب سيكون بلا فائدة لان معظم الملاعب لن يتم استخدامها مستقبلا، وهو ما يعد هدرا للمال، ويقول جوزيه روبرتو فاغنر (من ساو باولو) : «الحكومة تتمنى ان يصبح المنتخب البرازيلي بطلا لكأس العالم لينسى الفقراء معاناتهم اليومية وحياتهم البائسة، لكني وللمرة الأولى في حياتي لن اشجع منتخب البرازيل».
ويعكس فاغنر رأي معظم المحتجين الذين يخرجون يوميا في المظاهرات المتوقع لها ان تسبب احراجا للبرازيل والاتحاد الدولي لكرة القدم امام جمهور كرة القدم في العالم والزوار القادمين من الخارج، وربما يتساءل المتابع عن الجهود المبذولة لـ«فيفا» لمساندة البرازيل في حل معضلة الاحتجاجات، لاسيما ان كأس العالم للقارات شهد العام الماضي المشكلة ذاتها، لكن المتابعين لم يرصدوا تحركا في هذا الاتجاه، ويبدو ان «فيفا» يراهن كالعادة على ان الجمهور ينسى جميع مشاكل الكرة الارضية بمجرد مشاهدة فريقه المفضل يلعب امامه، فيما ينشغل جوزيف بلاتر ورفاقه بحساب ارباح النقل التلفزيوني والرعاية.
ورغم ان كأس العالم اصبح امرا واقعا في البرازيل لكن المحتجين ارادوا استغلال الاضواء المسلطة على بلدهم لاظهار سخطهم على الواقع فهم يرون ان الحكومة تجاهلت اولويات مهمة جدا وحاولت ارضاء «فيفا» على حساب الشعب، والطبقة الفقيرة كانت تنتظر من الديموقراطية والطفرة الاقتصادية معالجة المشاكل الاجتماعية، بينما يصاب اولئك المعدومون بالصدمة لانفاق 900 مليون على الامن في المونديال الى جانب 20 مليارا ثمن بناء الملاعب.
وفيما دخل خزينة «فيفا» في مونديال جنوب افريقيا 2.4 مليار دولار من بيع حقوق البث التلفزيوني للنهائيات و1.07 مليار دولار من حقوق التسويق والرعاية، بينما انتظرت حكومة البلد المضيف الارباح من السياحة الى 30% من ارباح «فيفا»، وتثير مثل هذه الارقام حفيظة المواطن البرازيلي الذي يظن ان المونديال لن ينعكس ايجابا مستقبلا على حياة الفرد.
في نظرته لاقتصاد كرة القدم، يرى النقاد في «فايننشال تايمز» سايمون كوبر ان «افضل طريقة لفهم الاستفادة المالية من اقامة كأس العالم في البرازيل هي بالسلسة التالية : من النساء الى الرجال، من دافعي الضرائب البرازيليين لـ«فيفا»، ومن المشجعين ودافعي الضرائب لشركات المقاولات وأندية كرة القدم في البرازيل (التي تستفيد من جديد من الملاعب والتسويق) انها باختصار تضحية من اجل مجموعات مصالح مختلفة داخل البلاد وخارجها وهذه ليست طفرة اقتصادية»، ويختصر كوبر القضية ويضع كل طرف في مكانه لكن الواضح ان الجشع يفسد كثيرا اجواء كرة القدم حتى ان المرء لم يتصور ان يخرج برازيليا محتجا على اقامة المونديال في بلاده.
البرازيل الليلة تصارع في كل اتجاه، فهي تريد افتتاحا مبشرا بنهائيات رائعة من حيث المستوى الفني لمنتخبها وكذلك تسعى لاثبات ان منشآتها مستعدة لاستقبال المنافسات بجودة عالية، كما تأمل في ان تبرهن للاتحاد الدولي ان اختيارها لاستضافة اكبر بطولة في كرة القدم كان في مكانه، وهي ايضا تنظر خارج الملعب للمحتجين وتراقب عن كثب في وقت تراقبها المنظمات الدولية في طريقة تعاملها مع الشعب الساخط. ومع ذلك يتوقع الجميع ان المستديرة الساحرة ستحتوي البرازيليين الغاضبين لبعض الوقت وسيحظى الجميع بمونديال رائع لأن روح كرة القدم داخل البرازيلي ستدفعه لنسيان واقعه مؤقتا.
** نقلا عن جريدة "النهار" الكويتية