
كانت لندن وستظل ملاذاً آمناً للباحثين عن اجازة بعيداً عن لهيب شمس الخليج، فكان ادجوار رود يجمع دائما الزائرين العرب، بل ضاق بهم في السنوات الاخيرة ليمتد عناق الاحبة الى أزقة نايتس بريدج وبيزووتر وشبردزبوش، والاخيرة هي المنطقة التي فيها ملعب كوينز بارك رينجرز «لوفتس رود»، الذي احتضن الكأس السوبر السعودي بين العملاقين الهلال والنصر يوم الاربعاء الماضي.
لا شك أن نقل مباراة أهم فريقين في المملكة الى خارجها، يعد مغامرة كبيرة، فثار الجدل على مدى الاسابيع والايام الاخيرة، وتساءل كثيرون عن الحكمة خلف هذه الخطوة، والمغزى خلف حرمان مئات الآلاف من السعوديين من فرصة مشاهدة المباراة في ملعب في مدينة الرياض واتخاذ خطوة غير مسبوقة بنقلها الى الخارج. لكن اليوم وبعدما توج الهلال بلقبه الاول في هذه المسابقة، التي احتفلت بعيدها الثالث، بدأ البعض يرى بعض الايجابيات.
صحيح ان ليس كل الاهداف تحققت من اقامة هذه المباراة في بلد أجنبي، لكن الأهم نجاح هذه التجربة بدليل شبه امتلاء الملعب الذي يتسع الى اكثر من 18 ألف متفرج، بل كان هناك بعض المشجعين انتظر خارج الاستاد ولم يستطع الدخول، والاهم نجاح دخول سيدات وعائلات في أجواء رائعة، وهو ما لا يستطيعون فعله في الرياض، بالاضافة الى تناقل بعض وسائل الاعلام البريطانية هذا الحدث بعدما وفر الاتحاد السعودي كتيبات تلخص التاريخ الكروي السعودي وابرز مسابقاته المحلية وانديته، لكن بالتأكيد لم يجذب المحليين من عشاق الكرة الانكليزية.
ورغم ان المباراة ظهرت بمستوى اقل من متوسط، حضر عدد من كشافي الأندية الانكليزية، رغم انني أشك ان أياً منهم خرج بانطباع ايجابي عن أي نجم من الفريقين، لكن على الاقل جذبت المباراة هذا الاهتمام، ونجح الاتحاد السعودي في اختيار توقيت مناسب لكلا الفريقين والجماهير، فالجو معتدل في منتصف هذا الشهر، على عكس طقس المنطقة الخليجية، واستغل الاتحاد وجود كلا الفريقين في معسكرين في اوروبا ليكون منطقياً دعوتهما الى لندن لخوض المباراة الافتتاحية في الموسم.
أشك في ان الفكرة التسويقية هي الاساس لاقامة هذه المباراة في لندن، لان المردود المادي سيأتي فقط من جيوب الشركات السعودية ومشجعي الهلال والنصر، لسبب بسيط ان شعبية الناديين والدوري السعودي لا يتخطى حدود الوطن العربي، على عكس مثلاً المباريات الخارجية التي تجريها الاندية الانكليزية والاسبانية والايطالية في شرق آسيا والولايات المتحدة التي يكون مردودها عالياً جداً بالترويج للاندية والنجوم في كل فريق وبالتالي للدوري الذي تشتري حقوقه قنواتهم المحلية، حتى بقطع الكرة الايطالية الخطوة الاستباقية واقامة مباراة رسمية، كمباراة الكأس السوبر الايطالي التي أقيمت 7 مرات خارج الحدود الايطالية ما بين الولايات المتحدة وليبيا وقطر وآخرها في الصين قبل أيام، لكن هذا لن يحدث مع الكرة السعودية.
ربما أرى ان الخطوة الافضل لنشر الكرة السعودية، ان تبدأ في محيط الوطن العربي، لتقام مباراة السوبر في كل عام في مدينة عربية، رهناً بتمتعها بالاستقرار الأمني، وربما تكون البداية في الرباط ثم في السنة التالية في العاصمة الاردنية عمان وهكذا، رغم المعاناة التي ستحل بجماهير الناديين المتباريين. لكن لو أخذنا بكلام قائد الهلال ياسر القطحاني بانهم حتى لو لعبوا في المريخ فسيجدون جمهور الهلال هناك، فان المكان لن يكون مشكلة على الجماهير.
ويبدو ان هذه الفكرة أصبحت مثل العدوى، فانتقلت مباشرة الى مصر، فأصبح الاتحاد المصري يدفع في اتجاه اقامة السوبر المصري في مدينة دبي الاماراتية، رغم بعض الاعتراضات، لكن لو كان قطبا السوبر المصري هما الاهلي والزمالك، فان حينها سينطبق كلام القحطاني عليهما، وسيلقيان تشجيعا وترحيباً أينما حلا، كونهما صاحبا الشعبية الاكبر في مصر، وللحجم الكبير للجالية المصرية في كل بقاع الارض.
ربما تكون اقامة مباريات السوبر خارجياً فكرة مستقبلية مدروسة بحكمة وعناية، او ربما تكون مجرد «موضة» تنتقل من جسد الى آخر.
**نقلا عن جريدة القدس العربي .



