ارتفعت بعض الاصوات البرلمانية مجدداً، بعد قرار الاتحاد الدولي لكرة القدم «فيفا» اول من امس «تعليق عضوية الكويت» للمرة الثالثة في 22 عاماً والثانية في اقل من عام، منددة ومهددة ومستنكرة تألق فيها «الضمير الغائب»: (هو، هي، هم، هن وغيرها)، فلا أحد عرف من هو المندد به (بفتح الدال الاولى)، ولا المهدد (بفتح الدال الاولى) والمستنكر (بفتح الكاف)، ومن الواضح ان الازمة الخانقة التي شغلت المجتمع الرياضي لاكثر من 600 يوم، في طريقها هذه الايام الى النسيان، بمجرد احالة وزير الشؤون الاجتماعية والعمل بدر الدويلة مشروع بمرسوم قانون لتعديل بعض احكام القانون رقم 5 لسنة 2007 (بشأن تنظيم بعض اوجه العمل في اللجنة الاولمبية الكويتية والاتحادات والاندية الرياضية) الى مجلس الامة خلال الاسابيع القليلة المقبلة.
الازمة هذه الايام في أمتارها الاخيرة، ولا توجد «حلول» نختار منها مخرجاً لنا، والحل الوحيد المتوافر منذ 29 اكتوبر 2007: «تنفيذ القرار الدولي»، وما حذرت منه «النهار» قبل اسبوعين فقط في اصدارها الخاص عن الازمة: «600 ليلة وليلة»، من ان اطراف الازمة يسعون لطي صفحة الماضي، اصبح واقعاً ملموساً بمجرد رصد ردود الفعل التي تلت القرار الدولي، وفي هذه المناسبة نكرر مجدداً الدعوة من أجل أن يكون لدينا «مجتمع» يمارس دوره، يفوّت الفرصة على فرقاء الازمة ليعرف القاصي والداني من هو المتسبب في جر البلد الى هذا الموقف الذي لا يؤثر على سمعة اللعبة في البلد فحسب بل يشوه صورتها (أي البلد) بشكل عام.
اذا كان مؤيدو القانون المكرّس لمبدأ التعيين (وفق مادتة الثانية)، لا يرون في ذلك تكريس لبدعة تشريعية لم يأت بها من قبلهم أحد، وان في الامتثال لقرارات التنظيمات الدولية مس بهيبة الدولة، فلماذا توقع الكويت على ميثاق الامم المتحدة؟ ولماذا تلتزم الكويت بمساعدة السلطة الفلسطينية بناء على قرارات دولية (رغم موقفها غير المشرف في فترة الغزو العراقي الغاشم)؟ ولماذا توقع الكويت على اتفاقية «الغات» التي تعطي الحق لأي رجل موزمبيقي (على سبيل المثال لا الحصر) ان يقيم مشروعاً في الكويت دون حاجة ل«كفيل» (وفق الاتفاقية)؟
الراصد لتصريحات المؤيدين للقانون الازمة، يسهل عليه الاستدلال على كثرة استخدامهم ل«الضمير الغائب»، حيث يكرّرون في تصريحاتهم عبارات مثل: «رموز الفساد... أطراف متآمرة... لن نقف مكتوفي اليد»... الخ، دون أن يكشفوا عن اسم واحد على مدار اكثر من 600 يوم!
وإذا كان هذا هو حال نواب يمتلكون حصانة، فماذا سيكون عليه حال من لا يملك كل (او بعض) تلك الامتيازات؟
واذا كانوا عاجزين عن الكشف عن اسم واحد فقط (على اقل تقدير) من المتورطين في قضية «رياضة»، فكيف ستكون مواقفهم في قضايا كبيرة تهم قطاعات اوسع بالمجتمع في الاقتصاد والسياسة؟
كتبت الزميلة «الجريدة» الخميس الماضي افتتاحية عنونتها ب «من يجرؤ على الكلام؟... من يجرؤ على النشر؟» تعليقاً على ردود فعل احد الاقطاب السياسية والاقتصادية على خبر نشر ب«مهنية» بحسب قول الصحيفة حول مشكلة اقتصادية، قالت في خاتمتها: «ومن جهة أخرى، نحن نعرف ان للمال سطوته وغروره وسلطته. ولذلك، لا يمكننا ان نستنكر او نلوم عندما نرصد بكثير من القلق والألم كيف يؤدي «احتكار الورق» الى تكميم القلم، فمن يجرؤ على النشر؟ من يجرؤ على الكلام؟» (الى هنا انتهى نص الفقرة الاخيرة من الافتتاحية).
ونقول للنواب (الاكثر استخداماً للضمير الغائب)، ان كنتم تعانون من ازمة ورق، تعتقدون انها تعيقكم عن نشر الاسماء المتورطة في هذه الازمة، ف«النهار» مستعدة لنشرها.
يقال ان احد الناشطين السياسيين في الكويت، شارك في ندوة نظمتها احدى الدواوين في منتصف الثمانينيات، وفي اثناء حديثه لروادها فوجئ بدخول رجال الامن عليه واقتياده الى المخفر. بعد سنوات من تلك الحادثة سئل الناشط السياسي عن تلك الليلة، فقال انها كانت مفصلية في مسيرته السياسية، لأن احداً من رواد الديوانية «لم يكلف» نفسه الذهاب الى المخفر للسؤال عنه في تلك الليلة، فعرف عندئذ حجم المأساة.
الناشط السياسي أدرك متأخراً ان القضية ليست في الحكومة او المجلس بل كانت في «المجتمع نفسه». انها أزمة مجتمع، نصفه لا يعرف الحقيقة والنصف الآخر لا يكلّف نفسه البحث عنها.
أزمة الكويت مع الاتحاد الدولي فرصة أخيرة لنا جميعاً، فإما ان يكون لدينا مجتمع «حي» او مجتمع «غير حي»!
كلمة أخيرة
أخشى أن يصيبنا ما أصاب الناشط السياسي في الثمانينيات!
صحيفة النهار الكويتية
http://www.annaharkw.com/annahar/Default.aspx