إعلان
إعلان

ليالي "أنس" في لندن

د.محمد مطاوع
10 يوليو 202217:09
mohammad mutawe

أدمنت على متابعة التنس منذ نعومة أظفاري، تابعت العديد من نجوم ونجمات التنس العالميات في معظم بطولات الجراند سلام، ولكن في هذا العام بالتحديد، الأمر أخذ منحا آخر، فلدينا سفيرة تحلق بجناحين في عالم الكرة الصفراء الساحر..خطفت قلوبنا، وجعلتنا نتسمر أمام الشاشة ونبحث عن آخر أخبارها بكل اهتمام.

أنس جابر، قلبت موازين اللعبة، فلم يعد الأمر مجرد إعجاب بأسطورة كريس أيفرت أو إصرار مارتينا نافرتيلوفا وأعجاز شتيفي جراف، أو بطولة مارتينا هينجيز ومونيكا سيليش، أو قوام آنا كورنيكوفا وجمال ماريا شارابوفا ولا عناد آرانشا سانشيز ولا حتى استثناء الشقيقتين فينوس وسيرينا وليامز بعد تغييرهما قواعد لعبة الجمال والبشرة البيضاء..وغيرهن الكثير من أهم نجمات التنس، حيث كنا نتابعهن ونذهل بقوة الأداء والمهارة..لكن لم يكن يدور في خلدي أن أشاهد في يوم ما، لاعبة عربية تسطع بين النجمات وتنافسهن على الألقاب، بل وكان ذلك مجرد خيال قد يكون ضربا من الجنون.

تابعت أنس جابر منذ إنجازها عام 2011 وتتويجها بلقب فئة الشباب في بطولة رولان جاروس، حيث كنت حاضرا حفل تكريمها بجائزة سمو الشيخ محمد بن راشد أل مكتوم للإبداع الرياضي في دبي، كأفضل لاعبة عربية واعدة، وقد يكون ذلك أول تكريم لهذه البطلة، وبشكل جعل الأنظار تتجه إليها، ولا أخفي مشاعري بأن اللاعب العربي في مثل هذه المنافسات يكون متميزا في شبابه، ولكن تصعب المهمة مع دخوله أتون المنافسة مع نجوم عالميين، حيث تظهر فوارق الخبرة والإعداد والنمط الرياضي العالي الذي يصعب مجاراته.

ويبدو أن ما كانت تختزنه أنس، أكبر بكثير من توقعاتي تجاهها، وبدأت بالبروز شيئا فشيئا في عالم التنس، معتمدة طريقا أكثر هدوءا من نجمات صعدن كالصاروخ، وهوين نحو عالم النسيان، تحدت كل المعوقات، وواصلت عملها بكل مثابرة وصبر، استخدمت كل محطة فشل، كبوابة للنجاح، وراكمت كل الخبرات في سبيل بناء عقلية الانتصار، وبدأت تدخل نادي البطلات رويدا رويدا، ويتحول تعاطفنا مع النجمة العربية التونسية الإفريقية، إلى مواكبة لانتصارات نجمة تنس بمواصفات عالمية، وتحولنا إلى ذلك الشغف الذي تحدثت عنه في البداية، نشجع نجمة حقيقية، بطلة عالمية، وليس مجرد لاعبة محلية تشارك في بطولة هنا وتحقق فوزا معنويا هناك.

في ويمبلدون هذا العام، كانت الأمور مختلفة تماما، لعبت أنس على الملعب الرئيس، خطفت قلوب ملايين العرب والأفارقة، وهم يتابعون انتصاراتها المدوية، كررت إنجازها بالوصول إلى ربع نهائي البطولة، ولم تتوقف عنده، بل أخذها شغفها نحو الدور نصف النهائي، تأججت نيران المنافسة حتى ألهبت مشاعر الجميع وهي ترتقي سلم البطولة نحو النهائي، الذي كان لها شرف الوصول إليه كأول تونسية وعربية وإفريقية، وترفع معه كل آمالنا برؤيتها وهي ترفع ذلك الدرع البهي، أمام أنظار دوقة كامبردج كيت ميدلتون وجميع عشاق اللعبة في العالم.

خطفت أنس المجموعة الأولى أمام الكازاخستانية إيلينا ريباكينا، بأداء رائع وتكتيكات فنية لا مثيل لها، لكن الثقة الزائدة وقلة الخبرة في مثل هذا النهائي الكبير، جعلها تخسر مجموعتين متتاليتين، لتكتفي بالوصافة، وهو إنجاز في حد ذاته بالنسبة لنا، ولكنه لم يكن كذلك بالنسبة لأنس، التي ضربت مثالا رائعا في التماسك والتحدث بكل لباقة عن منافستها، وامتنان لكل من ساندها في الملعب وخارجه، وملزمة نفسها بوعد العودة للفوز في العام المقبل.

عزفت أنس أجمل على أوتار الروعة في ويمبلدون، وأطربتنا بموهبتها الرائعة، كما شدت ليلى مراد برائعتها ليالي الأنس في فينا..فكانت ليالي إنس في لندن..وعلى ملاعب ويمبلدون بذات الإحساس المرهف والجمال الخارق للعادة..وستبقى معزوفة أنس تطربنا حتى موعدنا الجديد مع سفيرة السعادة في عاصمة الضباب.

إعلان
إعلان
إعلان
إعلان