


في العرف التقليدي، يستقي الإعلامي الأخبار من مصادر خاصة داخل إدارة النادي، دون انتظار البيان الرسمي، الذي غالبا ما يأتي تأكيدا لأخبار نشرت قبل يوم أو ايام، فيعرض الحقائق مجردة بعيدة عن التوقعات، وقد يكتفي بكلمات معدودة، طالما أنه لا يكشف سرا، وإنما يحدد الموقف النهائي للإدارة.
لكن ما حدث في قصة نادي الزمالك مع مدربه السابق كارتيرون، يعد حبكة درامية مثيرة، مثلت فيلما تسجيليا من 4 فصول، سرد الأحداث بشكل تسلسلي، ووضع الحقيقة كاملة بين يدي المشاهد عبر قناة النادي، التي سجلت سبقا في التعامل مع القضايا التعاقدية ابين المدرب والنادي في حال اتخاذ قرار الفراق.
في الفصل الأول، يجلس رئيس النادي مع عدد من أعضاء الإدارة، يشرح لهم ما حدث مع كارتيرون، واتصاله في الثانية صباحا بالمشرف العام على الفريق، طالبا منه فسخ العقد، وفي الفصل الثاني، يدخل كارتيرون للاجتماع، ويستمع من رئيس النادي الذي أكد تمسكه به، وعرض عليه أكثر من المبلغ الذي سيحصل عليه من صفقته المجهولة، ليطلب المدرب الفرنسي مهلة قصيرة للتفكير في العرض الجديد، ويدخل كارتيرون ثانية في الفصل الثالث، ويبدي اسفه لعدم قدرته على إكمال المشوار، وأنه اتخذ قراره بشكل نهائي لأسباب تتعلق بأسرته، وبشكل المنافسة في مصر، ويأتي الفصل الرابع باجتماع رئيس النادي واللاعبين، باسطا أمامهم كل الحقائق، وطالبا منهم نسيان مدربهم السابق، والنظر للأمام مع المدرب القادم.
انتهت الفصول الدرامية، بإعلان قبول استقالة كارتيرون، الذي مثل حالة غريبة، بإحضار شرطه الجزائي والبالغ ربع مليون دولار، ودفعه نقدا إلى إدارة الزمالك، لتبدأ بعدها حكايات جديدة، في الكشف عن النادي الذي (حرّض) المدرب الفرنسي، ومسألة تأخره عن طائرة الأربعاء بعد أن توقف به السائق في الطريق إلى المطار، وما تلا ذلك من تصريحات غاضبة من رئيس الزمالك تجاه كارتيرون ومن حرضه، وبأن الامر تجاوز الأعراف الرياضية المتبعة، والتي تمنع التفاوض مع مدرب ما زال يمارس عمله مع ناد آخر، وصدور بيان لنادي التعاون الذي استقطب كارتيرون، مؤكدا أن التفاوض جاء بعد استقالة الفرنسي وليس قبلها.
لن نعلق على الحالة باعتبارها واضحة وضوح الشمس، فكارتيرون تصرف بشكل بعيد عن الاحترافية، وساق مبررات غير منطقية للاستقالة ترتبط بعائلته وبشكل المنافسة، ونفى بشكل قاطع أنه تلقى عرضا آخر، ولكن الأمر انكشف سريعا بإعلان تعاقده مع التعاون، ولكن ما يهمنا في هذه المقالة، الشكل الإخراجي للقصة الذي كان ملفتا ومثيرا، وقد يمثل نوعا جديدا من التعامل الإعلامي في القضايا المشابهة، والتي تضع الجمهور داخل الحدث، وتعطيهم الفرصة الكاملة للحكم عليه، بعيدا عن التكهنات والتوقعات، أو الأخبار المقتضبة.
الإعلام يتغير ويتشكل كل يوم، وإعلام النادي بات أكثر قوة، باستخدام مثل هذه الوسائل في جذب الجمهور، ووضع الحقائق كاملة بين أيديهم، وبشكل يربطهم بشكل أكبر بناديهم من خلال قناته التلفزيونية التي لا بد لها أن تتجاوز تلميع الإدارة ومنجزاتها وأشخاصها، نحو رسالة تضم بين ثناياها حقائق وارقام تبث الثقة فيما يتم تقديمه، وتتجاوز الهجوم على الغير وإطلاق التهم وإخفاء الحقائق..
شخصيا استمتعت بما عرضته قناة الزمالك، فمثل هذه (الأفلام الواقعية) التي تكشف الحقائق مطلوبة، وتمثل نقلة نوعية في المكاشفة مع الجماهير، ولا بد منها من أجل الظهور بشكل مختلف تماما، واستخدام ميزة لا يمتلكها الآخرون، بالدخول للغرف المغلقة، وعرض مراحل طبخ القرار، وتقديمه للجمهور، وقد يكون التجاوب الكبير مع هذه الخطوة الزملكاوية بامتياز، دافعا لأندية أخرى لاستثمار قنواتها ومنصاتها الإعلامية عبر السوشال ميديا، على السير بذات الاتجاه، واستقاء القوة من الجمهور في اتخاذ القرارات بعد المكاشفة الكاملة ووضع الحقائق المجردة بين يديه.
قد يعجبك أيضاً



