هل لكم ان تتخيلوا معي يا سادة ان جاءكم شخص ما من بين ركام الكثبان البيض قابعاً في برودة السويد القارصة والمتخمة بالثلوج..!! ومن ثم لينعم بعدها بحلاوة طقس الدوحة مشنفا أذنيه بتكبيرات الله اكبر ذاك النداء الأسمى وقد حرمته منه سنوات الاغتراب؟ برأيكم ماذا سيقول لحاله؟ هو يمعن النظر بأطياف الشمس اللامعة في «سوق واقف» الشهير كأنما ينتظر بزوغها بلهفة بعدما حجبت عنه لأكثر من 5 أشهر.. أو أن يحتسي فنجان قهوته في الهواء الطلق دون ان تزعجه زخات مطر غزير او يلوذ هربا من برودة الجو التي كادت تكسر رموشه في أيام الانجماد..
تلك هي حكايتي مع الدوحة وهي تزدان ألقاً بالمونديال الآسيوي بعد ما فتحت اذرعها لفرسان الحدث بسخاء وأحسنت وفادة زائريها..فهذه زيارتي الأولى لها لكن مآثر بهجتي أخذت تتكامل مع بعضها البعض كلما أبحرت في ثنايا حواريها وغصت بأمكنتها الهادئة..بيد ان الذي أسرني كثيرا وأحاطني بدفء الشعور العربي هو تلك الجلسة التي سرقتها بصمت من دقائق مباريات البطولة وأحداثها الشيقة بعد ان استأذنت من أوراق التحليل المتناثرة هنا وهناك بفسحة من الزمن، فوضعتها مؤقتا تحت رحمة قدح(الكرك) المحلى كي لا تطير.. إذ جمعتني أريكة خشبية ساحرة انظر من بعدها إلى 6 صحفيين من دول الخليج قدموا لتغطية الحدث القاري، فسبحان الله جميعهم من دول الخليج وتخيلت أنني في جلسة خليجية خالصة، فالأزياء الجميلة ذاتها واللكنة الخليجية الضاربة في أعماق تراث الجزيرة وسواحل الخليج ملأت صنوان أذني بإيقاعها المميز وجرس نطقها اللافت، لتفتح بعدها أبواب النقاشات الرياضية والأحاديث الثانوية على روائح الاركيلة الشهية فتدفقت علَي فجأة انهر التحليلات الفنية ثم جاء دور القراءات المتوقعة والسيناريوهات المحتملة للمباريات ثم أجّمل كلام الجلسة في حزمة من الأماني المشروعة قفزت بكل شموخ عاليا وتعددت أعلى ناطحات شارع الكورنيش الساحر والتي أضافت لدوحة الخير صبغة الحداثة والعمران الحديث مثلما سحرني «واقف» بتراثه العتيق وكأني أرشف من نهله كأس«شناشيل البصرة» وثم هام من فوقي خيال الحبيبة بغداد،فكلما هبت علينا نسائم العليل الباردة زاد ولعي في هذه البقعة المذهلة وعبقها الفريد.
وما بين هذا وذاك انتفض احد الأشقاء الخليجيين مازحا معي..طالبا رأيي بسؤال جميل صاغ حروفه المبعثرة بقلائد نشوة المكان وغبطة الحدث قائلا: بالله عليك أيها النعيمي. ألا تشعر وكأنك في بطولة الخليج..ولست في بطولة آسيا؟ تأملت سؤاله جيداً وأنا أطالع ثوبه العربي الأنيق وشماغه المنتشي بلون الأحمر الذي تساقطت عليه بضع قطرات هامسة دنت من السماء لتنثر علينا رذاذها بسرعة البرق.صمت ثم قلت له..يا ابن العم هي كذلك والله وكأن آسيا التحفت بشماغ خليجي مهيب أسدل على ثوبها الأبيض الزاهي، نعم أدرك جيدا أنها بطولة آسيا لكنها بعقال عربي عتيق نسج من وبر الإخوة وطرزت حاشيته بخيوط الكرم العربي ورصعت نهاياته بوفادة الأشقاء والإخوة..اعلم ان كلماتي تطايرت بعفوية من بين ثنايا الأحاديث وهي تنازع زحمة المرور في السوق الذي اكتظ بلاعبي آسيا ومدربي القارة الصفراء غير ان قلمي انسل خلسة وسط زحمة المشاعر ليندس بين أصابعي عنوة وهو يدون خلاصة مشاعري وليترجم زبدة خواطري وليسطر كلماتي التائهات في شغف اللقاء وعذوبة الأجواء وصحبة الأصدقاء بين أهلي وناسي في قطر العروبة وصحبة الأوفياء..كل ذلك كان في «سوق واقف» وعنده الآن سأقف. لأني أدرك جيدا لو حلقت بكلماتي في دنيا الاسترسال وعمت سابحا في الوصف فلن يوقفني أحد لأن ليس لمشاعري حد معين أو حتى سقف.
"نقلا عن صحيفة الوطن القطرية"