تناقض عجيب تشهده البرازيل هذه الأيام، ويعايشه العالم مع تقارب
تناقض عجيب تشهده البرازيل هذه الأيام، ويعايشه العالم مع تقارب العد التنازلي لانطلاق الحدث المنتظر.
وفود يتوالى وصولها إلى الاستمتاع بأجواء المونديال، ومنتخبات تستعد لتقديم المتعة وترفيه العالم، بينما الجوعى والفقراء يقطعون الطرق، ويثيرون الشغب رفضا للحدث بأكمله!
البرازيليون الذين عرفهم العالم بكرة القدم وأذهلوا الدنيا ببراعتهم ومهارات أساطيرهم في الملاعب، اليوم يرفضون الحدث الذي ينتظره العالم وتتنافس عليه القارات!
البرازيليون الذين ارتبطت بهم فنون اللعبة الأكثر شعبية، اليوم يمارسون عقوقاً ظاهراً تجاهها، ويحيلون شوارعهم لصخب لا ينتهي، وينادون كل يوم بمقاطعة وإيقاف المونديال.
ما الذي حدث؟
هل تخلى أباطرة الكرة عن عشقهم؟
أم أن كرة القدم لم تعد متنفساً لهم؟
أم أنها لا تثير مشاعرهم وتحظى باهتمامهم؟
ما الذي تغير في منجم المتعة ومصنع النجوم؟
البرازيل التي اعتبرت ذات يوم أسطورتها الشهيرة «بيليه» ثروة وطنية، تواجه مأزقاً كبيراً في تنظيم أكبر محافل كرة القدم.
شوارع ريو دي جانيرو وساحات ساو باولو تكتظ بالمحتجين، ويغيب عنها المشجعون!
البرازيل لم تعد تتنفس كرة قدم، ولم تعد تهتم بمتعة النجوم وفنون المهرة بعد أن صدرتهم للعالم! مفاهيم اللعبة تتغير.
الكرة لم تعد متعة البسطاء أو مصدر بهجتهم كما كنا نردد!
تنازلوا بحثاً عن رغيف الخبز وجرعة الدواء.
همومهم ومتاعبهم أكبر من تسلية عابرة أو متابعة زائلة، هكذا يقول المتظاهرون والمحتجون.
كرة القدم بأرقامها ونفقاتها أصبحت للأغنياء والمترفين
بعد أن كانت في متناول البسطاء!
الأمر أشبه ما يكون برواية «الحب في زمن الكوليرا».
الحياة تغيرت والمطالب اختلفت، والاحتجاجات القائمة اليوم في شوارع المدن البرازيلية ما هي إلا صورة لواقع الرياضة بعد أن تحولت إلى مال وصناعة وعبث أرقام. فقد الفقراء والمعدمون في البرازيل والعالم كله آخر وسائل التسلية المجانية، وبات عليهم توفير المال لمتابعة الراكضين في ميادين الكرة، فتذكرة مباراة أو متابعة بطولة محتكرة تخضع لحسابات خاصة، وموازنة تفوق ما يناله أحدهم بعد شهر من العمل المرهق، الحياة تقسو عليهم أكثر، والرياضة تتخلى عمن احتفى بها أولاً وتنحاز للمال والأثرياء.
آخر العزف:
لغة المال هي الأقوى، لذا سينتصر المترفون ويستمتعون بمونديال الصيف. بينما لا أحد يلتفت لصراخ الجوعى الباحثين عن رغيف البقاء على رصيف الحياة!
**نقلا عن صحيفة "الحياة" اللندنية